وطن-لم تكن الحرب على إيران، وفق ما كشفه الإعلام الإسرائيلي، تستهدف المنشآت العسكرية والنووية فقط، بل تضمنت في مرحلة من مراحل التخطيط تصوراً أكثر طموحاً يتمثل في محاولة إحداث تغيير داخل النظام الإيراني وإسقاطه من الداخل.
وبحسب تقرير بثته القناة 13 الإسرائيلية، طرحت إسرائيل خطة سرية حملت اسماً مشفراً هو «القط ذو الحذاء»، تضمنت تنفيذ هجمات في المناطق الكردية داخل إيران، وفتح ممر أمام آلاف المقاتلين الأكراد للتوغل في الأراضي الإيرانية، بالتزامن مع محاولة إشعال احتجاجات داخلية واسعة.
لكن الخطة، وفق الرواية الإسرائيلية، اصطدمت برفض أمريكي ارتبط جزئياً بموقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى جانب ضغوط داخل الإدارة الأمريكية، ما أدى في النهاية إلى وقف المسار البري وإجبار إسرائيل على الانتقال إلى خطة بديلة.
خطة تتجاوز الضربات الجوية
تشير التفاصيل التي أوردها التقرير الإسرائيلي إلى أن الخطة لم تكن تستهدف توجيه ضربات عسكرية لإيران فحسب، وإنما كانت تسعى إلى استغلال حالة الاضطراب الداخلي في البلاد لإحداث تغيير سياسي واسع.
وبحسب التقرير، كانت الفكرة تقوم على استهداف مناطق كردية داخل إيران، بما يسمح بفتح طريق أمام آلاف المقاتلين الأكراد للعبور إلى الأراضي الإيرانية، بالتزامن مع محاولة تحريك احتجاجات شعبية ضد النظام.
وكان الهدف النهائي، وفق هذه الرواية، يتجاوز إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية إلى إسقاط النظام في طهران.
دور رئيس الموساد
ونسب التقرير إلى رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي دافيد برنياع اعتقاده بأن إسقاط النظام الإيراني يمكن أن يكون هدفاً قابلاً للتحقيق في حال توافرت الظروف المناسبة. ولم تتوقف التصورات الإسرائيلية، بحسب التقرير، عند كيفية إسقاط النظام، بل امتدت إلى من يمكن أن يتولى السلطة في إيران في حال حدوث تغيير سياسي كبير.
وفي هذا السياق، طُرح اسم الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد ضمن الأسماء التي جرى تداولها في النقاشات المتعلقة بالمرحلة التي يمكن أن تلي سقوط النظام، وفق ما أورده الإعلام الإسرائيلي.
واشنطن تقول: لا
لكن الخطة واجهت عقبة أساسية عندما رفضت الولايات المتحدة السماح باستمرار المسار الكردي داخل الأراضي الإيرانية. وبحسب التقرير الإسرائيلي، صدرت بعد أيام من بدء الحملة العسكرية تعليمات أمريكية بوقف دخول القوات الكردية إلى إيران، الأمر الذي شكل ضربة كبيرة للخطة التي كانت تراهن على الجمع بين العمليات العسكرية الخارجية والاضطرابات الداخلية. وهنا برز العامل التركي بقوة.
كيف دخل أردوغان على خط الخطة؟
يربط التقرير الإسرائيلي بين القرار الأمريكي وبين موقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي عارض، وفق الرواية نفسها، تنفيذ عملية من شأنها فتح جبهة كردية واسعة داخل إيران.
وتنظر أنقرة بحساسية شديدة إلى أي تطورات عسكرية أو سياسية يمكن أن تؤدي إلى تعزيز الحركات الكردية في المنطقة، نظراً لانعكاسات ذلك المباشرة على الأمن القومي التركي.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، كان موقف أردوغان أحد العوامل التي دفعت واشنطن إلى إعادة حساباتها بشأن الخطة، إلى جانب تحركات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس داخل الإدارة.
وبذلك لم يعد الأمر مجرد خلاف بين إسرائيل وإيران، بل تحول إلى مسألة تتداخل فيها حسابات إسرائيل وتركيا والولايات المتحدة في وقت واحد.
فانس يعارض توسيع الحرب
لم يكن الموقف الأمريكي موحداً تماماً بشأن توسيع الحرب وأهدافها. فبحسب المعطيات التي أوردها التقرير، لعب نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس دوراً في الضغط باتجاه عدم الانجرار إلى مسار يمكن أن يحول العمليات العسكرية إلى مشروع واسع لتغيير النظام الإيراني.
وتكشف هذه التطورات عن خلاف أعمق داخل المعسكر الأمريكي بشأن حدود الحرب، وما إذا كان الهدف يجب أن يقتصر على ضرب القدرات العسكرية الإيرانية أم يمتد إلى محاولة إسقاط النظام السياسي في طهران.
