وطن-تتزايد الضغوط السياسية والحقوقية في إسبانيا لوقف تسليم المليونير والناشط المؤيد للفلسطينيين جيمس «فيرغي» تشامبرز إلى الولايات المتحدة، بعدما طلبت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسليمه على خلفية اتهامات تتعلق بدعم حركة حماس وغسل أموال دولي، في قضية يقول فريق دفاعه إنها تستهدف تجريم نشاطه السياسي والإنساني المؤيد للفلسطينيين.
مذكرة إلى الحكومة الإسبانية
وبحسب صحيفة «إلدياريو.إس»، وجّه فريق الدفاع عن تشامبرز، بقيادة القاضي الإسباني السابق بالتاسار غارثون، مذكرة إلى الحكومة الإسبانية يطالب فيها برفض طلب التسليم الأمريكي.
ويجادل الدفاع بأن الولايات المتحدة لم تقدم أفعالاً محددة منسوبة إلى موكله تتعلق بممارسة العنف أو إلحاق أضرار مباشرة بأشخاص، وأن جوهر القضية، من وجهة نظره، يرتبط بنشاط تشامبرز السياسي ومواقفه المؤيدة للفلسطينيين.
ويأتي ذلك قبل اجتماع مجلس الوزراء الإسباني المقرر في 22 سبتمبر، والذي قد يشكل محطة حاسمة في تحديد ما إذا كان طلب التسليم سيمضي إلى المرحلة القضائية أم سيُرفض إدارياً.
خلاف حول «التجريم المزدوج»
ويستند فريق الدفاع أيضاً إلى حجة قانونية تتعلق بمبدأ «التجريم المزدوج»، الذي يشترط، في قضايا التسليم، أن يكون الفعل المنسوب إلى الشخص جريمة في كل من الدولة الطالبة والدولة المطلوب منها التسليم.
ويرى المحامون أن أحد المفاهيم القانونية التي تستند إليها الولايات المتحدة، وهو «التآمر لارتكاب أعمال شغب»، لا يملك مقابلاً واضحاً في التشريع الإسباني، ما قد يضعف الأساس القانوني للطلب.
وتقول هيئة الدفاع إن الاتهامات الأمريكية، بصيغتها الحالية، لا تستوفي هذا المعيار، كما تعتبر أن القضية ذات طبيعة سياسية أكثر منها جنائية.
وتقول «إلدياريو.إس» إن الملف يمثل، وفق المعلومات التي نشرتها، أول قضية معروفة تطلب فيها الولايات المتحدة تسليم شخص على أساس مزاعم مرتبطة بدعم حركة حماس، ما يمنحه أبعاداً تتجاوز قضية تشامبرز نفسه، خصوصاً في ظل الجدل الأوروبي المتصاعد بشأن حدود النشاط السياسي والتضامن مع الفلسطينيين.
ماذا تقول واشنطن؟
بحسب ما نقلته الصحيفة الإسبانية، تتهم الولايات المتحدة تشامبرز بغسل نحو 7.5 ملايين دولار، بعدما حوّل الأموال قبل سنوات من حساب مصرفي أمريكي إلى تونس، حيث كان يقيم آنذاك.
وتزعم واشنطن أن الأموال استُخدمت في تمويل حركة حماس، إلا أن تفاصيل الاتهامات الأمريكية لا تزال، وفق التقرير، محاطة بالسرية.
في المقابل، ينفي فريق الدفاع هذه الرواية، ويؤكد أن الأموال التي أنفقها تشامبرز ذهبت إلى مساعدات إنسانية ومشروعات اجتماعية، وليس إلى تمويل أنشطة عنيفة.
ويقول الدفاع إن تشامبرز، البالغ من العمر 41 عاماً، تبرع خلال السنوات الماضية لنحو 100 مشروع في 20 دولة، من بينها مشروع «سمير» للمساعدات الإنسانية في غزة.
غارثون: سابقة مقلقة لأوروبا
وقال بالتاسار غارثون، وفق «إلدياريو.إس»، إن السماح للإدارة الأمريكية بتجريم تقديم مساعدات إنسانية للفلسطينيين والدفاع عن حقوقهم قد يشكل «سابقة مقلقة في أوروبا كلها».
