وطن-كشفت جبهة تحرير أزواد في مالي عن وجود اتصالات مباشرة مع «فيلق أفريقيا» الروسي، مؤكدة في الوقت نفسه أن هذه القنوات لا تعني تقارباً سياسياً أو تحالفاً استراتيجياً مع موسكو. وفي موازاة ذلك، دعت الجبهة تركيا إلى فتح قنوات حوار معها، معتبرة أن النفوذ التركي المتنامي في مالي يجعل أنقرة طرفاً لا يمكن تجاهله في أي مسار سياسي لإنهاء الأزمة.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية، في مقابلة حصرية مع المتحدث باسم جبهة تحرير أزواد محمد المولود رمضان، إن الحركة الطوارقية الانفصالية تسعى إلى إيصال موقفها مباشرة إلى أنقرة، في ظل توسع العلاقات التركية مع السلطة العسكرية في باماكو، خصوصاً في المجالات الدفاعية والاقتصادية والدبلوماسية.
وتخوض جبهة تحرير أزواد حالياً معارك ضد الحكومة المالية، بالتوازي مع تنسيق ميداني مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وهي تحالف لفصائل مسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة. ورغم هذا التنسيق العسكري، تؤكد الجبهة أن أهداف الطرفين مختلفة؛ إذ تسعى جبهة تحرير أزواد إلى إقامة كيان يتمتع بالحكم الذاتي أو الاستقلال في شمال شرق مالي تحت اسم «أزواد»، بينما تهدف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى إسقاط الحكومة القائمة في باماكو.
وبحسب ما أوردته صحيفة “ميدل إيست آي”، فإن شمال مالي ووسطه شهدا خلال الأشهر الماضية تصعيداً واسعاً، حيث تمكنت قوات جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين من شن هجمات منسقة، والسيطرة على بلدات وقواعد عسكرية، وفرض ضغوط كبيرة على العاصمة باماكو، إلى جانب مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا ضمن تداعيات المعارك الأخيرة.
تحول في خريطة النفوذ داخل مالي
خلال السنوات الماضية، كانت القوات الفرنسية وقوات غربية أخرى تشكل ركيزة رئيسية في دعم الدولة المالية ضد الجماعات المسلحة. غير أن المشهد تغير بصورة جذرية بعد توتر علاقات باماكو مع باريس، واتجاه الحكومة العسكرية في مالي إلى تعزيز شراكتها مع موسكو.
وأوضحت صحيفة “ميدل إيست آي” أن روسيا نشرت في عام 2022 عناصر من مجموعة «فاغنر» في مالي، قبل أن يعاد تنظيمهم لاحقاً ضمن وحدات «فيلق أفريقيا» بعد تمرد فاغنر على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقد بات هذا الوجود الروسي أحد أبرز عناصر الصراع في شمال مالي.
لكن الهجوم الذي شنته جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين في أبريل الماضي كشف، وفق الصحيفة، نقاط ضعف الانتشار الروسي في شمال البلاد. فقد انسحب عناصر «فيلق أفريقيا» من مدينة كيدال الاستراتيجية قبل أن تسيطر عليها جبهة تحرير أزواد. كما ظهرت في يوليو تقارير تتحدث عن ترتيبات محتملة بين الجبهة والقوات الروسية خلال المعارك حول منطقة أنيفيس، الواقعة على بعد نحو 100 كيلومتر جنوب شرق كيدال.
وقال المتحدث باسم جبهة تحرير أزواد محمد المولود رمضان، في حديثه إلى “ميدل إيست آي”، إن الاتصالات مع «فيلق أفريقيا» كانت مباشرة بالفعل، لكنها جرت في سياقات محددة تتعلق بالحركة الميدانية والانسحابات والوضع في بعض المناطق، وليس في إطار مفاوضات سياسية أو تفاهمات استراتيجية.
