وطن-مع اقتراب الانتخابات التشريعية المغربية المقررة في 23 سبتمبر، يجد جيل شاب خرج إلى الشوارع قبل عام نفسه أمام سؤال أكثر إلحاحاً من مجرد اختيار حزب أو مرشح: هل يمكن لصوته أن يغيّر شيئاً فعلاً؟
فبعد عام على احتجاجات «جيل زد 212» التي تحولت إلى واحدة من أبرز موجات الغضب الشبابي في المغرب، تبدو المشاركة السياسية لدى فئة من الشباب أكثر حضوراً، لكن الثقة في الأحزاب والمؤسسات لا تزال هشة. وبينما يشجع بعض الشباب بعضهم بعضاً على التصويت، يخشى آخرون أن تنتهي الانتخابات إلى إعادة إنتاج المشهد نفسه الذي دفعهم إلى الاحتجاج.
وكانت احتجاجات عام 2025 قد انطلقت على خلفية الغضب من أوضاع الصحة والتعليم والخدمات العامة، قبل أن تتوسع مطالبها لتشمل أولويات الإنفاق الحكومي والعدالة الاجتماعية والفساد. وأظهرت الاحتجاجات قدرة جيل جديد على تنظيم نفسه عبر منصات رقمية مثل «ديسكورد»، بعيداً عن الأطر الحزبية التقليدية.
«هل يصنع صوتي فرقاً؟»
تقول «جيهان»، وهي منسقة سياسية في مركز شبابي مغربي، إن الانتخابات الحالية تبدو مختلفة جزئياً، لأن عدداً أكبر من الشباب بدأ يتحدث عن أهمية المشاركة والتصويت. لكن هذا الاهتمام لا يعني عودة الثقة.
وتقول جيهان إن النقاش بين الشباب لا يزال يدور حول سؤال أساسي: «هل يصنع صوتي فرقاً؟»، مضيفة أن ما تصفه بأنه «تفاؤل حذر» يعكس استعداد بعض الشباب لمنح العملية السياسية فرصة جديدة، لكن مع خوف واضح من خيبة أمل أخرى.
وتختصر موقف هذه الفئة بعبارة مفادها: سنمنحكم ثقتنا مرة أخرى، لكن هل ستخيبونها من جديد؟
احتجاجات غيرت علاقة الشباب بالسياسة
قبل عام، كان المشهد مختلفاً تماماً. فقد تحرك شباب «جيل زد 212» عبر الإنترنت، قبل أن تنتقل احتجاجاتهم إلى الشارع، رافعين مطالب مرتبطة بتحسين الخدمات الصحية والتعليمية وتوفير حياة أكثر كرامة.
وانطلقت شرارة الغضب بعد احتجاجات مرتبطة بأوضاع مستشفى عمومي في أكادير، ثم توسعت المطالب لتشمل الإنفاق الحكومي وأولويات الدولة، بما في ذلك الانتقادات الموجهة إلى الإنفاق المرتبط باستضافة المغرب لفعاليات رياضية كبرى.
وبحسب رويترز، انتشرت الاحتجاجات في عدد من المدن المغربية، ونُظمت عبر منصات مثل «تيك توك» و«إنستغرام» و«ديسكورد»، قبل أن تواجه تدخلاً أمنياً واعتقالات واسعة.
«لم نعد نثق في الأحزاب»
لكن بعض المشاركين في الحركة لا يرون أن الانتخابات تمثل بالضرورة امتداداً طبيعياً لاحتجاجاتهم. يقول «حسن»، وهو صحفي وناشط شارك في احتجاجات «جيل زد 212» وشبكة «ديسكورد»، إن جزءاً من الشباب فقد الثقة في الأحزاب والدولة باعتبارها قادرة على تمثيل تطلعاته.
ويرى أن موجة الهجرة الجماعية الأخيرة نحو سبتة كانت، في نظره، تعبيراً عن إحباط أوسع لدى المغاربة، وليست مجرد ظاهرة مرتبطة بالشباب المحتج. ويقول إن الرسالة التي بعثها هؤلاء كانت أنهم لم يعودوا يريدون أن يكونوا جزءاً من منظومة يرون أنها لا تستجيب لمطالبهم.
وتأتي هذه التصريحات في وقت لا تزال فيه قضية تدفق المهاجرين نحو سبتة محل جدل بين المغرب وإسبانيا، بعدما فتحت السلطات الإسبانية تحقيقاً بشأن ظروف موجة الوصول الجماعي، بينما نفت الرباط أي تورط لها في تسهيلها.
حكومة المونديال
ولا تقتصر شكوك الشباب على الأداء الحكومي، بل تمتد إلى طبيعة المنافسة السياسية نفسها. ويحتفظ حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الحكومة الحالية، بموقع متقدم في المشهد السياسي، فيما يمثل حزب الأصالة والمعاصرة أحد أبرز المنافسين. لكن التوترات بين الأحزاب، والاتهامات المتبادلة بشأن استقطاب السياسيين والمنافسة غير النزيهة، لا تساعد في طمأنة الناخبين الشباب.
وازداد الجدل بعد انضمام فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والوزير المكلف بالميزانية، إلى حزب الأصالة والمعاصرة قبل الانتخابات بفترة قصيرة.
وأثار انتقال لقجع تكهنات بشأن إمكانية لعبه دوراً سياسياً أكبر في المرحلة المقبلة، بل ذهب بعض المحللين إلى الحديث عن احتمال تشكل حكومة مرتبطة بالاستعدادات لاستضافة المغرب كأس العالم 2030.
