وطن-تواجه الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ومجلس القيادة الرئاسي واحدة من أكثر المراحل تعقيداً منذ تشكيل المجلس في العاصمة السعودية الرياض في أبريل 2022، وسط تفاقم الأزمة الاقتصادية، واستمرار انهيار الخدمات الأساسية، واتساع الاحتجاجات الشعبية في المحافظات الخاضعة لسلطة الحكومة، في وقت تواصل فيه جماعة الحوثي الاحتفاظ بأوراق قوة ميدانية واقتصادية في ملفات حيوية.
وقالت صحيفة “أتالايار” الإسبانية إن المشهد اليمني دخل مرحلة شديدة الحساسية، مع تراجع قدرة الحكومة على إدارة الأزمات المعيشية والخدمية، مقابل استمرار الحوثيين في فرض معادلات ضغط على الأرض، سواء عبر السيطرة على موارد في مناطقهم أو تعطيل صادرات النفط التي كانت تمثل شرياناً رئيسياً لمالية الدولة.
وبحسب بيانات الأمم المتحدة، لا يزال اليمن يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، إذ يحتاج أكثر من 21 مليون شخص إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية خلال عام 2026، بينما انكمش الاقتصاد اليمني بأكثر من 50%، في ظل تواصل انهيار المؤسسات العامة والخدمات الأساسية.
وأشارت الصحيفة إلى أن صورة المشهد الإنساني في اليمن تختصرها معاناة يومية للحصول على المياه والغذاء والكهرباء، في بلد يُعد من أكثر الدول تعرضاً للإجهاد المائي، حيث زادت موجات الجفاف المرتبطة بالتغير المناخي، وتراجعت إمدادات المياه المستدامة، فيما تتفاقم آثار الحرب الممتدة على حياة السكان.
توقف صادرات النفط يفاقم أزمة الحكومة اليمنية
يمثل توقف صادرات النفط منذ الهجمات التي استهدفت موانئ التصدير أواخر عام 2022 نقطة تحول بارزة في الأزمة الاقتصادية التي تواجهها الحكومة اليمنية. فقد كان النفط المصدر الأهم للعملة الصعبة والإيرادات العامة، ومع توقف التصدير فقدت الحكومة معظم قدرتها على تمويل الرواتب والخدمات واستيراد الوقود.
وأضافت صحيفة “أتالايار” أن هذه التطورات انعكست بصورة مباشرة على سعر صرف الريال اليمني، وعلى أسعار السلع الأساسية، كما وسّعت عجز الموازنة العامة، وقلّصت قدرة الحكومة على التدخل في السوق أو دعم الخدمات الرئيسية.
وتحذر مؤسسات دولية من أن استمرار هذا الوضع أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين، وتراجع قدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من الخدمات العامة، في وقت لم تعد فيه الأسر قادرة على مواجهة الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة.
الكهرباء تشعل الاحتجاجات في عدن وحضرموت
في المحافظات الجنوبية، وعلى رأسها عدن وحضرموت، تحولت أزمة الكهرباء إلى العنوان الأبرز للاحتجاجات الشعبية. وخلال مواسم الصيف الأخيرة، سجلت بعض المناطق انقطاعات للكهرباء وصلت إلى نحو 20 ساعة يومياً، نتيجة شح الوقود، والأزمة المالية، والفساد الإداري والمالي، وضعف قدرة مؤسسات الدولة على إدارة قطاع الطاقة.
وبحسب ما أوردته الصحيفة الإسبانية، دفعت هذه الأوضاع مئات المحتجين إلى إغلاق طرقات وإحراق إطارات وتنظيم اعتصامات احتجاجاً على تدهور الخدمات والظروف المعيشية، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين الحكومة والمواطنين في المناطق الواقعة تحت سيطرتها.
ويرى البنك الدولي أن الانقطاعات المتكررة للكهرباء أصبحت من أبرز العوائق أمام التعافي الاقتصادي والاستثمار في اليمن، خصوصاً أن البنية التحتية للطاقة لا تزال تعاني آثار سنوات الحرب، إلى جانب ضعف التمويل وتآكل القدرة المؤسسية على الصيانة والتشغيل.
الأمن الغذائي في اليمن يتدهور بصورة خطيرة
تنعكس الأزمة الاقتصادية بشكل مباشر على الوضع الإنساني والأمن الغذائي. ووفق أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، فإن 47% من سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، أي نحو خمسة ملايين شخص، يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.
وكشفت الصحيفة، استناداً إلى التحليل الأممي، أنه من المتوقع ارتفاع العدد إلى 5.4 مليون شخص خلال العام الجاري، بينهم 1.5 مليون شخص في مرحلة الطوارئ الغذائية، وهي مرحلة تعكس عجزاً حاداً في الوصول إلى الغذاء وارتفاع مخاطر سوء التغذية.
وقالت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو”، وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، في بيان مشترك، إن الأسر اليمنية باتت تُدفع إلى ما هو أبعد من قدرتها على التكيف، بسبب الانهيار الاقتصادي، وتراجع مصادر الدخل، والانخفاض الحاد في التمويل الإنساني.
مجلس القيادة الرئاسي والانقسامات المزمنة
على المستوى السياسي، لم يتمكن مجلس القيادة الرئاسي، الذي شُكّل بدعم سعودي بهدف توحيد القوى المناهضة للحوثيين، من إنهاء الانقسامات بين مكوناته المختلفة. ولا تزال الخلافات السياسية والعسكرية داخل المعسكر المناهض للحوثيين تؤثر بوضوح على أداء الحكومة وقدرتها على اتخاذ قرارات إصلاحية.