وأضاف رمضان أن الحروب تفرض أحياناً وجود قنوات تواصل مع الخصوم لتجنب الحوادث أو إدارة أوضاع معينة أو تسهيل ترتيبات ظرفية، مشدداً على أن ذلك لا يعني أن الأهداف السياسية للأطراف أصبحت متقاربة أو متوافقة.
رسالة إلى تركيا وأردوغان
في جانب آخر من المقابلة، شدد المتحدث باسم جبهة تحرير أزواد على أن شمال شرق مالي، وهي المنطقة التي تسميها الحركة «أزواد»، يجب ألا يتحول إلى ساحة حرب بالوكالة بين القوى الخارجية. لكنه أكد في الوقت نفسه أن هذا الموقف لا يمنع الجبهة من السعي إلى فتح حوار مع تركيا، التي عززت حضورها في مالي خلال العقد الأخير.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” طائرات مسيرة مسلحة ومعدات عسكرية للحكومة المالية منذ عام 2023. وخلال العقد الماضي، تضاعف حجم التجارة الثنائية بين البلدين ثلاث مرات.
وأشارت الصحيفة، نقلاً عن تقرير لصحيفة «لوموند» الفرنسية، إلى أن القطاع الدفاعي أصبح جزءاً متزايد الأهمية في العلاقات التركية المالية. فمنذ عام 2024، شكلت الأسلحة والذخائر نحو 20% من صادرات تركيا إلى مالي، متقدمة على المعدات الإلكترونية والآلات الصناعية والحبوب.
ويرى رمضان أن هذا المستوى من التعاون يجعل جبهة تحرير أزواد غير قادرة على النظر إلى تركيا باعتبارها خارج دائرة الصراع في مالي. واتهم المتحدث باسم الجبهة الطائرات المسيرة المستخدمة من قبل الجيش المالي بالتسبب في سقوط ضحايا مدنيين في أزواد.
ومع ذلك، حرص رمضان، بحسب “ميدل إيست آي”، على الفصل بين علاقات تركيا مع حكومة باماكو والدور الذي يمكن أن تلعبه أنقرة في أي تسوية سياسية. وقال إن الجبهة لا تطلب من تركيا قطع علاقاتها مع السلطة العسكرية في مالي، بل تطلب منها النظر إلى الواقع المالي بكل تعقيداته، وعدم حصر قضية أزواد في منظور السلطات الموجودة في باماكو فقط.
جبهة تحرير أزواد: لا نبحث عن راعٍ أجنبي
وأوضح المتحدث باسم جبهة تحرير أزواد أن الحركة ترغب في فتح قنوات حوار مباشرة مع أنقرة والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بعيداً عن الاقتصار على التواصل عبر المؤسسة العسكرية التركية أو من خلال رواية الحكومة المالية وحدها.
ونقلت صحيفة “ميدل إيست آي” عن رمضان قوله إن مناشدة الجبهة لتركيا لا تعني أنها تبحث عن داعم عسكري جديد أو راعٍ خارجي لقضيتها. وأكد أن الجبهة لا تطلب من أنقرة الانحياز عسكرياً إليها، بل تطلب منها أولاً أن تستمع وتفهم حقيقة الوضع على الأرض.
وأضاف أن نفوذ تركيا في أفريقيا والعالم الإسلامي، إلى جانب علاقتها الوثيقة بباماكو، يمنحها مسؤولية خاصة في المساعدة على الدفع نحو حل سياسي عادل. واعتبر أن المطلوب ليس أن تختار تركيا بين مالي وأزواد، بل أن تسهم في ضمان أن يكون السلام في أزواد نتيجة تفاوض مع سكانها وممثليها، لا سلاماً مفروضاً عليهم.
وقال رمضان إن الرسالة الأساسية للجبهة تتمثل في أنها لا تبحث عن رعاة أجانب، بل عن شركاء قادرين على دعم حل سياسي عادل ودائم، ينسجم مع تطلعات السكان المعنيين في شمال مالي.
