وطن-شهدت شبه الجزيرة العربية ومنطقة البحر الأحمر تصعيداً عسكرياً لافتاً خلال الساعات الماضية، بعدما نفذت جماعة الحوثي اليمنية هجمات متزامنة على أكثر من جبهة، في تطور أعاد التوتر إلى الواجهة بين الجماعة المدعومة من إيران والسعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.
وقالت صحيفة “إل باييس” الإسبانية إن ما لا يقل عن 30 جندياً من الجيش اليمني قُتلوا في هجوم شنته جماعة الحوثي، الخميس، على معسكرات عسكرية في محافظتي مأرب وحضرموت، وهما منطقتان تخضعان لسيطرة الحكومة اليمنية. وتعد مأرب أبرز محافظة منتجة للنفط والغاز في اليمن، ما يمنح الهجوم أهمية عسكرية واقتصادية مضاعفة.
وأعلنت الجماعة الحوثية لاحقاً مسؤوليتها عن الهجمات، ووصفت الأهداف بأنها “انتشار عسكري سعودي” داخل الأراضي اليمنية. وفي هجوم آخر استهدف منطقة نجران جنوب السعودية، أُصيب 11 مدنياً، قبل أن تتجدد العمليات ضد محافظة مأرب، حيث قُتل ثلاثة جنود يمنيين على الأقل وأُصيب أربعة آخرون في مديرية حريب، وفق ما نقلته قناة اليمن الرسمية.
وبحسب ما أوردته صحيفة “إل باييس”، جاء التصعيد الحوثي مصحوباً بخطاب تهديدي واضح تجاه القوات السعودية. ونقلت قناة الجزيرة عن حزام الأسد، عضو المكتب السياسي لجماعة الحوثي، قوله: “لا أمن للقوات السعودية الغازية، ولا لمرتزقتها، ولا لمعسكراتها على أرضنا”.
ويأتي هذا التصعيد في سياق حرب طويلة ومعقدة في اليمن، امتدت جذورها لعقود، وتفاقمت منذ سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء عام 2015. غير أن الهجمات الأخيرة تكتسب بعداً إقليمياً أوسع، خاصة أنها وقعت بعد أكثر من أسبوع على مشاركة السعودية، إلى جانب الولايات المتحدة، في استهداف جماعات مسلحة مدعومة من إيران في العراق، بعد اتهامها بتنفيذ هجوم بطائرات مسيرة ضد منشآت نفطية سعودية.
وأضافت صحيفة “إل باييس” الإسبانية أن اليوم نفسه شهد أيضاً هجوماً حوثياً على مطار مدينة نجران السعودية، في مؤشر على اتساع دائرة الاستهداف من الجبهات اليمنية إلى العمق الحدودي السعودي، وسط مخاوف من عودة التصعيد الشامل بعد فترة من الهدوء النسبي.
وفي موازاة التحركات العسكرية، وقّعت السعودية، الجمعة، اتفاقاً أمنياً مع تركيا وباكستان، في خطوة تعكس رغبة الرياض في تعزيز شبكة تحالفاتها الدفاعية وسط تصاعد التهديدات في البحر الأحمر والخليج. وكانت السعودية وباكستان قد وقعتا في سبتمبر الماضي اتفاقاً للدفاع المشترك، قبل أن يتوسع التعاون ليشمل تركيا ضمن إطار ثلاثي جديد.
ووفق بيان صادر عن وزارة الخارجية الباكستانية، فإن الاتفاق الجديد جرى توقيعه “استناداً إلى الروابط التاريخية الطويلة بين الدول الثلاث، القائمة على أواصر الأخوة والتضامن الإسلامي، وانطلاقاً من مصالحها الاستراتيجية المشتركة وتعاونها الدفاعي الممتد”.
وكشفت الصحيفة الإسبانية أن الاتفاق الثلاثي يحمل اسم “اتفاق مكة للدفاع المشترك”، وينص على تعزيز “الردع الجماعي” في مواجهة أي عمل عدواني. كما يؤكد أن أي هجوم مسلح ضد واحدة من الدول الثلاث سيُعد هجوماً ضدها جميعاً، في صيغة قريبة من التحالفات الدفاعية التقليدية.
وفي خطوة أخرى مرتبطة بأمن الملاحة، أعلنت الرياض، الخميس، خططاً لتشكيل تحالف دفاعي دولي لحماية طرق النقل البحري وإمدادات الطاقة في منطقة البحر الأحمر، التي باتت واحدة من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، خصوصاً مع تزايد الهجمات على ناقلات النفط والسفن التجارية قرب مضيق باب المندب.