إسرائيل تبحث عن خطة بديلة
بعد تعثر الخطة الأصلية، اضطر جهاز الموساد، وفق التقرير الإسرائيلي، إلى تقديم تصور بديل. لكن المفارقة أن مسؤولين أمنيين إسرائيليين اعتبروا الخطة البديلة أضعف من الخطة الأولى، ولم تتمكن في النهاية من تحقيق الهدف المعلن المتمثل في إحداث تغيير سياسي داخل إيران.
وهكذا تحولت الخطة التي كان يُفترض أن تفتح الباب أمام تدخل بري واضطرابات داخلية إلى مشروع متعثر بسبب الاعتراضات الأمريكية والحسابات الإقليمية.
لماذا عارضت تركيا الخطة؟
تكمن أهمية الموقف التركي في أن أي عملية عسكرية واسعة في المناطق الكردية الإيرانية يمكن أن تكون لها تداعيات تتجاوز حدود إيران.
فتركيا، التي تواجه منذ عقود تحديات مرتبطة بالملف الكردي، تنظر بحذر إلى أي محاولة لتوسيع الدور العسكري والسياسي للفصائل الكردية في المنطقة.
ومن هذا المنطلق، فإن السماح بفتح ممر عسكري واسع للمقاتلين الأكراد داخل إيران كان يمكن أن يخلق واقعاً جديداً يصعب احتواؤه إقليمياً، وهو ما يفسر حساسية أنقرة تجاه مثل هذه الخطط.
صراع داخل المعسكر نفسه
تكشف هذه القصة، إذا صحت تفاصيلها كما أوردها الإعلام الإسرائيلي، أن الحرب على إيران لم تكن مجرد مواجهة بين تل أبيب وطهران. فحتى داخل المعسكر الذي دعم العمليات العسكرية ضد إيران، ظهرت حسابات مختلفة بشأن مستقبل الحرب وأهدافها.
إسرائيل أرادت، وفق الرواية الإسرائيلية، الانتقال من استهداف القدرات العسكرية الإيرانية إلى محاولة تغيير النظام من الداخل. أما واشنطن فبدت أكثر حذراً تجاه فتح جبهة برية واسعة أو السماح بعملية يمكن أن تؤدي إلى انهيار النظام الإيراني وما قد يترتب على ذلك من فوضى إقليمية.
وفي المقابل، كانت تركيا تنظر إلى الخطة من زاوية أمنها القومي، خصوصاً ما يتعلق بتداعيات أي توسع عسكري للفصائل الكردية.
من يملك قرار الحرب؟
القصة تطرح سؤالاً أكبر من تفاصيل الخطة نفسها: من يملك فعلاً قرار الحرب ومستقبلها؟ فحتى عندما تتوافق إسرائيل والولايات المتحدة على مواجهة إيران عسكرياً، لا يعني ذلك بالضرورة توافقهما على أهداف الحرب أو نهايتها.
وقد يكون الفرق بين ضرب دولة عسكرياً ومحاولة إسقاط نظامها فرقاً هائلاً في الكلفة والنتائج.
فالضربات الجوية يمكن أن تستهدف منشآت محددة، بينما تغيير النظام يتطلب التعامل مع مرحلة ما بعد سقوط السلطة، ومن يملأ الفراغ، وكيف يمكن منع تفكك الدولة أو اندلاع حرب أهلية أو توسع الصراع إلى دول الجوار.
أردوغان يعيد رسم الحسابات
وفق الرواية التي كشفها الإعلام الإسرائيلي، لم يكن أردوغان طرفاً مباشراً في الحرب، لكنه تمكن من التأثير في أحد أكثر المسارات حساسية فيها عبر موقفه الرافض لتوسيع الدور الكردي داخل إيران.
ومع تدخل واشنطن وإعادة تقييمها للخطة، تعطلت العملية التي كانت تراهن عليها إسرائيل لتحقيق تغيير سياسي داخل إيران.
وفي النهاية، تكشف هذه التطورات أن الحرب لم تكن تدور فقط فوق الأراضي الإيرانية، وإنما أيضاً داخل غرف صنع القرار في واشنطن وأنقرة وتل أبيب.
فإسرائيل أرادت تحويل الضربات العسكرية إلى مشروع لتغيير النظام، وتركيا رفضت مساراً يمكن أن يعزز الحركات الكردية، بينما فضلت واشنطن، وفق الرواية الإسرائيلية، عدم الذهاب إلى أبعد نقطة في هذه المواجهة.
وبين هذه الحسابات المتعارضة، أُجهضت الخطة الأصلية، وبقي السؤال مفتوحاً: هل كانت إسرائيل قادرة فعلاً على إسقاط النظام الإيراني لو حصلت على الضوء الأخضر الأمريكي، أم أن تغيير نظام بحجم إيران كان سيقود إلى حرب أكبر بكثير من تلك التي أرادت تل أبيب حسمها؟
قد يعجبك
اتفاق مكة يوسّع نفوذ تركيا الإقليمي ويضعها أمام مخاطر أمنية متزايدة
من “جار مزعج” إلى “خطر وجودي”.. زلزال التحالفات يعيد تشكيل النظرة الإسرائيلية لتركيا

