وطن-في خطوة إقليمية لافتة، اتجهت تركيا والسعودية وباكستان نحو توقيع اتفاق أمني جديد يحمل ملامح تحالف دفاعي واسع، بينما اختارت مصر عدم الانضمام إلى الاتفاق في مرحلته الحالية، رغم جهود تركية استمرت فترة طويلة لإقناع القاهرة بالمشاركة.
أردوغان يتوجه إلى مكة لتوقيع الاتفاق
قالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان توجه إلى مكة يوم الجمعة للمشاركة في مراسم توقيع الاتفاق الأمني مع السعودية وباكستان، في زيارة حرصت أنقرة على إبقائها بعيداً عن الأضواء.
ولم تظهر الرحلة ضمن الجدول الرسمي للرئيس التركي، كما أن قرار تنظيم مراسم التوقيع اتُّخذ بصورة مفاجئة قبل أيام قليلة، وتحديداً يوم الثلاثاء. وبحسب مصادر مطلعة نقلت عنها الصحيفة، خشي مسؤولون أتراك من أن يؤدي الإعلان المبكر عن زيارة أردوغان إلى منح أطراف أخرى فرصة للتدخل في ترتيبات الاتفاق أو محاولة عرقلته.
اتفاق دفاع جماعي بين تركيا والسعودية وباكستان
تكتسب الاتفاقية الجديدة أهمية خاصة بسبب طبيعة بند الدفاع الجماعي الذي تتضمنه، والذي يشبه إلى حد كبير مبدأ الدفاع المشترك المنصوص عليه في المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي.
ويقوم هذا المبدأ على اعتبار أن تعرض إحدى الدول الأعضاء لهجوم مسلح يمكن أن يستدعي تحرك بقية الدول الأعضاء للدفاع عنها. وعلى الرغم من أن التفاصيل الكاملة للالتزامات العسكرية بين الدول الثلاث لم تُعلن بصورة واضحة، فإن الاتفاق يعكس توجهاً نحو بناء إطار أمني إقليمي أكثر ترابطاً.
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن بلاده أمضت نحو عامين في محاولة إقناع الأطراف المعنية بالمضي نحو هذا الاتفاق.
تحالف إقليمي يثير قلق إسرائيل
شهدت الأشهر الماضية مشاورات منتظمة بين تركيا والسعودية وباكستان ومصر على مستوى وزراء الخارجية، ضمن إطار غير رسمي عُرف باسم الرباعي الإقليمي. وأثارت هذه التحركات اهتماماً إسرائيلياً متزايداً، في ظل المخاوف من ظهور ترتيبات أمنية إقليمية جديدة لا تكون إسرائيل جزءاً منها.
وفي فبراير الماضي، اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت تركيا بمحاولة دفع السعودية نحو تشكيل محور إقليمي يضم باكستان، في إشارة إلى القلق الإسرائيلي من التقارب المتزايد بين عدد من القوى الإقليمية.
لماذا ترددت مصر في الانضمام؟
وفق مصادر تركية نقلت عنها الصحيفة البريطانية، أبدت مصر والسعودية خلال الأشهر الأخيرة تردداً بشأن الانتقال إلى بنية أمنية أكثر تكاملاً مع تركيا.
وكان التصور التركي في البداية يقوم على اتفاق ثلاثي، قبل أن تبرز مصر باعتبارها مرشحاً مهماً للانضمام إلى الترتيب الأمني، نظراً إلى ثقلها العسكري والسياسي ومكانتها في الشرق الأوسط.
كما أن القاهرة تتقاطع مع أنقرة والرياض والدوحة في عدد من الملفات الإقليمية، من بينها بعض الجهود المرتبطة بالحرب في غزة، إضافة إلى ملفات جيوسياسية في القارة الإفريقية.
أنقرة قدمت مقترحاً رسمياً للقاهرة
بحسب مصدر مطلع على المفاوضات، بذلت تركيا جهوداً كبيرة لإقناع مصر بالانضمام إلى الاتفاق، وقدمت للقاهرة مقترحاً رسمياً للمشاركة. لكن عندما أصبح واضحاً أن مصر ليست مستعدة للانضمام في الوقت الحالي، قررت تركيا والسعودية وباكستان المضي قدماً في الاتفاق، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام مشاركة مصر في المستقبل.
وحاول وزير الخارجية التركي هاكان فيدان التقليل من أهمية الغياب المصري، مؤكداً أن العلاقات بين الدول المعنية قريبة بالفعل من مستوى التحالف.
وقال إن مصر قد تصبح جزءاً من التحالف خلال المرحلة المقبلة، مشيراً إلى وجود بعض المسائل الفنية التي تحتاج إلى معالجة قبل انضمامها.
العلاقة مع إسرائيل تعقّد حسابات القاهرة
بحسب مصادر مطلعة على النقاشات في أنقرة، فإن حساسية علاقة مصر مع إسرائيل تمثل أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت القاهرة إلى التريث.
