وطن-تحاول مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، استعادة شيء من حياتها الطبيعية بعد تراجع الحصار الذي فرضته قوات الدعم السريع عليها لسنوات، لكن الهدوء الذي عاد إلى شوارعها لا يزال هشاً، إذ بقيت المسيّرات مصدر تهديد دائم لسكان المدينة، في وقت تحولت فيه كردفان إلى واحدة من أهم ساحات المواجهة في الحرب السودانية.
صباح هادئ لا يدوم
في صباح 12 أغسطس، بدا المشهد في الأبيض هادئاً بصورة يصعب تصديقها في مدينة عاشت سنوات الحرب تحت الحصار والتهديد. أطفال يتجهون إلى مدارسهم، وباعة يعرضون الفاكهة في الأسواق، وحافلات تتحرك بين الشوارع، فيما جلس السكان لاحتساء الشاي والقهوة قبل بدء يوم العمل.
كان ذلك الهدوء يعكس تفاؤلاً حذراً بدأ يتشكل بعد تمكن القوات المسلحة السودانية من تخفيف الحصار المفروض على المدينة، بالتزامن مع بداية موسم الأمطار وتحسن نسبي في بعض إمدادات الغذاء والمياه.
لكن المشهد لم يستمر طويلاً. فجأة، ارتفعت أصوات في الشوارع، وبدأ السكان يشيرون إلى السماء، بعدما ظهرت مسيّرات تابعة لقوات الدعم السريع، بحسب رواية «ميدل إيست آي». وعادت معها حالة الخوف التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية لسكان الأبيض.
الدفاعات الجوية في مواجهة المسيّرات
ووفق تقرير الصحيفة من داخل المدينة، دوّت أصوات الدفاعات الجوية التابعة للجيش السوداني بقوة، فيما شاهد مراسلها إسقاط ما لا يقل عن أربع مسيّرات.
وسط ذلك المشهد، أصيبت شابة سودانية بشظية، ونُقلت إلى المستشفى لتلقي العلاج، في تذكير بأن الخطر لا يقتصر على الأهداف العسكرية، بل يمكن أن يصل إلى المدنيين في أي لحظة.
وجاء الهجوم، وفق الصحيفة، بعد خسائر تعرضت لها قوات الدعم السريع في مدينة بارا، الواقعة على بعد نحو 60 كيلومتراً شمال الأبيض، وفي مناطق أخرى من شمال كردفان.
«لن نغادر المدينة»
بالنسبة إلى سكان الأبيض، لم تعد هجمات المسيّرات حدثاً استثنائياً. وقال سائق سيارة أجرة يدعى أحمد المرضي للصحيفة إن السكان تكيفوا مع الهجمات المتقطعة، مؤكداً تمسكه بالبقاء في المدينة مهما كانت الظروف.
ويختصر هذا الموقف حالة شريحة واسعة من السكان الذين وجدوا أنفسهم أمام خيار صعب: مغادرة المدينة بحثاً عن الأمان، أو البقاء فيها ومحاولة مواصلة الحياة رغم الخطر.
وتحمل شوارع الأبيض آثار سنوات القتال؛ من الحفر التي خلفتها الضربات إلى الأضرار التي طالت منشآت النفط والكهرباء، فضلاً عن مرافق صحية وأسواق ومنازل تعرضت للقصف.
ومع ذلك، تواصل المدينة أداء دورها كمركز سكاني وتجاري رئيسي في المنطقة، فيما تشير تقديرات التقرير إلى أن نحو مليون شخص يعيشون فيها، بينهم سكان أصليون ونازحون فروا من مناطق أخرى بسبب الحرب.
مدينة تستقبل النازحين رغم الحرب
لم تكن الأبيض مجرد مدينة محاصرة، بل تحولت أيضاً إلى ملاذ لعدد كبير من الفارين من القتال في كردفان ودارفور والمناطق المحيطة.
وفي المقابل، غادر مئات الآلاف من سكانها خلال سنوات الحرب، لتصبح المدينة أمام حركة نزوح مزدوجة: سكان يرحلون بحثاً عن الأمان، ونازحون آخرون يصلون إليها هرباً من جبهات أكثر خطورة.
ورغم هذا الاستنزاف، لا تزال الأسواق مفتوحة، وتواصل بعض المدارس والجامعات نشاطها، كما تستمر المناسبات الاجتماعية وحفلات الزواج، في مشهد قد يوحي بأن الحياة عادت إلى طبيعتها. لكن وراء هذه الصورة، تبقى مظاهر العسكرة حاضرة بقوة.
مدينة تحت السلاح
يقول ناشط محلي، تحدث للصحيفة من دون الكشف عن هويته لأسباب أمنية، إن الأبيض تشهد انتشاراً واسعاً للقوات المسلحة السودانية، إلى جانب مقاتلين من الحركات الدارفورية السابقة المنضوية في القوات المشتركة، فضلاً عن عناصر من المقاومة الشعبية.
وأضاف أن وجود هذا العدد الكبير من العناصر المسلحة داخل المدينة يطرح تحديات أمنية وتنظيمية، محذراً من أن غياب التنسيق قد يؤدي إلى عواقب خطيرة.
وتكشف هذه المعطيات أن تراجع الحصار لا يعني انتهاء الحرب بالنسبة إلى الأبيض، بل انتقالها إلى مرحلة مختلفة، يصبح فيها الخطر الجوي جزءاً من معادلة أمنية أكثر تعقيداً.
