وطن-هربوا من الحروب بحثاً عن الأمان، وعبروا الحدود حاملين ما تبقى من أوراقهم وحكاياتهم، لكن بعضهم وجد نفسه في أماكن الاحتجاز بدلاً من مراكز الحماية، لتنتهي رحلة 24 شخصاً بالموت داخل أماكن احتجاز مصرية أو في سياق إجراءات التوقيف والنقل والاحتجاز تمهيداً للترحيل.
هذه الأرقام وردت في تقرير حقوقي أصدرته منصة اللاجئين في مصر تحت عنوان «موت تحت الحراسة»، ورصد حالات وفاة وقعت خلال الفترة الممتدة من ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى يوليو/تموز 2026. وتؤكد المنصة أن التقرير لا يمثل إحصاءً حكومياً، بل حصيلة حالات تمكن فريقها من توثيقها بالاعتماد على ملفات ووثائق رسمية ومحاضر شرطة وتقارير طبية وشرعية، إلى جانب شهادات أسر الضحايا وشهود وناجين من الاحتجاز.
24 وفاة خلف أبواب الاحتجاز
وفق التقرير، توفي 24 لاجئاً وطالب لجوء ومهاجراً داخل أماكن احتجاز، أو ارتبطت وفاتهم بإجراءات التوقيف والنقل والاحتجاز تمهيداً للترحيل.
ولا يعني ذلك، وفق المنصة، أن جميع الوفيات حدثت داخل المكان نفسه أو نتيجة سبب واحد، إذ تختلف الحالات والظروف من شخص إلى آخر، ولذلك شدد التقرير على ضرورة إجراء تحقيقات رسمية مستقلة لكشف ملابسات كل وفاة وتحديد المسؤوليات عند وجودها.
وتعود الحالات التي وثقها التقرير إلى فترة لا تتجاوز ثمانية أشهر، بدأت في ديسمبر 2025 وانتهت في يوليو 2026، فيما سجلت أول حالة وفاة في 20 ديسمبر 2025 وآخر حالة في 7 يوليو 2026، بحسب البيانات الواردة في التقرير.
ثلاثة أرباع الضحايا كانوا يحملون وثائق حماية
المفارقة الأكثر إثارة للقلق أن 18 شخصاً من أصل 24، أي 75% من إجمالي الضحايا، كانوا مسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين أو يحملون وثائق مرتبطة بإجراءات الحماية الدولية.
وتقول منصة اللاجئين في مصر إن هذه النسبة لا تثبت وحدها وجود علاقة سببية أو نمط تمييزي، لكنها تثير تساؤلات جدية حول مدى فعالية التحقق من الوضع القانوني للأشخاص أثناء عمليات التوقيف والاحتجاز، ومدى الاعتداد عملياً بالوثائق الصادرة في إطار إجراءات الحماية الدولية.
بمعنى آخر، لم يكن جميع من انتهت حياتهم خلف القضبان أشخاصاً بلا أوراق أو مجهولي الوضع القانوني، بل كان من بينهم أشخاص سبق أن دخلوا مسارات رسمية مرتبطة بالحماية الدولية.
السودانيون في صدارة الضحايا
كان المواطنون السودانيون الفئة الأكبر بين الحالات التي وثقها التقرير، إذ بلغ عددهم 16 شخصاً من أصل 24، أي نحو ثلثي الحالات المسجلة.
ويأتي ذلك في سياق موجات لجوء كبيرة من السودان إلى دول الجوار منذ اندلاع الحرب هناك، فيما تواجه أعداد من السودانيين في مصر تحديات تتعلق بالإقامة والوضع القانوني وإجراءات التوقيف والترحيل.
لكن التقرير لا يعتبر هذه الأرقام وحدها دليلاً على وجود سياسة تمييزية، بل يرى أنها تستوجب مزيداً من البحث والتحقيق، خصوصاً في ما يتعلق بكيفية التعامل مع وثائق الحماية الدولية والضمانات القانونية أثناء عمليات الاحتجاز.