أما حسن فيصف هذه الخطوة بأنها ورقة سياسية قوية من داخل ما يسميه «مخزن الدولة العميقة»، ويرى أن مؤسسة المغرب 2030، التي تشرف على التحضيرات لكأس العالم وكأس أفريقيا، قد تصبح لاعباً بالغ التأثير في المرحلة المقبلة. وتظل هذه القراءة سياسية وتحليلية، ولا تعني أن تشكيل حكومة أو تعيين رئيس حكومة جديد قد حُسم فعلياً.
إصلاحات لا تقنع الشباب
وحاولت الحكومة الاستجابة لبعض مطالب الشباب عبر مبادرة تهدف إلى تشجيع مشاركتهم في الحياة السياسية، من خلال دعم مالي للحملات الانتخابية وتغطية نسبة كبيرة من تكاليفها. لكن هذه المبادرة تواجه انتقادات بسبب شروط المشاركة.
فبحسب المادة الأصلية، يتعين على المرشح الذي يقل عمره عن 35 عاماً جمع ما لا يقل عن 200 توقيع موثق من الناخبين، مع اشتراط نسبة معينة من توقيعات النساء وتوزيع التوقيعات جغرافياً. كما لا يحصل المرشحون الشباب على التمويل العام قبل الانتخابات، وإنما يرتبط الحصول عليه بتحقيق نسبة معينة من الأصوات.
ويقول منتقدون إن هذه الشروط تجعل المبادرة أقل قدرة على تحقيق الهدف المعلن منها، خصوصاً في ظل ضعف حضور الشباب داخل الأحزاب والمؤسسات السياسية.
وترى جيهان أن نجاح أي إصلاح يجب ألا يقاس بوجود مبادرة تحمل اسم الشباب فقط، وإنما بمدى قدرتها على منحهم فرصة حقيقية للتأثير في السياسات وصناعة البرامج السياسية.
36 حزباً.. وخيارات لا يفهمها الجميع
ويواجه الناخب المغربي أيضاً مشهداً حزبياً شديد التعقيد، في ظل وجود عشرات الأحزاب واللوائح والبرامج. ويقول محمد، وهو عضو في فرع شبيبة حزب اشتراكي بمنطقة بني ملال خنيفرة، إن معظم الأحزاب حاولت إدراج مطالب «جيل زد» ضمن خطابها الانتخابي، لكن الفارق يبقى بين الشعارات والسياسات الفعلية.
ويرى أن بعض أحزاب اليسار، خصوصاً حزب التقدم والاشتراكية والحزب الاشتراكي الموحد، كانت أقرب إلى تبني مطالب الحركة الشبابية خلال الاحتجاجات وبعدها.
في المقابل، ترى جيهان أن حزب الاستقلال أظهر، في بعض مواقفه، تفهماً أكبر لمجموعة من المطالب التي رفعها الشباب. لكنها تحذر في الوقت نفسه من اختزال جيل كامل في حزب واحد، لأن «جيل زد» ليس كتلة سياسية متجانسة، ولا يحمل موقفاً موحداً من جميع القضايا.
لغة سياسية لا تصل إلى الشباب
إحدى أكبر مشكلات الانتخابات، وفق الشباب الذين تحدثت إليهم «الشرق الأوسط عين»، هي الفجوة بين لغة الأحزاب وطريقة استهلاك الجيل الجديد للمعلومات.
فبينما تعتمد الأحزاب على لغة سياسية ومؤسساتية تقليدية، يحصل كثير من الشباب على معلوماتهم من منصات التواصل الاجتماعي، حيث تكون الرسائل أقصر وأكثر مباشرة وتفاعلية.
وترى جيهان أن الأحزاب لا تزال تواجه صعوبة في شرح هويتها السياسية وبرامجها ومواقفها من القضايا الأساسية بطريقة يستطيع الشباب فهمها ومقارنتها.
أما محمد فيرى أن الحملات الانتخابية الحالية يغلب عليها الخطاب العام والشعارات، من دون آليات واضحة لإشراك الشباب في النقاش السياسي.
بين المقاطعة والتصويت
المفارقة أن الاحتجاجات لم تختفِ من الوعي السياسي للشباب، حتى بعد مغادرتهم الشوارع. فبعضهم يرى في الانتخابات فرصة لاختبار إمكانية التغيير من داخل المؤسسات، بينما يعتقد آخرون أن التجارب السابقة أثبتت محدودية قدرة الأحزاب على الاستجابة لمطالبهم.
وهكذا يجد الشباب أنفسهم أمام خيارين متناقضين: المشاركة في عملية سياسية لا يثقون بها بالكامل، أو الابتعاد عنها وترك المجال للأحزاب التقليدية لتحديد شكل المرحلة المقبلة.
وربما لهذا السبب لا يبدو السؤال الحقيقي في المغرب هو فقط من سيفوز في انتخابات 23 سبتمبر، وإنما ما إذا كان جيل خرج إلى الشوارع مطالباً بالصحة والتعليم والكرامة سيقرر هذه المرة استخدام صندوق الاقتراع بدلاً من الشارع.
فإذا اختار جزء كبير من هذا الجيل التصويت، فقد تتحول الانتخابات إلى اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات السياسية على استعادة الثقة. أما إذا غلبت المقاطعة واللامبالاة، فقد تكون الرسالة أكثر وضوحاً: أن الاحتجاجات انتهت في الشارع، لكنها لم تنتهِ في عقول الشباب.
اقرأ المزيد
70 ألف اسم أمني تحت المجهر.. “جبروت” تهزّ المغرب وتفتح ملف سبتة..
“المغرب لم يمنحني شيئاً”.. آلاف الشباب يخاطرون بحياتهم للوصول إلى سبتة وسط مأساة إنسانية
لماذا قد يضطر سانشيز إلى تصنيف المغرب تهديداً للاتحاد الأوروبي؟ سابقة بولندا مع بيلاروسيا تعيد الجدل

