وطن-في مشهد بدا للوهلة الأولى وكأنه رسالة بيئية مثالية، ظهر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في الهند وهو يشارك قادة دول مجموعة بريكس فعالية لزراعة الأشجار، في صورة التقطتها الكاميرات وحملت معها رمزية واضحة عن الاهتمام بالبيئة والتشجير. شجرة تُغرس أمام العالم، ولقطات رسمية لقادة دول يشاركون في فعالية تحمل عنوانًا أخضر، لتبدو الصورة وكأنها احتفاء بالمستقبل والاستدامة.
لكن هذه الصورة سرعان ما أعادت إلى الواجهة جدلًا مختلفًا في مصر، يتعلق بمصير الأشجار المعمّرة التي أزيلت في عدد من المناطق خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما في إطار مشروعات تطوير الطرق وتوسعة المحاور وإنشاء الكباري.
وهنا تبرز المفارقة التي يطرحها منتقدو السياسات الحكومية: كيف يمكن أن يظهر المسؤول نفسه في صورة يزرع فيها شجرة أمام قادة العالم، بينما تشهد القاهرة ومدن مصرية أخرى جدلًا متواصلًا حول إزالة أشجار عمرها عشرات السنين؟
فالمشكلة، بالنسبة إلى هؤلاء المنتقدين، لا تتعلق بزراعة شجرة جديدة في حد ذاتها، وإنما بما إذا كانت الأشجار الموجودة أصلًا تحظى بالحماية نفسها. فالشجرة التي تُزرع اليوم تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تكبر وتمنح الظل وتؤدي دورها البيئي، بينما قد تكون الشجرة التي تُقتلع قد احتاجت إلى عقود حتى تصل إلى حجمها وعمرها الحاليين.
وقد أثارت إزالة الأشجار في عدد من شوارع القاهرة خلال تنفيذ مشروعات التطوير انتقادات من مواطنين ونشطاء وخبراء وبرلمانيين، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأشجار معمّرة أصبحت جزءًا من المشهد العمراني للمدينة. وتركز جانب من الجدل على ما إذا كانت إزالة هذه الأشجار ضرورية فعلًا لتنفيذ المشروعات، أم أن بعض المسارات والبدائل الهندسية كان يمكن أن تسمح بالحفاظ عليها.
وفي المقابل، تؤكد السلطات المصرية أن مشروعات تطوير البنية التحتية لا تتعارض مع الاهتمام بالبيئة، وأن هناك توجهًا لزيادة المساحات الخضراء وتشجير الطرق والمحاور الرئيسية، إلى جانب خطط لتحسين المشهد الحضري في القاهرة وعدد من المدن.
لكن هذا التبرير لا ينهي الجدل، لأن السؤال الذي يطرحه المنتقدون أبعد من مجرد عدد الأشجار التي يجري غرسها. فالمعيار، في نظرهم، لا ينبغي أن يكون عدد الأشجار الجديدة فقط، وإنما أيضًا عدد الأشجار التي جرى الحفاظ عليها، خصوصًا تلك التي يبلغ عمرها عشرات السنين.
وتزداد أهمية هذا النقاش في مدينة مثل القاهرة، التي تعاني من الكثافة السكانية والازدحام وارتفاع درجات الحرارة وتراجع المساحات الخضراء في بعض المناطق. فالأشجار في المدن ليست مجرد عنصر جمالي، وإنما تؤدي وظائف بيئية مهمة، من توفير الظل إلى المساهمة في تحسين جودة الهواء والتخفيف من آثار الحرارة.
ومن هنا تبدو الصورة القادمة من الهند أكثر إثارة للجدل. فغرس شجرة أمام عدسات الكاميرات يمكن أن يقدم صورة رمزية جميلة عن الاهتمام بالبيئة، لكن الاختبار الحقيقي لا يحدث بالضرورة أمام الكاميرات، وإنما في الشوارع التي يعيش فيها الناس يوميًا.
فأن تغرس شجرة جديدة أمر مهم، لكن الحفاظ على شجرة معمّرة موجودة منذ عقود قد يكون أكثر أهمية. وأن تتحدث عن التشجير والمستقبل الأخضر أمر إيجابي، لكن حماية الأشجار التي تشكل جزءًا من ذاكرة المدن تبقى اختبارًا عمليًا لأي سياسة بيئية.
وبين صورة السيسي وهو يغرس شجرة في الهند، ومشاهد الأشجار التي أزيلت في مصر، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع القاهرة أن تجمع بين التطوير والحفاظ على ثروتها الخضراء، أم أن بعض مشروعات التطوير ستستمر في دفع الأشجار المعمّرة ثمنًا لها؟
في النهاية، ليست القضية في شجرة واحدة زُرعت في الهند، ولا في شجرة واحدة أزيلت في مصر، وإنما في التناقض الذي يراه منتقدون بين الرسالة البيئية التي تظهر أمام العالم والسياسات العمرانية التي يواجهها المصريون على الأرض.
اقرأ المزيد
تُقطع في مصر وتصل فحمًا إلى إسرائيل.. أين تختفي أشجار المصريين؟
المقايضة الكبرى: قناة السويس مقابل الديون؟ هل وصلت أزمة مصر إلى الأصول السيادية؟
الإمارات تفتش بنك مصر عاجلًا.. 1.8 مليار دولار في مرمى التحقيق الأميركي بسبب إيران

