وطن-تحولت معاناة مريضات سودانيات مصابات بالسرطان في مصر إلى محور حملة إلكترونية استهدفت مستشفى بهية لعلاج سرطان الثدي، بعد إعلان المؤسسة عن شراكة مع السفارة السودانية في القاهرة، في واقعة أعادت إلى الواجهة الجدل حول علاج اللاجئين والخدمات الصحية، وسط انتقادات واسعة لما اعتبره متابعون خلطاً بين أزمة الخدمات الطبية والخلافات المتعلقة بالهجرة واللجوء.
حملة إلكترونية تبدأ من مواقع التواصل
بدأت الحملة عبر منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما منصة إكس، حيث ظهرت خلال ساعات دعوات إلى وقف التبرعات لمستشفى بهية، وتصدرت وسوم من بينها «لا تبرعات لبهية السودانية» و«أوقفوا التبرع لبهية».
وسرعان ما توسعت الحملة لتشمل حسابات وصفحات أخرى، مع إعادة تداول منشورات تربط بين استقبال مريضات سودانيات للعلاج وبين حصول المصريات على الخدمات الطبية، وهو ما نقل النقاش من تفاصيل الشراكة الطبية والتمويل إلى قضية أوسع تتعلق باللاجئين في مصر.
وبحسب بيانات الرصد المتداولة، جرى خلال يومين تسجيل أكثر من 330 منشوراً مرتبطاً بالحملة، حققت أكثر من 1200 تفاعل، مع وصول محتمل إلى نحو 196 ألف حساب.
من علاج السرطان إلى خطاب ضد اللاجئين
لم تبقِ الحملة النقاش في إطار الخدمات الصحية، إذ انتقلت رسائلها إلى فيسبوك ومنصات أخرى، وبدأ تداول رواية مفادها أن السودانيات يحصلن على علاج على حساب المصريات، وأن التبرعات المقدمة للمؤسسة تُستخدم لعلاج اللاجئات.
وأدى ذلك إلى إعادة إحياء وسوم ومنشورات قديمة تنتقد وجود اللاجئين في مصر وتطالب بترحيلهم أو الحد من حصولهم على بعض الخدمات.
وهكذا، تحولت قضية مرتبطة بعلاج مريضات بالسرطان إلى سجال أوسع حول اللاجئين، بدلاً من التركيز على آليات التمويل التي تحكم استقبال المرضى غير المصريين داخل المؤسسة الطبية.
مستشفى بهية يوضح آلية تمويل العلاج
في مواجهة الحملة، أصدر مستشفى بهية توضيحاً أكد فيه أن التبرعات التي يقدمها المصريون مخصصة لعلاج المريضات المصريات، بينما يتم علاج غير المصريات من خلال جهات أخرى تتحمل تكاليف الرعاية الطبية.
ويهدف هذا التوضيح إلى الفصل بين التبرعات التي يقدمها الجمهور المصري للمؤسسة وبين الحالات التي تستقبلها في إطار شراكات أو ترتيبات تمويلية مع جهات خارجية.
لكن البيان لم يضع حداً فورياً للجدل، إذ استمرت بعض الحسابات في إعادة نشر المطالبات بمقاطعة المستشفى، بالتزامن مع استمرار النقاش حول علاقة المؤسسة بالسفارة السودانية.
مريضات السرطان في قلب الجدل
وسط هذا السجال الرقمي، غابت في كثير من المنشورات الصورة الأساسية للقضية: الحديث يتعلق بمريضات مصابات بالسرطان ويحتجن إلى العلاج. فالمريضة التي تواجه مرضاً خطيراً تدخل المستشفى بوصفها مريضة تحتاج إلى رعاية طبية، وليس بوصفها طرفاً في نقاش سياسي حول الهجرة أو اللجوء.
ويثير تحويل مريضات السرطان إلى مادة للصراع الإلكتروني تساؤلات حول حدود الخطاب المستخدم على مواقع التواصل، خصوصاً عندما يتحول النقاش من السياسات الصحية والتمويل إلى استهداف أشخاص بسبب جنسيتهم.
