وطن-لم يكن المبنى المنهار في مدينة غزة مجرد منزل متضرر من الحرب، بل كان مأوى لست عائلات نازحة لم تجد مكاناً أكثر أمناً تلجأ إليه. وبينما كان السكان نائمين، انهار المبنى خلال الليل وحتى فجر الأربعاء، مخلفاً 19 قتيلاً و25 مصاباً، في حين واصلت فرق الإنقاذ البحث بين الركام عن أشخاص آخرين يُعتقد أنهم كانوا عالقين تحت الأنقاض.
وتكشف هذه الحادثة جانباً آخر من الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، حيث لم يعد الخطر يقتصر على القصف والعمليات العسكرية، بل أصبح يهدد العائلات حتى داخل المباني التي لجأت إليها بحثاً عن سقف يحميها من الخيام والبرد والظروف المعيشية القاسية.
وبحسب وكالة أسوشيتد برس، كان المبنى معروفاً بأنه غير مستقر، بعدما تعرض لأضرار خلال ضربات إسرائيلية سابقة في الحرب، إلا أن غياب البدائل السكنية دفع عائلات نازحة إلى الاستمرار في الإقامة داخله رغم المخاطر.
19 قتيلاً.. والنساء والأطفال في مقدمة الضحايا
قالت وكالة «أسوشيتد برس» إن المبنى كان يؤوي نحو ست عائلات عندما انهار بشكل مفاجئ، بينما كان معظم سكانه نائمين.
ونقلت الوكالة عن زاهر الوحيدي، المتحدث باسم وزارة الصحة في غزة، أن حصيلة الضحايا بلغت 19 قتيلاً و25 مصاباً، مشيراً إلى أن ما لا يقل عن 13 من القتلى كانوا من النساء والأطفال.
ولا تزال الحصيلة مرشحة للارتفاع، وفق الوكالة، مع استمرار عمليات البحث وانتشال الجثامين من بين الأنقاض. وفي محيط المبنى، تحولت عمليات البحث عن الناجين إلى مشهد مأساوي، حيث كان الأهالي وعناصر الإنقاذ يحاولون إزالة كتل الخرسانة والغبار بحثاً عن أقاربهم.
وشاهد مراسلون رجالاً يحملون جثمان طفل، فيما جلس آخرون فوق أكوام الركام في انتظار أي مؤشر على وجود ناجين تحت الأنقاض.
مبنى متضرر.. لكن لا مكان آخر للنازحين
كان سكان المبنى يعرفون أنه متضرر وغير مستقر، وفق ما نقلته «أسوشيتد برس»، إلا أن المعرفة بالخطر لم تكن كافية لدفعهم إلى مغادرته. فالحرب والنزوح المتكرر دمرا جزءاً كبيراً من المساكن في القطاع، بينما بقيت خيارات السكن الآمن محدودة للغاية.
وقال عبود مجدلاوي، أحد عناصر الدفاع المدني في غزة، للوكالة إن انعدام الخيارات والبدائل دفع العائلات إلى البقاء في المبنى رغم خطورته.
وتختصر هذه الرواية أزمة يعيشها آلاف الفلسطينيين في القطاع، حيث أصبحت العائلات أمام خيارات بالغة الصعوبة: الإقامة في خيام مكتظة تفتقر إلى مقومات الحياة، أو العودة إلى منازل ومبانٍ متضررة، أو البحث عن مأوى آخر قد لا يكون متاحاً أصلاً.
أزمة سكن تتفاقم تحت الركام
يعيش نحو مليوني فلسطيني في قطاع غزة، وقد أدى النزوح المتكرر خلال الحرب إلى دفع أعداد كبيرة منهم إلى مناطق محدودة ومكتظة. وفي ظل الدمار الواسع، لم تعد أزمة السكن مرتبطة فقط بعدد المنازل المتاحة، وإنما أيضاً بسلامة الأبنية التي لا تزال قائمة.
فمبانٍ كثيرة تعرضت لأضرار خلال العمليات العسكرية، وبعضها أصبح غير صالح للسكن أو مهدداً بالانهيار، بينما لا يستطيع السكان دائماً العثور على بدائل.
وتزداد الأزمة تعقيداً مع تعثر إعادة الإعمار واستمرار القيود على إدخال مواد البناء، وفق ما أوردته «أسوشيتد برس». وبذلك، فإن كل مبنى متضرر يمكن أن يتحول إلى مأوى مؤقت لعائلة لا تجد مكاناً آخر، لكنه في الوقت نفسه قد يصبح مصيدة قاتلة.
إعادة الإعمار عالقة
كان من المفترض أن تفتح الهدنة المعلنة في أكتوبر/تشرين الأول الباب أمام مرحلة جديدة تسمح بمعالجة آثار الحرب وإعادة إعمار المناطق المدمرة. لكن «أسوشيتد برس» أفادت بأن إعادة الإعمار الواسعة لم تبدأ رغم مرور نحو عام على الاتفاق.
وتقول إسرائيل إن إعادة البناء على نطاق واسع لن تكون ممكنة قبل نزع سلاح حركة حماس، وهو موقف يجعل ملف إعادة إعمار القطاع مرتبطاً مباشرة بالترتيبات الأمنية والسياسية للحرب.
وفي المقابل، يظل مئات الآلاف من الفلسطينيين أمام واقع معيشي بالغ الصعوبة، بين مخيمات النزوح والمباني المتضررة.
حرب مستمرة وآلاف الضحايا
تأتي مأساة المبنى المنهار في ظل حرب بين إسرائيل وحركة حماس مستمرة منذ ما يقرب من ثلاث سنوات. ورغم انخفاض حدة القتال بعد إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول، لم تتوقف الضربات الإسرائيلية بصورة كاملة.
وقالت السلطات الصحية في غزة إن 1375 شخصاً على الأقل قتلوا منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. وبحسب الأرقام التي أوردتها «أسوشيتد برس» نقلاً عن وزارة الصحة في غزة، تجاوز عدد الفلسطينيين الذين قتلوا منذ بداية الحرب 73 ألفاً و789 شخصاً.
وتشير الوكالة إلى أن وزارة الصحة في غزة جزء من الإدارة التي تقودها حركة حماس، لكنها تحتفظ بسجلات تفصيلية للضحايا، وتعتبر وكالات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات دولية هذه السجلات عموماً موثوقة. كما لا تميز إحصاءات الوزارة بين المدنيين والمقاتلين، إلا أنها تشير إلى أن النساء والأطفال يمثلون نحو نصف إجمالي القتلى.
الموت لا يأتي من القصف وحده
يكشف انهيار المبنى في مدينة غزة عن وجه آخر للأزمة التي يعيشها الفلسطينيون، فحتى عندما يبحث النازحون عن مكان بعيد عن الخطر المباشر، يمكن أن يجدوا أنفسهم داخل مبانٍ متصدعة لا تملك فرق الإنقاذ دائماً المعدات أو الظروف اللازمة للتعامل معها بسرعة.
وهكذا، أصبح الركام نفسه جزءاً من الحياة اليومية في غزة: منازل دُمرت بالقصف، ومبانٍ بقيت واقفة لكنها فقدت قدرتها على حماية سكانها، وخيام لا توفر الحماية الكافية، وعائلات لا تجد أمامها خياراً آمناً بالكامل.
وبينما تستمر الحرب وتتعثر إعادة الإعمار، تحولت مأساة المبنى المنهار إلى صورة تختصر مأزق آلاف النازحين: مأوى يعرفون أنه خطر، لكنه قد يكون الخيار الوحيد المتاح أمامهم.
اقرأ المزيد
نيوسوم: رفض سياسات نتنياهو في غزة أصبح شبه إجماع داخل الحزب الديمقراطي
أنقاض غزة تخفي أسرار الحرب.. ألبانيزي تحذر من تدمير الأدلة ورفات الضحايا
مقتل أطفال في غزة مع تكثيف إسرائيل هجماتها خلال الساعات الـ24 الماضية
من تحت الركام إلى تحمل مسؤوليات الكبار.. مأساة أطفال غزة الناجين وحدهم

