وطن-دخلت الأزمة اليمنية مرحلة جديدة من التصعيد مع تجدد القتال بين جماعة الحوثي والقوات الحكومية المدعومة من السعودية، ما دفع عشرات الآلاف من المدنيين إلى الفرار من مناطقهم، في واحدة من أكبر موجات النزوح التي يشهدها اليمن منذ سنوات.
وأعلنت المنظمة الدولية للهجرة أن عدد الأشخاص الذين اضطروا إلى النزوح بسبب القتال بلغ نحو 85,818 شخصاً، بزيادة تقارب 10 آلاف شخص خلال يوم واحد. وقالت المنظمة إن أكثر من 82 ألفاً من هؤلاء نزحوا منذ بداية سبتمبر، فيما تركزت موجات النزوح بشكل أساسي في مناطق الساحل الغربي ومحافظة تعز.
وتزامن التصعيد العسكري مع فرار أكثر من ألفي شخص من اليمن إلى جيبوتي، في مؤشر جديد على أن الخوف من المعارك لم يعد يدفع المدنيين إلى الانتقال داخل البلاد فحسب، بل إلى محاولة عبور البحر بحثاً عن الأمان.
نزوح يتضاعف خلال أيام
تكشف سرعة ارتفاع أعداد النازحين عن حجم التدهور الميداني، فبعد أن قدرت المنظمة الدولية للهجرة عدد النازحين منذ يوليو بنحو 76 ألف شخص، قفز الرقم إلى أكثر من 85 ألفاً خلال فترة قصيرة، بعدما أدى التصعيد الأخير إلى موجة فرار واسعة على امتداد الساحل الغربي ومناطق من تعز.
وكانت تعز من أكثر المناطق تضرراً، إذ أشارت بيانات المنظمة إلى نزوح نحو 9,280 أسرة، أي ما يقارب 56 ألف شخص، من مناطق داخل المحافظة.
ولا يمثل هؤلاء جميعاً نازحين للمرة الأولى. فسنوات الحرب الطويلة دفعت أعداداً كبيرة من الأسر اليمنية إلى النزوح مراراً، ما جعلها أكثر هشاشة أمام أي موجة جديدة من القتال، وأقل قدرة على إعادة بناء حياتها أو الحفاظ على مصادر دخلها.
وقالت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، إيمي بوب، إن وراء كل رقم أسرة فقدت الكثير، محذرة من أن اليمن لا يستطيع مواجهة موجة إنسانية جديدة من دون دعم دولي إضافي.
أكثر من ألفي يمني يصلون إلى جيبوتي
وللمرة الأولى منذ تصاعد القتال الأخير، بدأ جزء من الفارين يبحث عن ملاذ خارج اليمن. وقالت المنظمة الدولية للهجرة إن أكثر من ألفي شخص وصلوا إلى جيبوتي بعد فرارهم من القتال، وإن أولى المجموعات وصلت مساء 10 سبتمبر.
وتقع جيبوتي قبالة الساحل اليمني عبر مضيق باب المندب، ما يجعلها نقطة الوصول الطبيعية للمدنيين الذين يغامرون بعبور البحر هرباً من المعارك.
ونقلت الجهات المعنية الوافدين إلى موقع في منطقة أوبوك شمال جيبوتي، حيث بدأت عمليات تقديم المساعدة الإنسانية لهم. لكن استمرار القتال قد يدفع مزيداً من اليمنيين إلى محاولة مغادرة البلاد، وهو ما يضع دولة صغيرة نسبياً أمام احتياجات إنسانية متزايدة.
هجوم حوثي يغير خريطة الساحل
جاءت موجة النزوح بعد تقدم عسكري سريع للحوثيين على الساحل الغربي لليمن، شمل مناطق وجزر ذات أهمية استراتيجية بالقرب من البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وأفادت تقارير بأن الهجوم أدى إلى سيطرة الحوثيين على مناطق جديدة، بينها مدينة المخا، في تطور يكتسب أهمية خاصة بسبب موقع الساحل الغربي على أحد أهم الممرات البحرية بين أوروبا وآسيا.
ويضيف هذا التقدم بعداً إقليمياً إلى الحرب اليمنية، خصوصاً أن باب المندب يمثل ممراً حيوياً لحركة التجارة والطاقة العالمية، فيما تشهد المنطقة في الوقت نفسه توتراً واسعاً يمتد إلى البحر الأحمر والخليج.
أكثر من 950 انتهاكاً بحق المدنيين
وبالتوازي مع النزوح، تحدثت جهة حقوقية يمنية عن تدهور خطير في أوضاع المدنيين في المناطق التي دخلها الحوثيون حديثاً.