من الشارع إلى الاحتجاز
ترسم المعطيات الواردة في التقرير صورة لمسار يبدأ أحياناً بالتوقيف وينتهي بالاحتجاز أو النقل تمهيداً للترحيل.
وبحسب شهادات ومعلومات رصدتها المنصة، شهدت الفترة نفسها حملات توقيف طالت لاجئين ومهاجرين، خصوصاً من السودانيين، وشملت عمليات تفتيش ومداهمات وأعمال ضبط في أماكن مختلفة.
وتقول المنصة إن بعض المحتجزين كانوا مسجلين لدى المفوضية أو يحملون وثائق مرتبطة بالحماية، الأمر الذي يجعل مسألة التحقق من الوضع القانوني قبل اتخاذ إجراءات الترحيل ذات أهمية خاصة.
ظروف احتجاز تثير المخاوف
لم يقتصر التقرير على توثيق الوفيات، بل رصد أيضاً مؤشرات متكررة مرتبطة بظروف الاحتجاز. ومن بين هذه المؤشرات تأخر الرعاية الطبية أو عدم كفايتها، والاكتظاظ، وضعف التهوية، وعدم ملاءمة بعض أماكن الاحتجاز للحالات الصحية القائمة أو الطارئة.
كما تضمن التقرير حالات شملت أطفالاً ونساء وكباراً في السن وأشخاصاً يعانون أمراضاً مزمنة، إضافة إلى شهادات ومؤشرات تتحدث عن سوء معاملة أو تعذيب في بعض الوقائع.
لكن المنصة شددت على أنها لا تفصل في المسؤولية الجنائية عن الوفيات، بل تعرض الوقائع والوثائق والشهادات التي تمكن فريقها من جمعها والتحقق منها، وتطالب بفتح تحقيقات رسمية مستقلة وشفافة.
أين وقعت الوفيات؟
أظهر التقرير تركّزاً نسبياً لبعض الحالات في أماكن احتجاز محددة. وسجل قسم شرطة عين شمس أربع حالات وفاة، بينما سجل قسم شرطة ثالث مدينة نصر ثلاث حالات خلال الفترة التي يغطيها التقرير.
ومع ذلك، تحذر منصة اللاجئين في مصر من اعتبار هذه الأرقام وحدها دليلاً على مسؤولية مباشرة أو خلل بنيوي في هذه المرافق، في ظل عدم توفر بيانات كاملة حول أعداد المحتجزين ومعدلات الوفيات وظروف الاحتجاز.
لكنها تعتبر هذا التركّز مؤشراً جدياً يستدعي مراجعة مستقلة وفورية لظروف الاحتجاز والرعاية الطبية وسجلات الوفيات.
حالات وفاة تحتاج إلى تحقيق
تقول منصة اللاجئين في مصر إن بعض الحالات التي وثقتها تثير أسئلة حول أسباب الوفاة والظروف التي سبقتها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص كانت لديهم مشكلات صحية أو احتاجوا إلى رعاية طبية.
ولهذا طالبت المنصة النيابة العامة بفتح أو استكمال تحقيقات مستقلة وفعالة في جميع الحالات، مع ضمان حصول أسر الضحايا ومحاميهم على تقارير الطب الشرعي ونتائج التحقيقات.
كما دعت إلى تحسين ظروف الاحتجاز، وضمان إجراء الفحوص الطبية عند التوقيف، ونقل الحالات التي تحتاج إلى علاج عاجل إلى المستشفيات دون تأخير.
لاجئون بين الخوف من الحرب والخوف من الترحيل
بالنسبة إلى كثير من اللاجئين، لا تنتهي المخاطر بمجرد عبور الحدود والهروب من الحرب.
فالشخص الذي غادر بلده بسبب النزاع قد يجد نفسه أمام تحديات جديدة تتعلق بالإقامة أو الوثائق أو إجراءات التوقيف والترحيل، وقد يصبح فقدان الحرية مرحلة جديدة من رحلة البحث عن الأمان.
