وطن-لطالما بدت العلاقة بين تركيا والسعودية واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً في الشرق الأوسط، بعدما تنافست أنقرة والرياض لسنوات على النفوذ السياسي والإقليمي، واختلفتا في ملفات عديدة من سوريا إلى قطر واليمن والقرن الأفريقي.
لكن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً لافتاً في مسار العلاقات بين البلدين. فبعد مرحلة من التوتر والتنافس الحاد، بدأت تركيا والسعودية في بناء شراكة أكثر واقعية، تقوم على المصالح الاقتصادية والتعاون الدفاعي والتنسيق السياسي، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط.
من المنافسة إلى إعادة بناء العلاقات
لم تكن العلاقة بين أنقرة والرياض مستقرة دائماً. فقد برزت الخلافات بين الطرفين بشكل واضح خلال العقد الماضي، خصوصاً مع الأزمة الخليجية وموقف تركيا الداعم لقطر، إضافة إلى اختلاف الرؤى بشأن عدد من الملفات الإقليمية.
وكانت سوريا وليبيا وقطر واليمن من أبرز ساحات التنافس غير المباشر بين القوتين الإقليميتين، في وقت سعت فيه كل دولة إلى تعزيز نفوذها السياسي والأمني والاقتصادي في المنطقة.
لكن الحسابات تغيرت تدريجياً. ومع تراجع حدة بعض الصراعات الإقليمية، بدأت أنقرة والرياض في البحث عن أرضية مشتركة تسمح بإعادة بناء العلاقات بدلاً من استمرار المواجهة السياسية.
وتشير تحليلات إقليمية إلى أن التقارب التركي السعودي أصبح جزءاً من توجه أوسع نحو بناء ترتيبات إقليمية جديدة، في ظل تراجع اليقين بشأن الدور الأميركي وتغير موازين القوى في الشرق الأوسط.
الاقتصاد يدفع التقارب التركي السعودي
يُعد الاقتصاد أحد أهم المحركات الجديدة للعلاقات بين تركيا والسعودية. فالرياض تمتلك قدرات مالية واستثمارية ضخمة من خلال صندوق الاستثمارات العامة ومشروعاتها المرتبطة برؤية السعودية 2030، بينما تمتلك تركيا قاعدة صناعية واسعة وخبرة متنامية في مجالات التكنولوجيا والدفاع والبنية التحتية. ولهذا أصبح التعاون الاقتصادي وسيلة عملية لتثبيت التقارب السياسي.
وفي فبراير 2026، اتفقت أنقرة والرياض على تعزيز التعاون في مجالات الدفاع والاستثمار والطاقة المتجددة، كما برزت خطط لتعميق الشراكة في مشروعات استراتيجية، بينها مشروع مشترك مرتبط بالمقاتلة التركية الشبحية KAAN.
كما وضع البلدان هدفاً لزيادة حجم التجارة الثنائية، في مؤشر على أن العلاقة لم تعد محكومة بالحسابات السياسية وحدها، بل أصبحت مرتبطة بمصالح اقتصادية طويلة الأمد.
الدفاع يتحول إلى حجر أساس في الشراكة
ربما يكون التحول الأكبر في العلاقات التركية السعودية قد ظهر في المجال العسكري والدفاعي. فتركيا أصبحت خلال السنوات الأخيرة لاعباً مهماً في سوق الصناعات الدفاعية، خصوصاً في الطائرات المسيّرة والأنظمة العسكرية والصناعات الجوية، بينما تسعى السعودية إلى تطوير قدراتها الدفاعية وتقليل اعتمادها على مورد واحد للسلاح.
وهنا تتقاطع مصالح الطرفين، فمن جهتها تحتاج السعودية إلى تنويع مصادر التكنولوجيا العسكرية، وتركيا تبحث عن أسواق واستثمارات جديدة لصناعاتها الدفاعية. وبالتالي فإن التعاون العسكري يوفر مكاسب استراتيجية واقتصادية للطرفين في الوقت نفسه.
لكن التطور الأبرز جاء في أغسطس 2026، عندما وقعت تركيا والسعودية وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، في صيغة تشبه من حيث المبدأ المادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي.
وأكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن الاتفاق لا يستهدف إيران أو دولة بعينها، مشيراً إلى أن طبيعة الدعم في حال وقوع هجوم ستُحدد وفق ظروف كل حالة. كما أُعلن أن الاتفاق يمكن أن يتوسع مستقبلاً ليشمل دولاً أخرى، من بينها مصر.
لماذا تحتاج السعودية إلى تركيا؟
بالنسبة إلى الرياض، تمثل تركيا قوة إقليمية كبيرة تمتلك جيشاً وخبرة عسكرية وصناعة دفاعية متقدمة، فضلاً عن عضويتها في حلف شمال الأطلسي. كما أن تركيا تتمتع بموقع جغرافي يسمح لها بالتأثير في ملفات تمتد من البحر الأسود وشرق المتوسط إلى سوريا والعراق والبحر الأحمر.
وفي ظل تزايد المخاطر الأمنية في المنطقة، يمكن للتعاون مع أنقرة أن يمنح السعودية خيارات إضافية بعيداً عن الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأميركية.
ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط إعادة تشكيل للتحالفات الأمنية، مع تصاعد المخاطر المرتبطة بالحرب على إيران والهجمات الحوثية والاضطرابات في طرق التجارة والطاقة.
وماذا تريد تركيا من السعودية؟
بالنسبة إلى أنقرة، لا يقل التقارب مع الرياض أهمية، فتركيا تبحث عن توسيع نفوذها الاقتصادي في الخليج، وجذب الاستثمارات السعودية، وتوسيع أسواق منتجاتها الدفاعية والتكنولوجية. كما أن العلاقة مع السعودية تساعد أنقرة على تعزيز حضورها في الملفات الإقليمية، خصوصاً في سوريا واليمن والقرن الأفريقي.
ويرى محللون أن تركيا تتجه نحو سياسة أكثر براغماتية تقوم على بناء علاقات متوازنة مع مجموعة واسعة من القوى الإقليمية، بدلاً من الدخول في مواجهات مفتوحة معها.
سوريا واليمن والقرن الأفريقي.. ساحات اختبار جديدة
على الرغم من التقارب المتزايد، لا يعني ذلك اختفاء الاختلافات بين تركيا والسعودية. فلكل دولة حساباتها الخاصة في سوريا واليمن والسودان والقرن الأفريقي، كما أن طموحات أنقرة والرياض قد تتقاطع في بعض الملفات وتتعارض في ملفات أخرى.
لكن الفرق الأساسي أن الطرفين باتا أكثر استعداداً لإدارة هذه الاختلافات من خلال الحوار والتنسيق، بدلاً من تحويلها إلى صراع مفتوح. وهذا التحول مهم في منطقة تتغير فيها التحالفات بسرعة، حيث أصبح التعاون بين القوى الإقليمية ضرورة في بعض الملفات أكثر منه خياراً سياسياً.
تحالف جديد يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط
لا يمكن فهم التقارب التركي السعودي بمعزل عن التحولات الأوسع في المنطقة. ففي عام 2026 برز تعاون متزايد بين تركيا والسعودية وباكستان ومصر، وسط حديث عن تشكل إطار إقليمي جديد للتعامل مع القضايا الأمنية والاستراتيجية. وقد اجتمعت الدول الأربع على مستوى وزراء الخارجية في مارس 2026، في خطوة عكست اتساع التنسيق بينها.
كما أن الحرب على إيران أعادت طرح سؤال أساسي حول مستقبل الأمن الإقليمي، ودور الولايات المتحدة، وقدرة دول الشرق الأوسط على بناء ترتيبات أمنية مستقلة.
وفي هذا السياق، يبدو التقارب التركي السعودي جزءاً من عملية إعادة تموضع أكبر للقوى الإقليمية.
من الخصومة إلى المصالح المشتركة
العلاقة بين تركيا والسعودية لم تتحول بين ليلة وضحاها من المنافسة إلى التحالف. بل مرت بعملية طويلة من إعادة بناء الثقة، بدأت بالتقارب السياسي والاقتصادي ثم انتقلت تدريجياً إلى التعاون الدفاعي والأمني.
واللافت أن البلدين لم يتخليا عن طموحاتهما الإقليمية، لكنهما أدركا أن تحقيق المصالح الوطنية قد يكون أسهل من خلال التعاون بدلاً من المنافسة المباشرة.
وهكذا أصبحت العلاقة التركية السعودية نموذجاً للتحول الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط: خصوم الأمس يمكن أن يصبحوا شركاء اليوم، عندما تتغير المصالح وموازين القوى.
شراكة استراتيجية.. ولكن هل تتحول إلى تحالف دائم؟
يبقى السؤال الأساسي هو مدى قدرة هذا التقارب على الصمود أمام الاختلافات المستقبلية. فالمصالح الاقتصادية والدفاعية أصبحت أكثر عمقاً، لكن الملفات الإقليمية المعقدة يمكن أن تعيد إنتاج الخلافات في أي وقت.
ومع ذلك، فإن توقيع اتفاق دفاعي ثلاثي بين تركيا والسعودية وباكستان يمثل خطوة نوعية تتجاوز مجرد التعاون الاقتصادي أو التنسيق السياسي. فهو يعكس رغبة متزايدة لدى دول المنطقة في بناء شبكات أمنية خاصة بها، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولاً كبيراً في موازين القوى.
وبذلك، فإن العلاقة بين تركيا والسعودية لم تعد مجرد قصة انتقال من الخصومة إلى المصالحة، بل أصبحت جزءاً من إعادة تشكيل الخريطة الاستراتيجية للشرق الأوسط، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الأمن والدفاع والطاقة والنفوذ السياسي.
اقرأ المزيد
اتفاق دفاعي ثلاثي مرتقب بين السعودية وتركيا وباكستان قد يغيّر توازنات المنطقة.
عكس السعودية.. الإمارات ضغطت لتوجيه ضربة أشد لإيران.. وتقرير أمريكي يكشف عمق الخلاف الخليجي
هل تستطيع السعودية تصدير نفطها إذا أُغلق هرمز والبحر الأحمر؟ خيارات الرياض تدخل أخطر اختبار للطاقة