هل المشكلة في اللاجئ أم في أزمة الخدمات؟
يرى منتقدو الحملة أن أزمة الخدمات الصحية، إذا كانت موجودة، يجب أن تُناقش من خلال أسبابها الحقيقية، سواء تعلقت بنقص التمويل أو زيادة أعداد المرضى أو ضعف البنية الصحية، بدلاً من تحميل المريض مسؤولية مشكلات أكبر منه.
فالمريض لا يحدد سياسات المستشفيات، ولا يضع ميزانيات الصحة، ولا يتحكم في حجم الموارد المتاحة، كما أن مريضة السرطان لا يمكن اعتبارها منافساً لمريضة أخرى لمجرد اختلاف الجنسية.
وتزداد حساسية المسألة عندما يتعلق الأمر بمرض خطير يحتاج إلى علاج منتظم ومتخصص، إذ إن تأخير الرعاية الطبية قد تكون له نتائج بالغة الخطورة على حياة المريض.
العلاج يتجاوز سؤال الجنسية
تطرح الواقعة أيضاً سؤالاً أوسع حول طبيعة الرعاية الصحية في أوقات الأزمات الإنسانية. فالحروب والنزاعات تدفع ملايين الأشخاص إلى مغادرة بلدانهم، ويصل كثير منهم إلى دول أخرى وهم يحملون احتياجات صحية لا تختفي بمجرد عبور الحدود.
وفي المقابل، فإن المواطنين المصريين الذين يسافرون أو يقيمون في دول أخرى قد يحتاجون هم أيضاً إلى الرعاية الطبية، وغالباً ما يتلقون العلاج وفق الأنظمة والقواعد الصحية المعمول بها في تلك الدول.
ومن هذا المنظور، فإن القضية الأساسية يجب أن تكون كيفية ضمان حصول المرضى على الرعاية، وكيفية تمويلها، ومن يتحمل تكلفتها، وليس جنسية المريض وحدها.
حملة رقمية تكشف مشكلة أوسع
تكشف الحملة ضد مستشفى بهية جانباً آخر من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل النقاش العام.
فمنشور واحد يمكن أن ينتقل سريعاً من قضية محددة إلى خطاب عام، ثم يعاد استخدامه ضمن حملات سابقة مرتبطة بالهجرة واللاجئين، ما يجعل من الصعب أحياناً الفصل بين المعلومات الموثقة والمواقف السياسية أو العاطفية.
وفي هذه الحالة، بدأ النقاش من شراكة بين مؤسسة طبية والسفارة السودانية، لكنه اتسع سريعاً ليصبح نقاشاً حول اللاجئين والخدمات التي يحصلون عليها في مصر.
مواجهة أزمة الصحة لا تبدأ باستهداف المرضى
وفي النهاية، فإن أي نقاش جاد حول الضغط الذي تواجهه المنظومة الصحية المصرية يجب أن يركز على أسباب نقص الخدمات والتمويل والقدرة الاستيعابية للمستشفيات، وعلى مسؤولية الجهات المعنية عن معالجة هذه التحديات.
أما تحويل مريضة مصابة بالسرطان إلى خصم بسبب جنسيتها، فلا يعالج نقص الخدمات ولا يزيد قدرة المستشفيات على استقبال المرضى.
وبينما تتواصل الحملة الإلكترونية ضد مستشفى بهية، تبقى القضية الإنسانية الأساسية واضحة: مريضة السرطان تحتاج إلى العلاج أولاً، أما مسائل التمويل والسياسات الصحية واللجوء، فلها نقاشها وقواعدها التي يجب أن تُبحث بعيداً عن سرير المريض ومعاناته.
اقرأ المزيد
«داون» تطالب بحظر فوري للسلاح على الإمارات بسبب حرب السودان واتهامات دعم قوات الدعم السريع
حملة إعلانية في لندن تتهم الإمارات بإشعال حرب السودان وتدعو لمقاطعة سياحتها

