وطن-بعد أكثر من عقدين على الغزو الأميركي الذي أطاح بنظام صدام حسين، تستعد الولايات المتحدة لإنهاء وجودها العسكري في العراق، في خطوة تقدمها بغداد باعتبارها محطة لاستعادة السيادة الوطنية، لكنها تفتح في الوقت نفسه واحدة من أصعب الملفات أمام الدولة العراقية: ماذا سيحدث للفصائل المسلحة التي تتمتع بنفوذ سياسي وعسكري واسع، وترتبط بعض أبرزها بإيران؟
ومع اكتمال الانسحاب الأميركي بحلول 30 سبتمبر/أيلول 2026، يدخل العراق مرحلة جديدة تتزامن مع محاولة الحكومة وضع جدول زمني لإخضاع جميع الأسلحة لسلطة الدولة. غير أن هذا المسار يواجه رفضاً من أقوى الفصائل المسلحة، ما يجعل مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي اختباراً حقيقياً لقدرة بغداد على احتكار القوة.
بغداد تعلن «يوماً جديداً» للعراق
حددت الحكومة العراقية الأول من أكتوبر/تشرين الأول موعداً لبدء مرحلة جديدة بعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي وانسحاب القوات الأميركية.
وقال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إن هذا اليوم سيمثل، بحسب بيان حكومته، «يوماً جديداً في مسار الدولة العراقية»، معتبراً أن خروج القوات الأجنبية يمثل استكمالاً للسيادة العراقية على أراضي البلاد. وكانت بغداد وواشنطن قد اتفقتا في 2024 على إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» على مراحل، وصولاً إلى الانسحاب الكامل في نهاية سبتمبر 2026.
لكن المشهد أكثر تعقيداً من مجرد مغادرة القوات الأميركية، فتركيا لا تزال تحتفظ بوجود عسكري في شمال العراق، وإن كانت بغداد وأنقرة اتفقتا في سبتمبر/أيلول على نقل السيطرة تدريجياً على قاعدة بعشيقة ـ زيلكان إلى الحكومة العراقية، مع توقع اكتمال الانسحاب التركي من القاعدة بحلول نهاية العام.
نهاية الوجود الأميركي.. وبداية اختبار الفصائل
المفارقة أن الموعد الذي تنهي فيه الولايات المتحدة وجودها العسكري لا يعني نهاية الملف الذي ارتبط به سياسياً وأمنياً طوال الأشهر الماضية. فالحكومة العراقية كانت قد وضعت في البداية 30 سبتمبر موعداً لنزع سلاح الفصائل المسلحة، قبل أن تعلن في سبتمبر عن خطة جديدة تمتد إلى 30 يونيو/حزيران 2027.
وبحسب الخطة المعلنة، يبدأ المسار بمرحلة تهدئة تمتد نحو 90 يوماً، تتوقف خلالها الفصائل عن مهاجمة المصالح الأميركية أو دول الجوار، مقابل تعهد أميركي بعدم استهدافها، ثم تبدأ مراحل تسليم الأسلحة وإدماج العناصر ضمن مؤسسات الدولة.
وهذا يعني أن بغداد اختارت عملياً فصل ملف الانسحاب الأميركي عن الجدول النهائي لنزع سلاح الفصائل، بعدما بدا في وقت سابق أن الملفين مرتبطان بموعد واحد.
فصائل قوية ترفض التخلي عن سلاحها
المشكلة الأساسية أمام الحكومة تتمثل في أن بعض أقوى الفصائل المسلحة لا تبدو مستعدة حتى الآن للتخلي عن ترسانتها. وتبرز بين هذه الجماعات كتائب حزب الله، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وهي فصائل تشير تقارير متعددة إلى ارتباطها بإيران ورفضها تسليم سلاحها أو التخلي عن استقلالها العسكري.
وفي المقابل، أعلنت جماعات أخرى استعدادها للاندماج في مؤسسات الدولة، ما يعكس وجود تباين داخل المنظومة المسلحة نفسها بين فصائل يمكن أن تجد لنفسها دوراً سياسياً داخل النظام العراقي، وأخرى تعتبر السلاح جزءاً أساسياً من مشروعها الإقليمي.
ويشير محللون إلى أن هذه الفوارق قد تجعل عملية نزع السلاح انتقائية وتدريجية، بدلاً من أن تكون قراراً واحداً يشمل جميع الفصائل.
من «الحشد» إلى قوة مستقلة داخل الدولة
تشكلت غالبية الفصائل التي ظهرت بقوة بعد عام 2014 في سياق الحرب على تنظيم «داعش»، عقب دعوة المرجع الشيعي علي السيستاني إلى التعبئة للدفاع عن البلاد.
ومع الوقت، أُدمجت فصائل كثيرة رسمياً في هيئة الحشد الشعبي، التي أصبحت جزءاً من المنظومة الأمنية العراقية.
لكن الإدماج القانوني لم ينهِ بالضرورة استقلالية عدد من الجماعات الأقوى. إذ تحتفظ بعض الفصائل بهياكل قيادة وسلاح ونفوذ سياسي خاص بها، ما جعل مسألة «حصر السلاح بيد الدولة» أكثر تعقيداً من مجرد إعادة توزيع الأفراد داخل المؤسسات الأمنية.