وقالت صحيفة “أتالايار” إن مراقبين يرون أن استمرار التباينات بين القوى المشاركة في المجلس أضعف قدرة الحكومة على بناء مؤسسات أكثر فاعلية، وانعكس سلباً على إدارة الملفات الاقتصادية والأمنية والخدمية.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه الحكومة اتهامات متكررة من منظمات دولية وتقارير أممية تتعلق بضعف الحوكمة، واستمرار الفساد، وسوء إدارة الموارد العامة، وهي عوامل تعرقل جهود التعافي الاقتصادي وتزيد من فقدان الثقة الشعبية بالمؤسسات الرسمية.
وتشير انتقادات داخل الأوساط اليمنية إلى أن إقامة رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي لفترات طويلة في العاصمة السعودية الرياض، بعيداً عن معاناة المواطنين اليومية داخل البلاد، عمّقت شعوراً عاماً بانفصال القيادة السياسية عن الواقع المحلي، خصوصاً في ظل تصاعد الأزمات المعيشية.
السعودية أمام شريك يزداد هشاشة
بالنسبة إلى السعودية، تتركز مساحة واسعة من الانتقادات في الأوساط اليمنية حول نفوذها الكبير على قرار الحكومة المعترف بها دولياً، خاصة أن قيادات السلطة اليمنية، وفي مقدمتها رئيس وأعضاء مجلس القيادة، يقيمون بشكل شبه دائم في الرياض.
وبحسب الصحيفة الإسبانية، يعتقد منتقدون يمنيون أن السعودية أعطت الأولوية عند تشكيل مؤسسات السلطة لشخصيات تتمتع بالولاء السياسي لها، أكثر من تركيزها على بناء مؤسسات قادرة على إدارة الدولة واستعادة فعاليتها. ويربط هؤلاء ذلك بنتائج أكثر من عقد من إدارة الملف اليمني، حيث تعززت القدرات العسكرية والسياسية لجماعة الحوثي بصورة غير مسبوقة.
ويشير المنتقدون إلى أن الحوثيين تحولوا إلى مصدر تهديد للملاحة الدولية في البحر الأحمر، في الوقت الذي تتدهور فيه الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية، ما يعكس خللاً عميقاً في موازين القوة وفي طريقة إدارة الصراع.
كما يلفت محللون إلى أن اليمنيين لم يشاركوا عبر انتخابات في اختيار أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، وهو ما يضعف شرعية المجلس شعبياً، إلى جانب الانتقادات المرتبطة بضعف حضوره داخل البلاد واعتماده الكبير على الدور السعودي في قراراته وتحركاته.
وأضافت الصحيفة أن عدداً من الباحثين يرون أن السياسة السعودية في السنوات الأخيرة اتجهت أكثر إلى إدارة الصراع اليمني واحتواء تداعياته، بدلاً من معالجة جذوره البنيوية، وهو ما ساهم في إطالة أمد الأزمة واستمرار الانقسام والتنافس بين القوى اليمنية المختلفة.
هل يتراجع الوزن السياسي للحكومة اليمنية؟
يرى باحثون متخصصون في الشأن اليمني أن استمرار تدهور الاقتصاد، وتعثر الإصلاحات، وتوقف صادرات النفط، مقابل احتفاظ الحوثيين بأوراق ضغط اقتصادية وعسكرية، يقلص تدريجياً الوزن السياسي للحكومة المعترف بها دولياً في أي تسوية مستقبلية.
وبحسب ما أوردته “أتالايار”، فإن هذا الواقع قد يدفع أطرافاً إقليمية ودولية إلى التعامل مع الحكومة اليمنية باعتبارها طرفاً ضعيفاً لا يمتلك القدرة الكافية على فرض شروطه، بينما تزداد أهمية الحوثيين في معادلات التفاوض بفعل سيطرتهم الميدانية وقدرتهم على التأثير في ملفات النفط والملاحة والأمن الإقليمي.
في المقابل، تبدو أولوية السعودية في المرحلة الحالية مرتبطة بضمان أمن حدودها واحتواء التهديدات الإقليمية، مع الحفاظ على نفوذ واسع في الملف اليمني. ويرى محللون أن هذا التوجه يعكس انتقالاً من محاولة الحسم العسكري إلى إدارة توازنات طويلة الأمد داخل اليمن.
وتتوقع مراكز دراسات استمرار مسارات التفاوض المباشر مع الحوثيين بالتوازي مع دعم الحكومة اليمنية، بدلاً من الرهان على الخيار العسكري وحده. وقد يؤدي هذا المسار، وفق تقديرات مراقبين، إلى إعادة رسم موازين النفوذ داخل اليمن خلال السنوات المقبلة، في ظل اقتصاد منهك، ومؤسسات ضعيفة، ومجتمع يدفع كلفة حرب طويلة لم تنتهِ آثارها بعد.
اقرأ المزيد
“بين جمر الفقر وبنادق البطالة”.. كيف يزاحم المهاجرون الأفارقة عمال اليمن على لقمة العيش؟
عدٌّ تنازلي للانفصال: الزبيدي يعلن مرحلة انتقالية تنتهي باستفتاء جنوب اليمن
فضيحة تهريب الزبيدي تكشف تورط اللواء عوض الأحبابي ودور الإمارات في الصراع اليمني