ويؤكد غارثون أن الأموال التي موّل بها تشامبرز مشروعات مختلفة كانت، بحسب دفاعه، مخصصة لمساعدات إنسانية ودعم أشخاص في ظروف صعبة، معتبراً أن هذا النوع من النشاط لا يندرج ضمن مفهوم الإرهاب وفق المعايير القانونية الإسبانية والأوروبية.
كما ترفض هيئة الدفاع اتهامات غسل الأموال، وتقول إن ثروة تشامبرز جاءت من مصادر قانونية، باعتباره وريثاً لعائلة أمريكية ثرية مرتبطة بتكتل الاتصالات «كوكس كوميونيكيشنز» ومقره أتلانتا.
ويرى المحامون أن محاولة ربط ثروته ونشاطه السياسي والإنساني باتهامات جنائية تمثل، من وجهة نظرهم، إعادة توصيف لنشاط مشروع باعتباره جريمة.
تحرك سياسي داخل إسبانيا
في موازاة المسار القانوني، تكثفت التحركات السياسية للدفاع عن تشامبرز. فقد التقت شريكته، الممثلة والناشطة ستيلا شنابل، نواباً من حزبي «سومار» و«بوديموس» بهدف الدفاع عن براءته وحشد الدعم لرفض تسليمه إلى الولايات المتحدة.
كما وجّهت شنابل رسالة إلى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، طالبت فيها باتخاذ ما وصفته بـ«القرار الأخلاقي الوحيد المقبول»، أي رفض تسليم شريكها إلى واشنطن. وكانت شنابل قد كثفت تحركاتها منذ توقيف تشامبرز في 10 يوليو بجزيرة إيبيزا.
أما حزب «بوديموس»، فقد أعلن موقفاً واضحاً ضد طلب التسليم، إذ قالت زعيمته إيوني بيلارا إن تشامبرز يقف «في الجانب الصحيح من التاريخ» بسبب دعمه المالي للفلسطينيين في غزة.
كما تقدم حزب «سومار» بمذكرة في البرلمان الإسباني طالب فيها الحكومة برفض الطلب الأمريكي، معتبراً أن الغرض منه هو، بحسب صياغة المذكرة، «تجريم أو ملاحقة أو معاقبة» تشامبرز بسبب آرائه السياسية ونشاطه العام ودعمه للشعب الفلسطيني.
«لا يمكن أن نصبح تابعين لواشنطن»
ونقلت صحيفة «ذا غارديان» عن النائبة الأوروبية إيرين مونتيرو، قولها إن القوانين الإسبانية لا تتضمن الأفعال المنسوبة إلى تشامبرز، مضيفة أن إسبانيا «لا يمكن أن تتحول إلى تابع للولايات المتحدة».
وتكشف هذه المواقف عن بعد سياسي واضح في القضية، إذ يرى جزء من اليسار الإسباني أن القرار لا يتعلق فقط بتطبيق قواعد التسليم، بل أيضاً بمدى قدرة مدريد على الحفاظ على استقلال قرارها القانوني والسياسي في مواجهة واشنطن.
وتملك الحكومة الإسبانية، وفق القواعد المنظمة لإجراءات التسليم، صلاحية رفض الطلب في مرحلته الإدارية قبل إحالته إلى القضاء، وهي الصلاحية التي يعوّل عليها فريق تشامبرز لمنع انتقال القضية إلى مسار قضائي طويل.
ضغوط تتجاوز إسبانيا
لم تقتصر التحركات على الأحزاب الإسبانية، إذ شهدت الأيام الأخيرة احتجاجات في عدة مدن إسبانية دعماً لتشامبرز، كما قُدمت إلى الحكومة عريضة وقّع عليها أكثر من 100 شخصية من الفنانين والأكاديميين والنشطاء، من بينهم أنجيلا ديفيس وريتشارد غير وغريتا تونبرغ وألبرتو سان خوان وكارلوس بارديم.
وامتد التضامن إلى دول أخرى، ففي تونس، رفع مشجعون لنادي الإفريقي لافتات وارتدوا قمصاناً تحمل عبارة «حرروا فيرغي» خلال مباراة حديثة، بينما شهد مهرجان «فيستا دو أفانتي» في البرتغال، الذي ينظمه الحزب الشيوعي البرتغالي، رفع لافتة تحمل العبارة نفسها، مع التأكيد على أن «دعم فلسطين ليس جريمة».
وقالت شنابل لـ«ذا غارديان» إن مبلغ الـ7.5 ملايين دولار محل النزاع كان مخصصاً لدعم نادي الإفريقي التونسي. كما نقلت الصحيفة عن أحد مشجعي النادي والمنظمين للتحرك أن النادي يتبنى موقفاً مؤيداً للفلسطينيين، وأن هناك انسجاماً بين توجهاته وتوجهات تشامبرز.
ثروة بمئات الملايين ونشاط مثير للجدل
وتعود ثروة تشامبرز، بحسب التقرير الإسباني، إلى اتفاق أبرمه في منتصف عام 2023 مع عائلته، التي ترتبط بتكتل «كوكس كوميونيكيشنز»، حيث باع أسهماً بقيمة تقارب 250 مليون دولار. ومنذ ذلك الحين، انقطعت صلته بأفراد من عائلته، وفق ما ورد في التقرير.
لكن ثروته ونشاطه السياسي لم يكونا بعيدين عن الجدل في الولايات المتحدة. ففي أواخر عام 2023، ظهر تشامبرز في مقابلة مع قناة إخبارية محلية في ولاية نيوهامبشير للحديث عن احتجاج ضد شركة «إلبيت سيستمز» الإسرائيلية العاملة في مجال الصناعات الدفاعية، وكانت مجموعة «بالستاين أكشن» قد نظمت التحرك، بينما تكفل تشامبرز بمصاريفها القانونية، وفق التقارير.
وحظرت بريطانيا المجموعة لاحقاً بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً حول حدود استخدام قوانين الإرهاب ضد جماعات ناشطة في الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين.
تصريحات بعد هجمات 7 أكتوبر
كما أثارت تصريحات تشامبرز العلنية بشأن إسرائيل وغزة جدلاً في الولايات المتحدة. وبعد أسبوع من هجمات حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، نشر تشامبرز على منصة «إكس» تصريحاً رفض فيه توصيف العمليات العسكرية الإسرائيلية باعتبارها مجرد «عقاب جماعي»، واتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية.
وتضع هذه التصريحات، إلى جانب نشاطه السياسي وتبرعاته ومواقفه العلنية، قضية تشامبرز في قلب جدل أوسع بشأن الحدود الفاصلة بين النشاط السياسي المؤيد للفلسطينيين وبين الاتهامات المرتبطة بتمويل الإرهاب.
موقف أمني طال شريكته أيضاً
وفي تطور آخر، قالت شنابل إن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي أوقفها خلال رحلة حديثة إلى نيويورك، وصادر هاتفها في مطار جون إف كينيدي.
ولا يعني ذلك، بحد ذاته، إثبات أي اتهام يتعلق بتشامبرز، لكنه يعكس اتساع دائرة الإجراءات والضغوط المحيطة بالقضية، بحسب ما نقلته التقارير الإعلامية.
القرار بيد مدريد
في نهاية المطاف، تقف إسبانيا أمام اختبار يتجاوز مصير شخص واحد، فإذا رفضت الحكومة طلب التسليم، فقد تغلق القضية في مرحلتها الإدارية وتبعث برسالة سياسية وقانونية بشأن حدود التعاون مع واشنطن عندما يتعلق الأمر بنشاط سياسي مؤيد للفلسطينيين.
أما إذا أحالت الملف إلى القضاء، فسيدخل تشامبرز في مسار قانوني قد يكون طويلاً، وستصبح المحاكم الإسبانية أمام مهمة تقييم الاتهامات الأمريكية ومدى توافقها مع القانون الإسباني، بما في ذلك مبدأ التجريم المزدوج.
وبين الرواية الأمريكية التي تتحدث عن غسل أموال وتمويل حركة مصنفة إرهابية في الولايات المتحدة، ورواية الدفاع التي تصف القضية بأنها محاولة لتجريم العمل الإنساني والسياسي المؤيد للفلسطينيين، أصبح ملف فيرغي تشامبرز اختباراً حساساً لاستقلال القرار الإسباني، ولقدرة أوروبا على رسم حدودها الخاصة في واحدة من أكثر القضايا السياسية والقانونية إثارة للجدل المرتبطة بالتضامن مع فلسطين.
اقرأ أيضاً
من رعاية النادي الإفريقي إلى تهم الإرهاب.. قصة فيرغي تشامبرز التي أشعلت الجدل بين تونس وواشنطن
اعتقال أندرو وتريستان تيت في ميامي بعد اتهامات جديدة بالاغتصاب والاتجار الجنسي في بريطانيا

