وطن-أثارت الانتقادات التي وجهتها صحيفة «الخبر» الجزائرية للسياسة الإقليمية لدولة الإمارات نقاشاً جديداً حول حدود النفوذ الذي بنته أبوظبي خلال السنوات الماضية في عدد من ساحات الصراع بالمنطقة، وما إذا كان هذا التمدد، الذي منحها حضوراً سياسياً يتجاوز حجمها الجغرافي والديموغرافي، بدأ يتحول في المقابل إلى مصدر خصومات وضغوط وانتقادات متزايدة.
وفي تقرير حمل عنواناً لافتاً حول ما وصفته الصحيفة بـ«عزلة الإمارات بسبب سياسات التخريب»، قدمت «الخبر» قراءة شديدة الانتقاد للدور الإماراتي في عدد من الملفات الإقليمية، معتبرة أن التحركات التي وسعت نفوذ أبوظبي في السنوات الأخيرة بدأت تثير رفضاً متزايداً في بعض العواصم والأوساط السياسية والإعلامية.
ولا تتعلق المسألة، وفق الطرح الذي قدمته الصحيفة الجزائرية، بخلاف دبلوماسي عابر أو موقف سياسي منفصل، بل بما تعتبره نمطاً أوسع من الحضور الإماراتي في مناطق تشهد صراعات وتحولات سياسية عميقة.
نفوذ يمتد من الخليج إلى ساحات الصراع
خلال السنوات الماضية، توسع الحضور الإماراتي في ملفات إقليمية متعددة، من اليمن وليبيا إلى السودان، إضافة إلى مناطق أخرى شهدت تنافساً حاداً بين القوى الإقليمية والدولية. وقد سمح هذا الحضور لأبوظبي ببناء شبكة واسعة من العلاقات والتحالفات، ومنحها قدرة أكبر على التأثير في ملفات تتجاوز حدودها المباشرة.
لكن هذا النفوذ لم يمر من دون انتقادات. ففي عدد من هذه الساحات، اتهم منتقدون الإمارات بالتدخل في صراعات داخلية ودعم أطراف وقوى محلية، ومحاولة التأثير في موازين القوى السياسية والعسكرية بما يتوافق مع مصالحها الإقليمية.
وفي المقابل، تؤكد أبوظبي في مناسبات مختلفة أن سياستها الخارجية تقوم على حماية مصالحها الوطنية ودعم الاستقرار ومواجهة التنظيمات المتطرفة، وترفض الاتهامات الموجهة إليها بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
الجزائر تفتح جبهة جديدة من الانتقادات
تأتي الحملة التي شنتها صحيفة «الخبر» الجزائرية في سياق توتر سياسي وإعلامي أوسع بين الجزائر والإمارات، حيث أصبحت السياسة الإقليمية لأبوظبي موضوعاً متكرراً للانتقاد داخل وسائل إعلام وشخصيات سياسية جزائرية.
ورأت الصحيفة أن ما تصفه بسياسات التدخل الإماراتية في عدد من الأزمات لم يعد يثير الجدل داخل الدول التي تشهد تلك الصراعات فقط، بل بدأ ينعكس أيضاً على علاقات أبوظبي الإقليمية.
وبحسب هذا الطرح، فإن اتساع خريطة النفوذ الإماراتي ترافق مع اتساع دائرة الانتقادات الموجهة إليها، ما جعل بعض التحركات التي صممت لتعزيز مكانة الدولة الخليجية تتحول، من وجهة نظر منتقديها، إلى مصدر توتر سياسي وإقليمي.
من النفوذ إلى مصدر للخصومات
تكمن المفارقة التي يركز عليها منتقدو السياسة الإماراتية في أن بناء النفوذ لا يؤدي دائماً إلى توسيع دائرة الحلفاء. فكلما زاد حضور دولة ما في ملفات الصراع، زادت أيضاً احتمالات تحولها إلى طرف في تلك النزاعات، وبالتالي إلى هدف للانتقادات السياسية والإعلامية.
ويرى منتقدو أبوظبي أن هذا ما بدأ يحدث مع الإمارات، حيث لم يعد دورها في بعض الأزمات الإقليمية يُنظر إليه فقط باعتباره نفوذاً دبلوماسياً أو اقتصادياً، بل أصبح موضع جدل حول طبيعة الأطراف التي ترتبط بها، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، والنتائج التي تركتها هذه التحركات على الدول والمجتمعات المعنية.