وفي المقابل، نقلت “ميدل إيست آي” عن مسؤول تركي مطلع على الشؤون الأفريقية قوله إن أنقرة منفتحة على الحوار مع أطراف مختلفة، وإنه يمكن إيجاد قنوات مناسبة إذا رغبت جبهة تحرير أزواد في التواصل مع الحكومة التركية. لكنه شدد على أن ذلك لا يعني أن تركيا ستنحاز إلى طرف داخل نزاع داخلي في دولة أجنبية، مضيفاً: «سنستمع إليهم».
التنسيق مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين
إلى جانب دعوتها للحوار مع تركيا، دافعت جبهة تحرير أزواد عن التنسيق الميداني مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بالقاعدة، مؤكدة أن هذا التعاون لا يرقى إلى مستوى التحالف السياسي.
وقال المتحدث باسم الجبهة، وفقاً لما نشرته “ميدل إيست آي”، إن هناك خلطاً متعمداً بين أمرين مختلفين: التقارب العملياتي على الأرض والتحالف السياسي. وأوضح أن الجبهة وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين قد تتقاطعان عسكرياً في مواجهة خصوم مشتركين، لكن ذلك لا يعني أن لديهما مشروعاً سياسياً واحداً.
وكانت قوات جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين قد نفذت هجمات منسقة في شمال ووسط مالي خلال أبريل، ثم شنت موجة ثانية من العمليات المشتركة في يوليو، شملت معارك حول أنيفيس وهجمات على مواقع عسكرية في غاو وأغيلهوك.
وأكد رمضان أن هذا التعاون يعكس واقع الميدان أكثر مما يعكس برنامجاً سياسياً مشتركاً، مشدداً على أن أي تسوية دائمة في مالي لا بد أن تعالج الوضع السياسي لأزواد، وأن تأخذ في الاعتبار موازين القوة والحقائق القائمة على الأرض.
هل يمكن استبعاد الجماعات المسلحة من التسوية؟
في ختام حديثه، قال المتحدث باسم جبهة تحرير أزواد إن الحركة تبقى تنظيماً سياسياً وعسكرياً أزوادياً، يستند مشروعه إلى تطلعات سكان أزواد. لكنه أضاف أن السلام الدائم في مالي وأزواد يتطلب قراءة واقعية للخريطة الميدانية، بما في ذلك حضور جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
وبحسب صحيفة “ميدل إيست آي”، يرى رمضان أن الجماعة، التي قال إنها باتت تضم في معظمها مقاتلين ماليين، لا يمكن ببساطة استبعادها من أي تسوية مستقبلية. واعتبر أن الحديث عن الاستقرار في مالي أو بناء سلام شامل سيكون مستحيلاً من دون إدخال هذه الأطراف في الحسابات السياسية، مشيراً إلى أن الجماعة بدأت تطور خطاباً سياسياً ولديها أجندة مرتبطة بمطالب محلية.
وتكشف تصريحات جبهة تحرير أزواد عن مرحلة جديدة في أزمة مالي، حيث تتقاطع الحسابات المحلية مع نفوذ قوى خارجية مثل روسيا وتركيا، وسط تراجع الدور الغربي التقليدي. وبين الاتصالات الميدانية مع «فيلق أفريقيا» الروسي، والدعوة إلى حوار سياسي مع أنقرة، والتنسيق العسكري مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، تبدو مالي أمام معادلة معقدة قد تجعل أي حل مستقبلي مرهوناً بقدرة الأطراف على الانتقال من منطق الحرب إلى مسار تفاوضي واسع.
اقرأ المزيد
“لا مكان للإسرائيليين بيننا”.. ماليزيا تشدد موقفها وترفض أي وجود إسرائيلي على أراضيها
مصر أمام اختبار مائي خطير.. إثيوبيا تلوّح بسدود جديدة والنيل الأزرق يدخل عصر النفوذ المائي

