وطن-في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى السعودية والمنطقة، وصل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى القاهرة للقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في وقت تتعرض فيه المملكة لهجمات بالصواريخ والمسيّرات التي يعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنها، بينما يتصاعد القلق بشأن مستقبل الأمن في البحر الأحمر وباب المندب.
وتطرح الزيارة أسئلة حول الملفات التي حملها محمد بن سلمان إلى القاهرة، خصوصاً أن التحركات السعودية الأخيرة تأتي على وقع تطورات عسكرية متسارعة في اليمن، وتزامناً مع اتصالات سعودية وأميركية بشأن التطورات الإقليمية.
ورغم عدم وجود ما يؤكد أن ولي العهد السعودي جاء إلى القاهرة لطلب تدخل عسكري مصري مباشر ضد الحوثيين، فإن توقيت الزيارة وطبيعة التحديات التي تواجهها الرياض يجعلان الملف اليمني وأمن البحر الأحمر من أبرز القضايا التي قد تكون حاضرة في المحادثات بين الجانبين.
لماذا القاهرة في هذا التوقيت؟
تكتسب القاهرة أهمية خاصة بالنسبة إلى الرياض في ظل موقع مصر الجغرافي ودورها التاريخي في أمن البحر الأحمر، فضلاً عن امتلاكها واحداً من أكبر الجيوش في المنطقة وسيطرتها على قناة السويس، التي تمثل شرياناً رئيسياً للتجارة العالمية.
ومن هذه الزاوية، فإن أي تصعيد واسع في البحر الأحمر أو تهديد متزايد للملاحة قرب باب المندب لا يمثل تحدياً للسعودية وحدها، وإنما ينعكس أيضاً بصورة مباشرة على المصالح المصرية.
وتأتي زيارة محمد بن سلمان بينما تواجه الرياض ضغوطاً أمنية مرتبطة بالهجمات الحوثية، في وقت يثير فيه أي توسع في نفوذ الجماعة على الساحل الغربي لليمن مخاوف تتجاوز حدود الصراع اليمني الداخلي.
السعودية تحت ضغط الهجمات الحوثية
خلال الفترة الأخيرة، تعرضت السعودية لهجمات بالصواريخ والمسيّرات أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنها، فيما تحدثت التقارير عن إصابة 13 مدنياً وأضرار لحقت بمنازل ومركبات.
كما أعلن الحوثيون استهداف قاعدة الملك خالد الجوية، في إطار تصعيد يضع الدفاعات السعودية أمام اختبار جديد.
ولا تتوقف حساسية هذه الهجمات عند الخسائر المباشرة، إذ إن استمرارها قد يفرض على الرياض إعادة تقييم خياراتها الأمنية والعسكرية، خصوصاً إذا تزامنت مع تحركات للحوثيين على الساحل الغربي لليمن.
باب المندب.. نقطة القلق الأكبر
تكمن إحدى أخطر حلقات الأزمة في باب المندب، الممر البحري الاستراتيجي الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. وأي تحول في ميزان القوى على الساحل الغربي لليمن يمكن أن ينعكس على أمن الملاحة في هذه المنطقة، ويزيد المخاطر على حركة السفن التجارية وطرق نقل الطاقة.
وبالنسبة إلى السعودية، فإن المسألة لا ترتبط فقط بأمن حدودها أو بالهجمات الصاروخية والمسيّرات، بل بمستقبل التوازنات في البحر الأحمر، حيث تتقاطع المصالح السعودية والمصرية والأميركية مع حسابات أطراف إقليمية أخرى.
أما بالنسبة إلى مصر، فإن استقرار البحر الأحمر يمثل مصلحة استراتيجية مباشرة، ليس فقط بسبب الأمن البحري، وإنما أيضاً بسبب أهمية قناة السويس بالنسبة إلى الاقتصاد المصري وحركة التجارة الدولية.
لماذا السيسي تحديداً؟
تتمتع القاهرة بعلاقات وثيقة مع الرياض، كما أن البلدين ينظران إلى أمن البحر الأحمر باعتباره جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي. ولهذا، يمكن أن تكون زيارة محمد بن سلمان فرصة لبحث مستوى التنسيق بين البلدين في مواجهة التداعيات المحتملة للتصعيد اليمني، سواء على الصعيد الأمني أو السياسي أو البحري.
لكن السؤال الأكثر حساسية يتمثل في طبيعة الدور الذي قد تطلبه الرياض من القاهرة. فهل تبحث السعودية عن دعم سياسي مصري أقوى في مواجهة الحوثيين؟ أم عن تنسيق أمني لحماية الملاحة في البحر الأحمر؟ أم أن المحادثات تتعلق بإعداد ترتيبات إقليمية أوسع لمنع اتساع رقعة التصعيد؟
لا توجد، وفق المعطيات المتاحة، مؤشرات مؤكدة على أن القاهرة تستعد للدخول عسكرياً في مواجهة مباشرة مع الحوثيين، ولذلك يبقى الحديث عن «استنجاد» سعودي بالجيش المصري في هذه المرحلة ضمن نطاق التحليل والتساؤلات السياسية، وليس حقيقة معلنة.
واشنطن حاضرة في المشهد
وتزداد أهمية زيارة القاهرة مع تحرك الاتصالات السعودية على أكثر من مسار. فقد بحث محمد بن سلمان التطورات الإقليمية مع قائد القيادة المركزية الأميركية، في وقت تبقى فيه الولايات المتحدة لاعباً رئيسياً في ترتيبات الأمن البحري والعسكري في المنطقة.
ويعني ذلك أن الرياض لا تتعامل مع التهديد الحوثي باعتباره ملفاً يمنياً منفصلاً، وإنما ضمن شبكة أوسع من الحسابات المرتبطة بأمن الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية الدولية.
ومن هنا تبدو القاهرة إحدى العواصم المهمة التي يمكن للرياض أن تنسق معها، خصوصاً أن مصر تمتلك نفوذاً ومصالح مباشرة في البحر الأحمر وقناة السويس.
هل تعود مصر إلى واجهة الملف اليمني؟
لطالما ارتبط اسم مصر بالملف اليمني. ففي ستينيات القرن الماضي، تدخل الجيش المصري عسكرياً في الحرب الأهلية اليمنية، في واحدة من أبرز العمليات العسكرية الخارجية في تاريخ مصر الحديث. لكن الظروف الحالية مختلفة تماماً، كما أن القاهرة تتعامل مع مجموعة واسعة من التحديات الأمنية والاقتصادية والإقليمية.
ولهذا، فإن أي مشاركة مصرية محتملة في الأزمة الحالية لا تعني بالضرورة تدخلاً برياً أو حرباً مباشرة، إذ يمكن أن تتخذ أشكالاً أخرى، مثل التنسيق البحري، أو تبادل المعلومات، أو دعم الجهود الدبلوماسية، أو المشاركة في ترتيبات أمن الملاحة.
معضلة سعودية تتجاوز اليمن
المشكلة بالنسبة إلى الرياض لا تتمثل فقط في كيفية التعامل مع الهجمات الحوثية الحالية، وإنما في منع تحولها إلى تهديد استراتيجي طويل الأمد. فإذا تمكن الحوثيون من تعزيز مواقعهم على الساحل الغربي لليمن وفرضوا واقعاً جديداً بالقرب من باب المندب، فقد تصبح تداعيات الصراع أكثر تعقيداً، خصوصاً بالنسبة إلى أمن الملاحة والطاقة والتجارة الدولية.
وهنا تبرز أهمية التنسيق بين السعودية ومصر والولايات المتحدة، إلى جانب الأطراف الإقليمية والدولية الأخرى المعنية بأمن البحر الأحمر. لكن في المقابل، فإن أي تحرك عسكري واسع قد يحمل مخاطر تصعيد أكبر، وقد يدفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة يصعب التحكم في مساراتها.
زيارة تحمل رسائل متعددة
في النهاية، يصعب فصل زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة عن التطورات المتسارعة في اليمن والبحر الأحمر، حتى وإن لم يكن هناك إعلان رسمي بأن الهدف منها هو طلب تدخل عسكري مصري ضد الحوثيين.
فالرياض تواجه تهديدات أمنية متزايدة، والقاهرة تملك مصالح استراتيجية مباشرة في البحر الأحمر، بينما تتحرك واشنطن أيضاً على خط الأزمة. وبين الحاجة إلى حماية الأمن الإقليمي وتجنب الانجرار إلى حرب جديدة، تبدو زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة اختباراً مهماً لطبيعة التنسيق السعودي المصري في المرحلة المقبلة.
ويبقى السؤال الأبرز: هل تكتفي القاهرة بالدعم السياسي والتنسيق الأمني، أم أن تطورات البحر الأحمر قد تدفع مصر إلى لعب دور أكثر مباشرة في مواجهة تداعيات التصعيد الحوثي؟
اقرأ المزيد
السعودية تستبعد مصر من “اتفاق مكة”.. هل فقدت الرياض ثقتها في السيسي؟
لماذا امتنعت مصر عن الانضمام إلى الحلف الأمني بين تركيا والسعودية وباكستان؟
تركيا والسعودية من خصمين إلى حليفين؟ شراكة استراتيجية تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط
الحوثيون يصعدون ضد السعودية.. هجمات على مأرب ونجران والبحر الأحمر وتحالف دفاعي جديد يغيّر المعادلة