وتشير تقارير إلى أن نفوذ هذه الجماعات امتد إلى المجال السياسي والاقتصادي، ما يجعل مواجهتها أو تفكيك بنيتها المسلحة قضية تتجاوز البعد الأمني إلى توازنات الحكم نفسها.
واشنطن تحذر من «بلقنة» العراق
انسحاب القوات الأميركية لا يعني أن واشنطن تخلت عن الضغط السياسي بشأن مستقبل الفصائل، فوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو حذر في سبتمبر/أيلول من خطر «البلقنة» إذا بقيت قوى مسلحة تعمل بصورة مستقلة عن الدولة.
وقال روبيو إن إخضاع جميع الأسلحة لسلطة الدولة يمثل تحدياً كبيراً، مشيراً إلى أن بعض الجماعات أبدت استعداداً للاندماج، بينما بقيت جماعات أخرى أكثر رفضاً.
وتأتي هذه الضغوط في وقت شديد الحساسية بالنسبة إلى بغداد، التي تحاول الحفاظ على علاقاتها مع واشنطن، وفي الوقت نفسه التعامل مع نفوذ إيران داخل النظام السياسي والأمني العراقي.
هل تستطيع بغداد تنفيذ القرار؟
السؤال الأصعب ليس ما إذا كانت الحكومة العراقية تملك قراراً سياسياً بنزع السلاح، بل ما إذا كانت تملك الأدوات اللازمة لتنفيذه من دون إشعال مواجهة داخلية.
فالفصائل الرافضة لنزع السلاح ليست مجموعات هامشية، بل تمتلك شبكات سياسية وأمنية واقتصادية، وبعضها يتمتع بتمثيل داخل مؤسسات الدولة.
كما أن تجربة العراق منذ عام 2003 أظهرت أن العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة لا يمكن فصلها عن التوازنات الإقليمية، خصوصاً العلاقة مع إيران.
ولهذا يرى محللون أن نجاح خطة بغداد حتى يونيو 2027 سيعتمد على قدرة الحكومة على تحقيق تسوية تدريجية، وعلى استعداد الفصائل نفسها لقبول انتقال حقيقي من العمل كقوى مسلحة مستقلة إلى العمل داخل مؤسسات الدولة.
من حليف في الحرب على «داعش» إلى تحدٍّ للدولة
المفارقة التاريخية أن بعض القوى التي أصبحت اليوم موضع خلاف مع الحكومة كانت قد لعبت دوراً في الحرب على تنظيم «داعش»، الذي سيطر في عام 2014 على مساحات واسعة من العراق.
وقد ساهمت عودة القوات الأميركية إلى العراق في العام نفسه، بناء على طلب الحكومة العراقية، في دعم العمليات ضد التنظيم ضمن التحالف الدولي.
لكن بقاء السلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة تحول لاحقاً إلى إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في الحياة السياسية العراقية، خصوصاً بعد استخدام بعض الفصائل القوة ضد خصومها واتهامها بالمشاركة في قمع احتجاجات حركة تشرين عام 2019.
كما شاركت جماعات منضوية تحت مظلة «المقاومة الإسلامية في العراق» خلال السنوات الأخيرة في هجمات استهدفت مصالح أميركية وإسرائيلية، ما جعلها جزءاً من معادلة أمنية تتجاوز حدود العراق.
ما بعد 30 سبتمبر.. الاختبار الحقيقي يبدأ
مع خروج القوات الأميركية، تفقد الفصائل المسلحة واحدة من أبرز الحجج التي استخدمتها لتبرير استمرار وجودها العسكري، والمتمثلة في مواجهة القوات الأجنبية. لكن ذلك لا يعني تلقائياً أنها ستتخلى عن السلاح، بل إن التطورات الحالية تشير إلى أن العراق يدخل مرحلة مختلفة: الولايات المتحدة تنهي وجودها العسكري، بينما تبدأ بغداد مرحلة أطول وأكثر صعوبة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة. وسيكون 30 يونيو 2027 موعداً حاسماً في هذا المسار، لكن نجاح الخطة لن يتوقف على المواعيد وحدها.
فالاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الحكومة على فرض سلطة الدولة من دون تفجير صراع بين مؤسساتها الأمنية والفصائل المسلحة، وفي قدرة القوى السياسية على التوصل إلى صيغة تجعل السلاح جزءاً من مؤسسة الدولة لا قوة موازية لها.
وفي هذه المعادلة، ستبقى إيران عاملاً إقليمياً مؤثراً، إلى جانب الولايات المتحدة وتركيا، فيما يحاول العراق الانتقال من مرحلة كان فيها ساحة لتنافس القوى الخارجية إلى مرحلة يسعى فيها إلى إدارة أمنه بقرار مؤسسات الدولة.
اقرأ المزيد
أموال النفط العراقي في نيويورك.. كيف منح نظام ما بعد 2003 واشنطن نفوذاً واسعاً على بغداد؟
مقتدى الصدر يدعو الفصائل المسلحة إلى وقف الهجمات من العراق ويحذر من جر البلاد إلى حرب إقليمية
العراق يدعو لاجتماع أمني عاجل بعد ضربات أمريكية سعودية ضد فصائل موالية لإيران..