الأبيض.. مفتاح كردفان
تكتسب الأبيض أهمية تتجاوز حجمها السكاني، فهي تقع في موقع استراتيجي يربط مناطق واسعة من السودان، وتعد إحدى أهم نقاط العبور بين كردفان والخرطوم ودارفور.
وتحيط بالمدينة نقاط تفتيش ومتاريس من عدة جهات، فيما أصبح الطريق المؤدي إلى الخرطوم عبر ولاية النيل الأبيض من أهم المسارات التي يعتمد عليها السكان والتجارة.
وتبعد الأبيض أكثر من 700 كيلومتر عن الخرطوم، بينما تستغرق الرحلة البرية بين المدينتين نحو عشر ساعات في الظروف الطبيعية.
ولهذا يسعى الجيش السوداني إلى تأمين وإعادة فتح ما يعرف بـ«طريق الصادرات»، وهو الطريق الذي كان يمثل شرياناً تجارياً رئيسياً للمنطقة، خصوصاً لنقل الصمغ العربي والمنتجات الزراعية.
بارا تغيّر المعادلة
وفي يوليو، أعلن الجيش السوداني استعادة مدينة بارا ومناطق أخرى على امتداد هذا الطريق، في تطور اعتبرته مصادر عسكرية تحدثت إلى «ميدل إيست آي» نقطة تحول في المعركة حول الأبيض.
وبحسب مصدر عسكري في المدينة، فإن السيطرة على بارا سمحت للجيش بتخفيف الحصار وفتح الطريق أمام وصول المزيد من الإمدادات.
لكن قوات الدعم السريع شنت هجمات مضادة في محاولة لاستعادة مواقع فقدتها، فيما تبادل الطرفان الاتهامات بشأن حجم الخسائر والسيطرة على مناطق في شمال كردفان.
وتزامن التصعيد البري مع زيادة استخدام المسيّرات ضد الأبيض، ما جعل المدينة أمام تهديد مزدوج: معارك على الأرض وهجمات من الجو.
معركة على طريق دارفور
وتعتبر الأبيض أكبر مدينة مهمة في غرب السودان لا تزال تحت سيطرة الجيش السوداني، في حين تسيطر قوات الدعم السريع على معظم إقليم دارفور. ومن هنا تتحول المدينة إلى حلقة أساسية في الصراع على خطوط الإمداد بين وسط السودان وغربه.
ويقول مصدر عسكري تحدث للصحيفة إن الجيش يسعى إلى التقدم من شمال كردفان باتجاه مناطق في غرب كردفان، بينها النهود ومزروب والكوي وبابنوسة، معتبراً أن السيطرة عليها قد تفتح الطريق باتجاه دارفور.
لكن هذه الرواية تعكس موقف المصدر العسكري ولا تمثل، بحد ذاتها، تأكيداً مستقلاً على ميزان القوى الميداني أو على إمكانية تنفيذ هذه التحركات خلال موسم الأمطار.
كردفان.. الجبهة التي قد تحسم الحرب
ويرى خبير عسكري سوداني متقاعد تحدث إلى الصحيفة أن كردفان أصبحت إحدى المناطق الأكثر حساسية في الحرب، بسبب موقعها الجغرافي وشبكة الطرق التي تربط الخرطوم بدارفور.
وبحسب تقديره، يسعى الجيش إلى توسيع نطاق سيطرته غرباً والاقتراب من مناطق نفوذ الدعم السريع، بينما تحاول الأخيرة الحفاظ على قدرتها على تهديد الأبيض وطرق الإمداد المرتبطة بها.
وتبرز أهمية كردفان أيضاً في كونها ساحة يمكن أن تؤثر السيطرة عليها في حركة السلاح والمقاتلين بين وسط السودان وغربه.
ولهذا، فإن المعركة حول الأبيض لا تتعلق بمدينة واحدة فقط، بل ترتبط بمستقبل خطوط الإمداد ومسارات الحرب بأكملها.
حياة معلقة بين الأمل والخوف
في الأبيض، تبدو المفارقة واضحة: المدارس تفتح أبوابها، والأسواق تستقبل الزبائن، وحفلات الزواج تستمر، بينما تظل العيون معلقة بالسماء تحسباً لمسيّرة جديدة.
لقد خفّ الحصار، لكن الحرب لم تغادر المدينة، فكل تحسن ميداني يفتح نافذة صغيرة أمام السكان لاستعادة حياتهم، وكل هجوم جديد يعيدهم إلى واقع الخوف. وبين الاثنين، تحاول الأبيض الصمود في قلب معركة أكبر من حدودها، بعدما أصبحت كردفان واحدة من المفاتيح الرئيسية للصراع على مستقبل السودان.
اقرأ المزيد
تحقيق يكشف اتصالات سرية بين إسرائيل وقيادات في “الدعم السريع” خلال حرب السودان
مدنيو بارا في كردفان يُدفعون إلى جبهات القتال وسط تصاعد الحرب في السودان
بارا السودانية بعد انسحاب الدعم السريع.. مدينة الليمون تتحول إلى معقل لرائحة الجثث
زلزال داخل قوات حميدتي.. انشقاق 280 مقاتلاً إلى الجيش السوداني يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحرب

