وطن-بدأت القصة بمشادة في أحد شوارع القاهرة، لكنها سرعان ما خرجت من حدود واقعة عابرة لتتحول، بحسب روايات وتقارير متداولة، إلى أزمة داخل أوساط القضاء والنيابة في مصر، بعدما وجد قاضٍ نفسه في مواجهة موظف يعمل في مكتب النائب العام، ثم امتدت تداعيات الواقعة إلى عدد من القضاة وأعضاء النيابة الذين عبّروا عن مواقفهم منها على مواقع التواصل وفي مجموعات مغلقة.
مشادة في شارع شامبليون
تعود بداية الواقعة، وفق الرواية المتداولة، إلى 26 يونيو/حزيران، عندما كان رئيس بمحكمة الاستئناف متوجهًا إلى نادي القضاة في القاهرة، قبل أن توقفه الشرطة في شارع شامبليون.
وبحسب ما نُشر عن رواية القاضي، فقد بدأت المشكلة عندما وجد سيارات خلفه تمنعه من الرجوع بسيارته، ليتوجه إليه شاب ويدخل يده من نافذة السيارة، الأمر الذي دفع القاضي إلى مطالبته برفع يده والتحدث إليه بطريقة مباشرة.
لكن الموقف، وفق الرواية نفسها، تطور إلى مشادة وسباب، قبل أن يكشف الشاب عن صفته الوظيفية، قائلًا إنه يدعى نور الدين خالد كشك ويعمل في مكتب النائب العام.
وتضيف الرواية أن الشاب واجه القاضي بعبارة تحدٍّ بعد أن سأله عن هويته، لتتحول المشادة من خلاف في الشارع إلى واقعة أخذت طابعًا قضائيًا.
التحقيق يبدأ.. والمفاجأة من داخله
بعد الواقعة، حرر القاضي مذكرة بما حدث، وبدأ التحقيق في ملابساتها. وبحسب ما جرى تداوله داخل مجموعات تضم قضاة وأعضاء في النيابة، استمع المحقق إلى الشهود وانتهى، وفق هذه الروايات، إلى ثبوت واقعة السب، ورأى أن هناك ما يستوجب اتخاذ إجراء قانوني بحق الموظف.
لكن الأزمة لم تتوقف عند نتيجة التحقيق. فمع تصاعد الحديث عن الواقعة، بدأت تظهر روايات تتحدث عن تدخلات حالت دون اتخاذ إجراء بحق الموظف بسبب صلته بمكتب النائب العام. كما نُسب إلى المحقق أنه اعتذر عن استكمال عمله اعتراضًا على طريقة التعامل مع الملف.
وهنا بدأت الواقعة تأخذ منحى مختلفًا، بعدما انتقلت من خلاف فردي إلى قضية أثارت غضبًا داخل أوساط قضائية.
من واقعة سب إلى غضب داخل الأوساط القضائية
انتقلت تداعيات الأزمة إلى مجموعات القضاة وأعضاء النيابة، حيث ظهرت منشورات تنتقد طريقة إدارة الملف، وأخرى تنتقد موقف النائب العام، فيما أعلن أصحابها تضامنهم مع المحقق الذي تولى التحقيق في الواقعة.
وبحسب تقرير لمنصة «متصدقش»، فإن والد الموظف يشغل منصبًا إداريًا في مكتب النائب العام، وأن صلته القريبة به وتدخله في القضية كانا، وفق الرواية المنشورة، سببًا في منع حبس نجله.
لكن هذه التفاصيل تظل في إطار ما نسبته المنصة إلى مصادرها، ولا يمكن التعامل معها بوصفها حقائق قضائية محسومة من دون مستندات أو بيانات رسمية تؤكدها.
الأزمة تنقلب على أصحاب المنشورات
المفارقة أن القضاة وأعضاء النيابة الذين انتقدوا طريقة التعامل مع الواقعة وجدوا أنفسهم، وفق ما نشرته «متصدقش»، أمام أزمة جديدة.
فبحسب مصدر قضائي تحدث إلى المنصة، طلب النائب العام في 20 أغسطس/آب ندب قاضٍ للتحقيق مع أكثر من 20 قاضيًا وعضو نيابة، بسبب ما كتبوه عن الواقعة على مواقع التواصل الاجتماعي وفي مجموعات مغلقة.
وبذلك أصبحت الأزمة تحمل وجهين متناقضين: قاضٍ يقول إنه تعرض للسب من موظف في مكتب النائب العام، وفي المقابل قضاة وأعضاء نيابة يواجهون تحقيقًا بسبب ردود أفعالهم وتعليقاتهم على القضية.
نادي القضاة يدخل على خط الأزمة
مع اتساع دائرة الغضب، دخل نادي القضاة على خط الأزمة في محاولة لاحتواء تداعياتها ومنع تحولها إلى صدام أوسع داخل الوسط القضائي.
وتحدثت الروايات المتداولة عن اتصالات ولقاءات هدفت إلى تهدئة الأجواء واحتواء الخلاف، خصوصًا بعدما بدأت الواقعة تتجاوز أطرافها الأصليين لتصل إلى عدد أكبر من القضاة وأعضاء النيابة.
وهكذا، تحولت مشادة بدأت في شارع شامبليون إلى أزمة أثارت أسئلة أكبر حول استقلال التحقيقات، وحدود النفوذ داخل مؤسسات العدالة، وما إذا كان انتماء أحد أطراف أي واقعة إلى دائرة قريبة من مسؤول قضائي يمكن أن يؤثر في مسار الإجراءات.
أسئلة أكبر من الواقعة
حتى الآن، تبقى بعض تفاصيل القصة محل روايات متداولة ومصادر صحفية غير مؤكدة رسميًا، بينما لا تتوافر في المصادر المفتوحة التي أمكن التحقق منها وثائق رسمية كافية تحسم جميع عناصرها.
لكن ما يجعل القضية لافتة ليس المشادة نفسها، بل ما تلاها من تداعيات، خصوصًا الحديث عن انتقال الخلاف من واقعة بين شخصين إلى صراع داخل الوسط القضائي، ثم فتح تحقيقات مع قضاة وأعضاء نيابة بسبب مواقفهم من القضية.
وبينما تتواصل محاولات احتواء الأزمة، يبقى السؤال الأهم: هل كانت «معركة الحيتان» مجرد خلاف قضائي تضخم داخل مجموعات التواصل، أم أنها كشفت عن توترات أعمق داخل مؤسسة يفترض أن تكون العدالة واستقلال إجراءاتها فوق أي نفوذ أو اعتبارات شخصية؟
اقرأ المزيد
24 وفاة للاجئين في احتجاز مصر.. تقرير حقوقي يكشف مصير الهاربين من الحرب
المقايضة الكبرى: قناة السويس مقابل الديون؟ هل وصلت أزمة مصر إلى الأصول السيادية؟
مخاوف متزايدة على بريطانية مصرية محتجزة في مصر.. ومحامون: اعتقالها للضغط على شقيقتها المعارضة للسيسي