وقالت وزارة الدفاع السعودية إن 14 دولة، بينها تركيا وباكستان ومصر والسودان وجيبوتي، أصدرت بياناً مشتركاً لدعم التحالف المقترح. غير أن اللافت، بحسب ما أوردته “إل باييس”، أن سلطنة عمان والإمارات لم تكونا ضمن الدول الخليجية المؤيدة للبيان، رغم عضويتهما في مجلس التعاون الخليجي.
ونقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول سعودي رفيع أن الرياض تتوقع هجمات منسقة ووشيكة من جهتين؛ الأولى عبر ميليشيات عراقية في شمال الخليج، والثانية من جماعة الحوثي في اليمن من الجنوب، وذلك “تحت إشراف طهران”، على حد قوله. وتحدث المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته، عن معلومات استخباراتية من السعودية والولايات المتحدة ودول أخرى في المنطقة تشير إلى احتمال استهداف منشآت مدنية واقتصادية.
وبحسب ما نقلته “رويترز”، تشمل الأهداف المحتملة منشآت الطاقة والموانئ والمطارات، وهي بنى تحتية حيوية يعتمد عليها الاقتصاد السعودي وحركة التجارة العالمية. وأوضح المسؤول أن الرياض رصدت تحركات لطائرات مسيرة وصواريخ، ما يرجح وجود عمليات منسقة يجري التحضير لها من أكثر من اتجاه.
وفي صنعاء، أظهرت صور لوكالة رويترز ناشطين حوثيين يقفون أمام لافتة تحمل صور صواريخ تابعة للجماعة خلال مظاهرة ضد السعودية، في مشهد يعكس استمرار التعبئة السياسية والعسكرية داخل المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون.
وتقاتل جماعة الحوثي منذ نحو 20 عاماً الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في بلد منقسم منذ سنوات بين سلطتين وعاصمتين فعليتين. فمنذ عام 2015، تسيطر الجماعة على شمال غرب اليمن والعاصمة صنعاء، وتمسك بنحو 30% من مساحة البلاد، لكنها مناطق تضم قرابة 75% من السكان. في المقابل، تدير الحكومة الشرعية مناطق الجنوب والشرق من عدن، بينما يقيم جزء من قيادتها في العاصمة السعودية الرياض.
وأشارت صحيفة “إل باييس” إلى أن الهدنة التي تم التوصل إليها في أبريل 2022 بين الحوثيين والسعودية نجحت في تهدئة الحرب على الجبهات الداخلية وعلى طول الحدود المشتركة بين اليمن والمملكة، والتي تمتد لنحو 1200 كيلومتر. غير أن التطورات الأخيرة توحي بأن هذه التهدئة تواجه اختباراً صعباً.
ومنذ الشهر الماضي، فرضت جماعة الحوثي ما وصفته بحصار على البحر الأحمر، ما أدى إلى تعقيد صادرات النفط السعودية عبر هذا الممر الاستراتيجي. وفي الأربعاء الماضي، تعرضت ناقلتا نفط سعوديتان لهجوم في البحر الأحمر من دون تسجيل ضحايا، بينما أعلنت الجماعة مسؤوليتها عن العمليتين.
وقال الحوثيون إن الهجمات جاءت رداً على ما وصفوه بمحاولات سعودية لتغيير مسارات ناقلات النفط وتفادي تهديدات الجماعة في مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية ونقل الطاقة بين آسيا وأوروبا.
ونقلت الصحيفة الإسبانية عن المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، قوله إن الجماعة هاجمت ثماني ناقلات نفط سعودية منذ إعلانها حصار الممر البحري في 20 يوليو الماضي. كما زعم أن قوات الحوثي أجبرت 29 ناقلة أخرى على العودة في البحر الأحمر وبحر العرب.
ويضع هذا التصعيد البحر الأحمر مجدداً في قلب الصراع الإقليمي، حيث تتداخل حرب اليمن مع التوتر بين السعودية وإيران، ومع مخاوف دولية متزايدة بشأن أمن الطاقة وحركة الملاحة في باب المندب. وبين الهجمات الحوثية والتحركات السعودية لتشكيل تحالف دفاعي جديد، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة أكثر حساسية، قد تحدد مسار الحرب اليمنية وأمن الممرات البحرية خلال الفترة المقبلة.
اقرأ أيضاً
تهديدات الحوثيين في باب المندب تضغط على آخر مسارات النفط السعودية بعد أزمة هرمز..
هجمات الحوثيين تقترب من أرامكو.. هل دخلت منشآت الطاقة السعودية مرحلة الخطر الجديد؟
هل تعود الحرب؟ السعودية تبحث الخيارات العسكرية بعد تهديدات الحوثيين باستهداف النفط والمطارات

