وطن-اعتاد بعض الأشخاص منذ طفولتهم إخفاء ما يشعرون به. لا يبكون حتى لا يقلقوا من حولهم، ويتجنبون إظهار الغضب حتى لا يدخلوا في صدامات، ويرددون دائماً عبارة «أنا بخير»، حتى عندما يكونون تحت ضغط نفسي مستمر وإرهاق عاطفي واضح.
وقد يبدو هذا السلوك في ظاهره دليلاً على القوة والقدرة على التحمل، لكنه قد يتحول مع الوقت إلى عبء صامت، خصوصاً عندما يصبح كبت المشاعر الطريقة الأساسية للتعامل مع الحزن والخوف والغضب والضغط اليومي.
فالمشكلة لا تكمن في الشعور نفسه، وإنما في استمرار حالة التوتر من دون مساحة كافية للتعافي أو التعبير أو طلب الدعم. وعندما يترافق ذلك مع قلة النوم، وارتفاع ضغط الدم، وقلة الحركة أو التدخين أو غيرها من العوامل، يمكن أن يتزايد العبء الواقع على الجسم، ومنه الجهاز القلبي الوعائي.
وهذا لا يعني أن إخفاء الحزن يؤدي مباشرة إلى جلطة قلبية، فالعلاقة أكثر تعقيداً، وتتداخل فيها استجابة الجهاز العصبي، وهرمونات التوتر، وضغط الدم، وجودة النوم، والسلوكيات اليومية، والحالة الصحية العامة.
المشاعر لا تختفي لمجرد إخفائها
عندما يشعر الإنسان بالخوف أو الحزن أو الغضب ثم يحاول منع نفسه من إظهار ذلك، فإن اختفاء التعبير الخارجي لا يعني بالضرورة توقف الاستجابة الداخلية.
قد يبدو الشخص هادئاً أمام الآخرين، بينما يكون جسده في حالة توتر؛ فتتسارع ضربات القلب، وتتشدّد العضلات، ويتغير نمط التنفس، وقد يرتفع ضغط الدم مؤقتاً.
وهذه الاستجابة طبيعية في الأصل. فعندما يواجه الإنسان خطراً أو ضغطاً شديداً، يعمل الجسم على الاستعداد للمواجهة أو الهروب. ويشارك الجهاز العصبي وهرمونات مثل الأدرينالين والكورتيزول في هذه العملية.
لكن المشكلة تظهر عندما تتحول حالة الاستنفار المؤقتة إلى نمط متكرر، بحيث لا يحصل الجسم على وقت كافٍ للعودة إلى حالة الهدوء. وهنا يصبح الضغط النفسي المزمن أكثر أهمية من لحظة الغضب أو الحزن نفسها.
لماذا يتأثر القلب بالتوتر؟
لا يعمل القلب بمعزل عن الدماغ والجهاز العصبي. فكلما شعر الإنسان بالتهديد أو القلق، يمكن أن تتغير سرعة ضربات القلب وضغط الدم ونشاط الأوعية الدموية.
وعندما يتكرر التوتر لفترات طويلة، يمكن أن تتداخل آثاره مع النوم وضغط الدم والالتهاب والسلوكيات اليومية، وهي عوامل ترتبط بدورها بصحة القلب والأوعية الدموية.
وقد أظهرت أبحاث طبية ارتباط التوتر المزمن بزيادة الاستجابة القلبية الوعائية، واضطراب النوم، وارتفاع ضغط الدم لدى بعض الأشخاص، إلى جانب تغيرات في تنظيم الجهاز العصبي ومؤشرات الالتهاب.
لكن ذلك لا يعني أن كبت المشاعر وحده يمثل سبباً حتمياً للإصابة بأمراض القلب. فالتأثير يختلف من شخص إلى آخر، بحسب شدة الضغط ومدته، والعوامل الوراثية والحالة الصحية، إضافة إلى نمط الحياة.
ويصبح الأمر أكثر أهمية عندما يترافق الضغط النفسي المستمر مع التدخين، أو السكري، أو قلة الحركة، أو سوء التغذية، أو ارتفاع ضغط الدم، أو وجود تاريخ عائلي لأمراض القلب.
المشكلة ليست في الحزن أو الغضب
الشعور بالخوف أو الحزن أو الغضب ليس مرضاً في حد ذاته، بل يمثل جزءاً طبيعياً من التجربة الإنسانية. فالخوف يمكن أن ينبه الإنسان إلى وجود خطر، والغضب قد يشير إلى تجاوز حدود شخصية أو التعرض لموقف يراه غير عادل، بينما يساعد الحزن على التعامل مع الخسارة والتغيير.
لكن المشكلة تبدأ عندما يشعر الإنسان بأن عليه دائماً إخفاء هذه المشاعر، أو عندما يعتبر التعبير عنها ضعفاً أو عيباً، أو يخشى أن يصبح عبئاً على الآخرين.
وقد يؤدي ذلك إلى نمط من الإنكار المستمر: «لا شيء يحدث»، «أنا بخير»، «لا يهم»، رغم أن الشخص من الداخل يشعر بعكس ذلك تماماً. ومع مرور الوقت، قد يصبح هذا الانفصال بين ما يشعر به الإنسان وما يسمح لنفسه بإظهاره مصدراً إضافياً للضغط.
الجسد قد يعبّر عما لا نقوله
لا تظهر آثار التوتر النفسي في القلب وحده. فقد يشعر بعض الأشخاص بأعراض جسدية مختلفة خلال فترات الضغط المستمر، فالجهاز الهضمي، على سبيل المثال، يتأثر بالتفاعل المستمر بين الدماغ والأمعاء. وقد يؤدي التوتر إلى تغير حركة الجهاز الهضمي وحساسيته، وهو ما قد يفسر لدى بعض الأشخاص ظهور أعراض مثل ألم البطن أو اضطراب الأمعاء أو الإحساس بانقباض المعدة.
لكن من الخطأ افتراض أن كل مشكلة هضمية سببها الحالة النفسية، إذ يمكن أن تكون هناك أسباب عضوية تحتاج إلى تشخيص طبي، خصوصاً عندما تكون الأعراض جديدة أو شديدة أو مستمرة.
وقد يظهر التوتر أيضاً على العضلات. فالشخص القلق قد يشد عضلات الفك أو الكتفين والرقبة من دون أن ينتبه إلى ذلك، ما قد يؤدي مع الوقت إلى آلام عضلية أو صداع متكرر.
أما النوم، فهو من أكثر المجالات التي يظهر فيها أثر المشاعر المؤجلة. فقد يمر الإنسان طوال اليوم منشغلاً أو محاولاً تجاهل ما يشعر به، ثم تبدأ الأفكار والمواقف والحوارات بالعودة إليه بمجرد أن يضع رأسه على الوسادة. وهكذا يدخل في دائرة من القلق والأرق والإرهاق، ليصبح النوم نفسه مصدراً جديداً للضغط.
عندما يتحول الصمت إلى عادات مؤذية
في كثير من الحالات، لا تأتي المشكلة من المشاعر مباشرة، وإنما من الطريقة التي يحاول بها الإنسان الهروب منها، فقد يلجأ شخص إلى التدخين للتخفيف من القلق، بينما يفرط آخر في تناول الطعام، أو يقضي ساعات طويلة في العمل حتى لا يواجه أفكاره، أو ينسحب من الآخرين، أو يهمل النوم والنشاط البدني.
وقد يلجأ البعض إلى الكحول أو غيره من السلوكيات الضارة للهروب من الضغط النفسي، وهو ما يمكن أن يضيف مخاطر صحية جديدة إلى المشكلة الأصلية. لذلك، فإن العلاقة بين الصحة النفسية والجسدية لا تتعلق فقط بما نشعر به، بل أيضاً بما نفعله عندما نشعر به. فالتوتر المستمر قد يدفع الإنسان إلى عادات تزيد بدورها عوامل الخطر المرتبطة بصحة القلب.
التعبير عن المشاعر لا يعني الانفجار
التعامل الصحي مع المشاعر لا يعني الصراخ في وجه الآخرين أو تحويل كل إحساس إلى مواجهة. كما أن التعبير عن الغضب لا يعني إيذاء الآخرين.
يمكن للإنسان أن يعبّر عن مشاعره بطريقة أكثر هدوءاً ووضوحاً، مثل أن يقول: «هذا الموقف أزعجني»، أو «لست بخير اليوم وأحتاج إلى بعض الوقت»، أو «أحتاج إلى أن أتحدث عما حدث»، أو «هذا الأمر تجاوز حدودي».
وقد يكون الحديث مع شخص موثوق، أو كتابة الأفكار والمشاعر، أو ممارسة النشاط البدني، أو تخصيص وقت للراحة، خطوات بسيطة تساعد على التعامل مع الضغط بدلاً من دفنه.
وعندما يصبح التعبير عن المشاعر صعباً للغاية، أو يرتبط بالخوف الشديد أو الشعور بالذنب أو العزلة، يمكن أن يكون العلاج النفسي وسيلة مفيدة لفهم أسباب هذا النمط وتطوير طرق أكثر صحة للتعامل معه.
علامات تستحق الانتباه
ليس كل صمت مشكلة. فقد يختار الإنسان أحياناً عدم الحديث لأنه يحتاج إلى وقت للتفكير أو لأنه يرى أن التوقيت غير مناسب. لكن هناك فرقاً بين الصمت المؤقت وبين العيش لسنوات في حالة من الإنكار العاطفي.
ومن العلامات التي تستحق الانتباه أن يشعر الإنسان بالذنب كلما بكى أو طلب المساعدة، أو يجد صعوبة في تحديد مشاعره، أو يكرر دائماً أنه بخير رغم معاناته، أو يتجنب باستمرار أي حديث صعب، ثم يجد نفسه ينفجر بسبب أمور صغيرة.
وقد يظهر الأمر أيضاً على شكل توتر جسدي متكرر، أو أرق بعد الخلافات، أو عزلة، أو الاعتماد على الطعام أو التدخين أو العمل المفرط لتجنب التفكير.
ولا يعني ظهور هذه العلامات بالضرورة وجود مرض نفسي، لكنها قد تكون إشارة إلى أن الشخص يحتاج إلى التوقف قليلاً والاهتمام بما يحدث داخله.
لا تنسب كل الأعراض إلى التوتر
على الرغم من أهمية العلاقة بين الضغط النفسي والجسم، فإن تفسير كل عرض جسدي على أنه نتيجة للتوتر قد يكون خطأً خطيراً. فأعراض مثل ألم الصدر، وضيق التنفس، والخفقان، أو ارتفاع ضغط الدم تحتاج إلى تقييم طبي عندما تكون جديدة أو شديدة أو متكررة.
وعلى وجه الخصوص، فإن ألم الصدر الضاغط أو الشديد، خاصة إذا امتد إلى الذراع أو الظهر أو الرقبة أو الفك، أو ترافق مع تعرق أو غثيان أو صعوبة في التنفس، يستدعي طلب الرعاية الطبية العاجلة.
فوجود ضغط نفسي لا يستبعد وجود مشكلة عضوية، كما أن وجود مشكلة جسدية لا يعني أن المعاناة النفسية غير حقيقية.
القوة ليست في إخفاء كل شيء
لا يمكن القول إن كبت المشاعر يدمر القلب بشكل مباشر أو أن كل شخص يخفي مشاعره سيصاب بمرض جسدي. الأدق أن الضغط النفسي المزمن قد يؤثر في الجسم عبر شبكة من الاستجابات العصبية والهرمونية والسلوكية، وتزداد أهميته عندما يستمر طويلاً ويترافق مع عوامل أخرى تؤثر في الصحة.
لذلك، فإن الاهتمام بالمشاعر ليس رفاهية منفصلة عن صحة الجسد. النوم الجيد، والحركة، والعلاقات الداعمة، والتعامل مع التوتر، وطلب المساعدة عند الحاجة، كلها أجزاء من العناية بالصحة.
وفي النهاية، ليست القوة في ألا نحزن أو نغضب أو نخاف، وليست في أن نكرر دائماً «أنا بخير» مهما كان ما يحدث في الداخل. القوة الحقيقية قد تكون في القدرة على الاعتراف بما نشعر به، وفهمه، والتعامل معه بطريقة تحمي الإنسان بدلاً من أن تجعله يخوض حرباً صامتة مع نفسه وجسده.
اقرا المزيد
أطباء القلب يحذرون من وضعية نوم شائعة: قد تضر التنفس وتؤثر في القلب
أمراض القلب لدى النساء.. كيف يكشف الحمل وتكيس المبايض وانقطاع الطمث الخطر مبكراً؟
علامات النوبة القلبية لا تبدأ دائماً بألم الصدر.. 4 أعراض قد تنقذ حياتك إذا انتبهت إليها مبكراً
القلب يحذرك قبل النوبة القلبية.. 10 إشارات لا تتجاهلها
أفضل وضعية نوم لصحة القلب.. أطباء يكشفون الوضعية المثالية ويحذرون من النوم على البطن

