وطن-في واحدة من أكثر قصص النجاة إثارة في أعقاب الكارثة التي ضربت منطقة الهيمالايا، خرج العامل النيبالي سانجاي ساه حياً من نفق تابع لمحطة كهرومائية، بعدما ظل عالقاً في داخله لعدة أيام وسط الظلام والطين والحطام ومياه الفيضانات، من دون طعام.
وبحسب وكالة «رويترز»، كان ساه، البالغ من العمر 30 عاماً، واحداً من شخصين عُثر عليهما أحياء داخل نفق مرتبط بمشروع «تريشولي 3A» للطاقة الكهرومائية في منطقة راسوا في نيبال، بعد أن اجتاحت فيضانات وانهيارات طينية عنيفة وادي نهر بهوتيكوشي، إثر انهيار جليدي في جبال الهيمالايا أواخر أغسطس.
وأفادت «رويترز» بأن الكارثة خلفت ما لا يقل عن 1300 قتيل، فيما لا يزال أكثر من 5300 شخص في عداد المفقودين في نيبال ومنطقة التبت الصينية، في حصيلة تعكس حجم الدمار الذي أصاب الوديان الجبلية والمنشآت الحيوية.
أيام في ظلام تام
في مقابلة حصرية مع «رويترز» بعد خروجه من المستشفى الجمعة، روى ساه تفاصيل الأيام التي قضاها داخل النفق، قائلاً إنه كان يغلق عينيه معظم الوقت خوفاً من الاصطدام بالحطام أو تعرضهما للإصابة في الظلام.
وقال إنه لم يكن قادراً على رؤية أي شيء تقريباً، ولذلك كان يفضل إبقاء عينيه مغلقتين لفترات طويلة حتى لا ينزلق أو يصطدم بقطعة من الركام قد تؤذيه. وأضاف أن اعتياده على إبقاء عينيه مغلقتين جعله يجد صعوبة في فتحهما بشكل طبيعي بعد إنقاذه.
وكان ساه يعمل مشرفاً ميكانيكياً في محطة «أبر تريشولي 3A» الكهرومائية، وهي محطة تعمل بنظام جريان النهر وتملكها هيئة الكهرباء النيبالية الحكومية، وقد أمضى فيها أكثر من ثلاث سنوات.
وتقع المنشأة داخل الجبل، وتتكون من عدة طوابق محفورة في عمق السفح الجبلي، وهو ما جعل الفيضان يحول أجزاء منها إلى مساحة مغلقة مليئة بالمياه والحطام.
ولم يكن لدى ساه أي طعام طوال فترة احتجازه، واضطر، بحسب «رويترز»، إلى شرب مياه الفيضانات والمياه المتسربة من الصخور حتى يتمكن من البقاء على قيد الحياة.
«ما الفائدة من الاستسلام سريعاً؟»
مع مرور الوقت وتزايد العزلة والخوف، لجأ ساه إلى الترديد الديني المعروف باسم «المها مانترا»، المرتبط بالتعبد للإله كريشنا في الديانة الهندوسية.
وقال إنه كان يكرر التراتيل الدينية كلما شعر بأن اليأس يقترب منه، مضيفاً أنه كان يقول لنفسه إنه حتى لو كانت نهايته الموت، فلا فائدة من الاستسلام سريعاً.
وبحسب روايته، منحته تلك التراتيل شعوراً بالهدوء والطمأنينة وسط الظروف القاسية التي وجد نفسه فيها، وقال إنه لم يشعر بالخوف بالطريقة التي كان يتوقعها، بل وجد نوعاً من السكينة الروحية.
ومن الطابق الخامس في المبنى الداخلي للمحطة، الذي يتكون من ستة طوابق، وجد ساه فتحة تمكنه من النظر إلى الأسفل والصراخ، في محاولة لمعرفة ما إذا كان هناك ناجون آخرون.
لكنه لم يسمع أي رد.
عائلته كانت مصدر قوته
كان ساه، وهو أب لطفلة تبلغ عامين، يفكر باستمرار في زوجته البالغة من العمر 26 عاماً، وفي أسرته التي تركها خارج النفق. وفي البداية، ظل مقتنعاً بأن فرق الإنقاذ ستصل إليه، وأن التفكير في أفراد أسرته يمنحه القوة للاستمرار.
وقال لـ«رويترز» إنه كان يردد في داخله أنه ليس وحيداً، وأن هناك عائلة تنتظره في الخارج وتعاني من أجله، وهو ما ساعده على الحفاظ على معنوياته والصمود.
ولم يكن يدرك في تلك الأثناء المدة التي قضاها فعلياً داخل النفق، إذ فقد الإحساس تماماً بالوقت. كما كان يعتقد أن يومين أو ثلاثة فقط ربما مرت، قبل أن يكتشف بعد إنقاذه أنه أمضى ما يقارب عشرة أيام في الداخل. وقال إن الأمر جعله يشعر وكأنه يعيش في عالم مختلف، فلا نهار ولا ليل ولا أي وسيلة لمعرفة مرور الوقت.