وفي هذا السياق، يربط منتقدون بين الحضور الإماراتي في بعض ساحات النزاع وبين شخصيات وقوى عسكرية وسياسية محلية، وهو ما جعل دور أبوظبي جزءاً من الصراع السياسي والإعلامي الدائر حول مستقبل تلك البلدان.
هل ارتد النفوذ على صاحبه؟
يرى التقرير الجزائري أن النفوذ الذي بنته الإمارات خلال السنوات الماضية بدأ يتحول، في بعض الحالات، إلى عبء سياسي. فبدلاً من أن يؤدي اتساع شبكة العلاقات إلى تقليل المخاطر، قد يؤدي الانخراط في عدد كبير من الملفات المتوترة إلى زيادة عدد الخصومات والاتهامات.
وتبرز هنا فكرة «ارتداد النفوذ»، أي أن الأداة التي تستخدم لتعزيز المكانة الإقليمية قد تتحول مع مرور الوقت إلى مصدر ضغط، خصوصاً عندما ترتبط الدولة بأطراف مثيرة للجدل أو بصراعات داخلية طويلة ومعقدة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الإمارات فقدت قدرتها على التأثير. فما زالت أبوظبي تمتلك شبكة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية، كما تتمتع بقدرات مالية ودبلوماسية كبيرة.
لكن الانتقادات المتزايدة تطرح سؤالاً حول الكلفة السياسية لهذا النفوذ، وما إذا كانت المكاسب التي حققتها الإمارات في بعض الملفات تعادل حجم التوترات والخصومات التي خلقتها تحركاتها في ملفات أخرى.
نفوذ كبير في منطقة أكثر اضطراباً
تأتي هذه الانتقادات في وقت تمر فيه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمرحلة من التحولات المتسارعة، حيث أصبحت الصراعات المحلية مرتبطة بشكل متزايد بالتنافس الإقليمي والدولي. وفي هذا المشهد، لم تعد القوى الإقليمية قادرة على التحرك في ملفات حساسة من دون أن تصبح جزءاً من الصراع نفسه.
ويبدو أن هذا هو جوهر الانتقاد الذي تطرحه صحيفة «الخبر» الجزائرية؛ فالمشكلة، من وجهة نظرها، لا تكمن في امتلاك الإمارات نفوذاً إقليمياً، وإنما في الطريقة التي استُخدم بها هذا النفوذ والأطراف التي ارتبط بها.
وبينما ترى أبوظبي أن تحركاتها جزء من استراتيجية لحماية مصالحها وتعزيز الاستقرار الإقليمي، يرى منتقدوها أن هذه السياسة أسهمت في خلق توترات جديدة ووضعت الإمارات في مواجهة متزايدة مع أطراف إقليمية.
الجزائر مجرد بداية؟
يعكس الجدل المتصاعد حول الدور الإماراتي أن النفوذ الإقليمي لا يُقاس فقط بحجم العلاقات أو القدرة على التأثير، بل أيضاً بمدى قدرة الدولة على تجنب التحول إلى طرف دائم في النزاعات.
ومع اتساع الانتقادات القادمة من الجزائر، يبرز سؤال أكبر حول مستقبل السياسة الإقليمية الإماراتية: هل ستتمكن أبوظبي من الحفاظ على شبكة نفوذها الواسعة من دون أن تتسع معها دائرة الخصومات؟
بالنسبة إلى منتقديها، فإن ما يحدث يمثل مؤشراً على أن مشروع النفوذ الإماراتي بدأ يواجه نتائج عكسية، وأن بعض التحركات التي عززت حضور أبوظبي خلال السنوات الماضية أصبحت اليوم سبباً في زيادة الانتقادات والضغوط السياسية.
أما بالنسبة إلى الإمارات، فإن الحفاظ على مكانتها الإقليمية سيتطلب التعامل مع مرحلة جديدة تتزايد فيها حساسية الدول تجاه التدخلات الخارجية، وتتغير فيها التحالفات بسرعة.
وبين النفوذ والعزلة، تبقى السياسة الإماراتية في المنطقة أمام اختبار صعب: فكلما اتسعت خريطة الحضور، اتسع معها السؤال حول الثمن السياسي الذي يمكن أن تدفعه أبوظبي مقابل هذا النفوذ.
اقرأ المزيد
لماذا اختارت الجزائر القطيعة مع الإمارات الآن؟ ملفات متراكمة تصل إلى نقطة الانفجار
بعد أشهر من التوتر.. لماذا أعلنت الجزائر قطع علاقاتها مع الإمارات في هذا التوقيت؟
رسمياً: الجزائر تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات بعد سنوات من التوتر