وقالت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» إنها وثقت أكثر من 950 انتهاكاً بحق المدنيين على امتداد جبهات الساحل الغربي، عقب دخول الحوثيين إلى المدن والمناطق التي سيطروا عليها خلال الهجوم الأخير.
وبحسب الشبكة، شملت الانتهاكات أكثر من 150 حالة قتل، إلى جانب معلومات أولية عن نهب محتويات منازل وممتلكات خاصة.
كما اتهمت الشبكة الحوثيين بتنفيذ حملة اعتقالات واسعة شملت مدنيين وعسكريين، وقالت إن بعض عمليات الاعتقال استُخدمت للضغط على أقارب المحتجزين بهدف دفعهم إلى العودة أو تسليم أنفسهم وأسلحتهم.
وهذه الأرقام والاتهامات صادرة عن جهة حقوقية يمنية، ولا تعني في حد ذاتها أنها خضعت لتحقيق دولي مستقل، لكنها تعكس حجم المخاوف بشأن أوضاع المدنيين في المناطق التي تغيرت السيطرة عليها بسرعة.
مئات القتلى ومخاوف من توسع الحرب
التصعيد الأخير لم يتوقف عند خطوط المواجهة داخل اليمن، فبحسب التقارير المتداولة، أدى القتال المتجدد إلى مقتل أكثر من 500 شخص، بينما نفذ الحوثيون هجمات ضد أهداف في السعودية، في وقت شنت فيه القوات المدعومة من الرياض هجمات مضادة على مواقع حوثية في مناطق مختلفة من اليمن.
وتشير هذه التطورات إلى عودة البعد الإقليمي بقوة إلى الحرب اليمنية، بعدما كانت البلاد قد عاشت سنوات من انخفاض نسبي في حدة المعارك مقارنة بالمراحل الأكثر دموية من الحرب.
لكن انهيار هذا الهدوء النسبي يهدد بإعادة فتح جبهات متعددة، خصوصاً مع دخول الساحل الغربي والبحر الأحمر ومحيط باب المندب في قلب المواجهة.
باب المندب في قلب الأزمة
لا تكمن خطورة المعارك الحالية في آثارها على السكان اليمنيين فقط، فالساحل الغربي ومضيق باب المندب يمثلان نقطة استراتيجية بالنسبة إلى حركة الملاحة الدولية، كما أن السيطرة على الموانئ والجزر والمواقع القريبة من المضيق تمنح الأطراف المتصارعة نفوذاً عسكرياً وسياسياً كبيراً.
ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه طرق الطاقة والتجارة في البحر الأحمر والخليج أكثر حساسية بسبب التصعيد الإقليمي، ما يجعل أي تغير عسكري في الساحل اليمني قابلاً للتأثير خارج حدود البلاد.
ولهذا، فإن النزوح الجماعي والانتهاكات المبلغ عنها لا يمثلان مجرد فصل جديد في الحرب اليمنية، بل جزءاً من أزمة أمنية أوسع تتقاطع فيها الحرب الداخلية مع صراعات المنطقة وممرات التجارة الدولية.
أزمة إنسانية تتسع
وبينما تتغير خريطة السيطرة العسكرية على الساحل الغربي، يبقى المدنيون الطرف الأكثر تعرضاً للخطر.
نحو 86 ألف شخص اضطروا إلى النزوح، وأكثر من ألفي شخص غادروا اليمن إلى جيبوتي، فيما تتحدث جهة حقوقية عن أكثر من 950 انتهاكاً خلال فترة قصيرة. وتعني هذه الأرقام أن اليمن لا يواجه فقط عودة القتال، وإنما خطر تحول التصعيد العسكري إلى موجة إنسانية جديدة يصعب احتواؤها.
ومع استمرار المعارك، تبدو الحاجة أكبر إلى حماية المدنيين وفتح ممرات آمنة للنازحين وتوفير المساعدات العاجلة، في وقت تحذر فيه المنظمات الإنسانية من أن موارد الاستجابة لا تواكب سرعة تدهور الوضع. ففي بلد أنهكته سنوات الحرب والفقر والنزوح، قد لا تكون المشكلة في عدد الأشخاص الذين فروا من منازلهم فقط، وإنما في السؤال الأصعب: إلى أين يمكن أن يذهبوا إذا استمرت الحرب في التوسع؟
اقرأ المزيد
الحكومة اليمنية تواجه أزمة شرعية متفاقمة مع الانهيار الاقتصادي واتساع الاحتجاجات شعبياً..