الفيضان محا معالم النفق
كان ساه يعرف النفق جيداً بحكم عمله، وكان قادراً قبل الكارثة على التحرك في ممراته دون صعوبة، لكن الفيضان غيّر المكان بالكامل. فقد امتلأت الممرات بالطين، وجرفت المياه المعدات والصناديق، وتناثرت القطع المعدنية في أرجاء المكان، بينما انهارت أجزاء من الجدران وتشكلت أكوام وحفر من الركام.
وقال ساه إن معرفته السابقة بالمكان لم تعد مفيدة، لأن كل شيء تغير بعد الفيضان. فالمعدات لم تعد في مواقعها، وظهرت حواجز من الحطام جعلت التحرك في الممرات أمراً شديد الخطورة.
وخلال محاولاته الأولى للعثور على طريق للخروج، اصطدم بأشياء لم يكن قادراً على رؤيتها، وأصيب بخدوش وجروح بسبب الزجاج المكسور وبقايا المصابيح والقطع المعدنية.
كما اخترقت بعض الشظايا قدميه أثناء محاولته التحرك داخل النفق. وبعد فترة، أدرك أن الاستمرار في التجول قد يدفعه إلى منطقة أكثر خطورة أو يجعله عالقاً في مكان يصعب على فرق الإنقاذ الوصول إليه، فقرر العودة إلى النقطة التي اعتقد أنها الأكثر أمناً والبقاء فيها. وقال إن القرار ربما كان حاسماً في نجاته، إذ عُثر عليه في النهاية في المكان نفسه.
أصوات الحفارات أعادت الأمل
بعد أيام من العزلة، بدأ ساه يسمع أصواتاً من الخارج. وفي البداية كانت الأصوات غير واضحة، لكنه سرعان ما أدرك أنها تختلف عن الضجيج الذي اعتاد سماعه داخل النفق.
ثم بدأ يسمع أصوات الحفارات وارتطام السلالم، وهي بالنسبة إليه كانت أول إشارة حقيقية إلى أن فرق الإنقاذ باتت قريبة. وقال إن تلك الأصوات بدأت تصل إليه قبل نحو 10 إلى 12 ساعة من إخراجه، ومنحته أملاً جديداً بعد أيام من الظلام والعزلة.
وكان هناك ناجٍ آخر داخل النفق، هو كابير ماهارجان، البالغ من العمر 45 عاماً، والذي عُثر عليه ونُقل أيضاً إلى المستشفى العسكري نفسه، لكنه كان يعاني من إصابات أكثر خطورة.
افترقا لحظة اجتياح المياه
روى ساه أنه التقى ماهارجان قبل لحظات من اندفاع الفيضان، وأنهما قررا الصعود إلى الطوابق العليا بدلاً من النزول، اعتقاداً منهما أن المياه لن تتمكن من الوصول إليهما إذا ارتفعا إلى الأعلى. وكان الاثنان قد وصلا إلى الطابق السادس عندما بدأت المياه تتدفق من الأسفل.
وقال ساه إن الأمر بدأ بضغط هواء قوي، قبل أن تندفع المياه بقوة داخل المنشأة، وفي خضم الفوضى انفصل عن ماهارجان، كما جرفت المياه هاتفه المحمول. ومنذ تلك اللحظة لم يعرف ما حدث للآخر، قبل أن يكتشف لاحقاً أنه نجا هو أيضاً.
نجاة تزامنت مع مناسبة دينية
جاء إنقاذ ساه في يوم كان فيه الهندوس يحتفلون بميلاد كريشنا، وهو ما أضفى بالنسبة إليه معنى روحياً إضافياً على لحظة خروجه من النفق. لكن فرحة النجاة لم تمنع الحزن على من لم يتمكنوا من الخروج.
وقال ساه إن بعض الأشخاص الذين نصحهم بمغادرة النفق قبل وصول المياه تمكنوا بالفعل من الخروج، لكنهم جُرفوا لاحقاً مع الفيضان. وبعد نجاته، بقيت تلك الخسارة هي الجانب الأكثر إيلاماً في تجربته.
وقال لـ«رويترز» إن هذا هو الجزء الأكثر حزناً في كل ما حدث، في قصة نجاة بدأت داخل نفق غمرته المياه وانتهت بخروج رجل إلى النور بعد أيام من الظلام، فيما ظل آخرون في عداد المفقودين.
اقرأ المزيد
“تأثير الدومينو المرعب”.. كيف تضافرت الطبيعة والمناخ لتدمير نيبال؟
كارثة ثانية تهدد الهيمالايا.. سدود طبيعية قد تطلق فيضانات مدمرة بين نيبال والصين