فمصر حليف للولايات المتحدة، وجارة مباشرة لإسرائيل، كما أنها أول دولة عربية وقعت معاهدة سلام رسمية مع تل أبيب. ولذلك تجد القاهرة نفسها أمام شبكة معقدة من الحسابات الأمنية والسياسية، خصوصاً في ظل الحرب المستمرة في غزة والتوترات المتزايدة في المنطقة.
وترى المصادر أن انضمام مصر إلى اتفاق أمني يجمعها بتركيا والسعودية وباكستان قد يعرضها لضغوط إسرائيلية وأميركية، في وقت تحاول فيه القاهرة الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف.
وفي السياق ذاته، ذكرت صحيفة “مدى مصر” أن القاهرة رفضت الانضمام إلى الاتفاق الأمني في المرحلة الحالية.
التوتر السعودي الإماراتي عامل آخر
لكن العلاقة مع إسرائيل ليست العامل الوحيد الذي يؤثر في القرار المصري، وفق ما نقلته الصحيفة البريطانية عن مسؤولين إقليميين.
فالقاهرة تحاول أيضاً الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع السعودية والإمارات، في ظل وجود خلافات وتنافس متزايد بين القوتين الخليجيتين في عدد من الملفات.
وترتبط مصر بعلاقات قوية مع الرياض وأبوظبي على حد سواء، كما تعتمد بدرجة مهمة على الدعم والاستثمارات الإماراتية، بينما تجمعها بالإمارات ترتيبات دفاعية.
ويزيد هذا الوضع من صعوبة انضمام القاهرة إلى تحالف أمني قد يتطلب منها اتخاذ مواقف أكثر وضوحاً في حال تطورت التنافسات الإقليمية.
الهند تزيد تعقيد حسابات مصر
تتداخل في الحسابات المصرية أيضاً علاقتها المتنامية مع الهند.
وتسعى القاهرة إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية مع نيودلهي، في وقت تواصل فيه الحفاظ على علاقات وثيقة مع أبوظبي وواشنطن.
ولهذا، فإن الانضمام إلى تحالف أمني جديد قد يضع مصر أمام التزامات استراتيجية لا تتوافق بالضرورة مع سياسة التوازن التي تتبعها في علاقاتها الخارجية.
وتشير التقديرات إلى أن القاهرة تفضل في المرحلة الحالية الحفاظ على هامش واسع للمناورة، بدلاً من الانضمام إلى محور أمني قد يفرض عليها اصطفافات طويلة المدى.
مصر لا تريد الانحياز إلى محور إقليمي
تكشف هذه الحسابات أن مصر لا تبدو مستعدة في الوقت الحالي للانضمام إلى اصطفاف إقليمي واضح. فمن جهة، يتزايد التقارب الأمني بين تركيا والسعودية وباكستان، ومن جهة أخرى ترتبط القاهرة بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة والإمارات والهند، إلى جانب علاقتها الأمنية والسياسية مع إسرائيل.
وتحاول مصر، وفق هذه القراءة، الحفاظ على موقع يسمح لها بالتعامل مع جميع الأطراف دون أن تصبح طرفاً رسمياً في تحالف قد يضعها في مواجهة أطراف إقليمية أو دولية أخرى.
هل تنضم القاهرة إلى الاتفاق مستقبلاً؟
على الرغم من عدم مشاركة مصر في الاتفاق حالياً، لا تزال تركيا تراهن على إمكانية انضمامها مستقبلاً. ويرى مسؤولون أتراك أن تطور الاتفاق وتحوله إلى إطار دفاعي قادر على تعزيز الردع الإقليمي قد يدفع القاهرة إلى إعادة النظر في موقفها. وبذلك، لا يبدو الغياب المصري بالضرورة رفضاً نهائياً، بل قد يكون قراراً مؤقتاً تفرضه حسابات سياسية وأمنية واقتصادية معقدة.
خريطة جديدة للتحالفات في الشرق الأوسط
يعكس الاتفاق بين تركيا والسعودية وباكستان التحولات المتسارعة في خريطة التحالفات الإقليمية، في وقت أصبحت فيه الحسابات الأمنية مرتبطة بشكل متزايد بالحرب في غزة، والعلاقات مع إسرائيل، والتنافس الخليجي، ودور الولايات المتحدة والهند في المنطقة.
أما قرار مصر البقاء خارج الاتفاق في مرحلته الحالية، فيؤكد أن القاهرة تفضل الاحتفاظ بهامش واسع من المناورة، وعدم الالتزام في الوقت الراهن بمحور أمني جديد قد يفرض عليها خيارات استراتيجية طويلة المدى.
اقرأ المزيد
غياب مصر عن اتفاق مكة يثير التساؤلات.. هل تنضم لاحقاً إلى تحالف السعودية وتركيا وباكستان؟
تركيا والسعودية من خصمين إلى حليفين؟ شراكة استراتيجية تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط
اتفاق دفاعي ثلاثي مرتقب بين السعودية وتركيا وباكستان قد يغيّر توازنات المنطقة..


تعليق واحد
عديد من المغالطات
اولا هو ليس اتفاق امني هو معاهده دفاعيه وهناك فرق كبير
ثانيا مصر لم تمتنع عن المشاركة بمزاجها مصر لم تدعى من الاساس للمشاركة من الثلاثي