وتزداد حساسية الوضع عندما يكون المحتجز مسجلاً لدى جهة دولية معنية باللاجئين أو يحمل وثيقة مرتبطة بالحماية الدولية، لأن التحقق من وضعه القانوني يصبح جزءاً أساسياً من أي إجراء تتخذه السلطات بحقه.
مطالب بوقف الاحتجاز الإداري وتحسين الرعاية
إلى جانب الدعوة إلى التحقيق في الوفيات، طالبت منصة اللاجئين في مصر وزارة الداخلية بوقف حملات التوقيف والاحتجاز الإداري التي تستهدف غير المصريين واللاجئين، وضمان الفحص الطبي عند الاحتجاز وتوفير الرعاية العاجلة.
كما دعت إلى تحسين الظروف المادية داخل أماكن الاحتجاز، وتوفير حماية خاصة للأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص الذين يعانون أمراضاً مزمنة أو إعاقات.
وكانت المنصة قد قدمت في يوليو 2026 مذكرة إلى المجلس القومي لحقوق الإنسان بشأن عدد من حالات الوفاة، وما ارتبط بها من مؤشرات على الاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة وتدهور الرعاية الصحية وظروف الاحتجاز غير الملائمة.
وبحسب المنصة، أفاد المجلس في أغسطس بأنه خاطب النيابة العامة رسمياً بشأن الوقائع المعروضة، بينما لم تكن معلومات كافية قد توفرت حتى إعداد التقرير حول مسار أو نتائج التحقيقات في عدد من الحالات.
الرقم ليس نهاية القصة
تبقى 24 وفاة هي الحالات التي تمكن التقرير من توثيقها خلال الفترة المحددة، وليس بالضرورة حصيلة جميع الوفيات التي يمكن أن تكون قد وقعت في سياق احتجاز اللاجئين والمهاجرين خلال الفترة نفسها.
ولهذا فإن أهمية التقرير لا تكمن في الرقم وحده، بل في الأسئلة التي يطرحها حول ظروف الاحتجاز، والرعاية الطبية، والتحقق من الوضع القانوني للمحتجزين، وآليات التحقيق في الوفيات.
فالمنصة نفسها تؤكد أن التقرير لا يفصل في المسؤولية الجنائية عن أي حالة، وإنما يطالب بالتحقيق لكشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات القانونية عند الاقتضاء.
24 حياة.. وأسئلة مفتوحة
24 شخصاً انتهت حياتهم خلال أقل من ثمانية أشهر في ظروف ارتبطت بالاحتجاز أو بالتوقيف والنقل تمهيداً للترحيل.
من بينهم 16 سودانياً، و18 شخصاً كانوا مسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أو يحملون وثائق مرتبطة بالحماية الدولية.
وبينما تظل أسباب الوفاة وتفاصيل كل حالة مختلفة، يضع التقرير السلطات المصرية أمام أسئلة تتعلق بواجب الرعاية، وظروف الاحتجاز، وضمانات الحماية القانونية، وحق أسر الضحايا في معرفة الحقيقة.
فمن فرّوا من الحروب لم يبحثوا عن حياة مثالية، بل عن مكان آمن للبقاء على قيد الحياة.
لكن، وفق ما يوثقه التقرير الحقوقي، وجد بعضهم أنفسهم في نهاية الطريق خلف أبواب الاحتجاز، حيث تحولت رحلة البحث عن الأمان إلى مأساة انتهت بالموت.
اقرأ المزيد
الخديوي عبد الفتاح.. هل تبيع مصر ضرائب المستقبل لسداد ديون الحاضر؟
حملة “120 مليون جندي مصري”.. دعم للجيش أم هروب من الأسئلة حول مسيّرة دمياط؟
“لم أعد أستطيع أن أحيا حياة كريمة”.. هروب مصارعين مصريين يفتح ملف معاناة الرياضيين
حملة إلكترونية ضد مستشفى بهية.. كيف تحولت معاناة سودانيات مصابات بالسرطان إلى جدل حول اللاجئين؟
من أستاذ فيزياء إلى بائع خضار.. قصة «العم حسن» تكشف مأساة كفاءات السودان

