وطن-تتجه بريطانيا إلى توسيع نطاق إجراءاتها ضد المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة، عبر حزمة عقوبات تستهدف للمرة الأولى، وبصورة أكثر شمولاً، شبكات التجارة والتمويل والخدمات التي تساعد على استمرار النشاط الاستيطاني وتوسعه.
وأعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أمام البرلمان عن إجراءات وصفها بأنها الأقوى التي اتخذتها لندن حتى الآن ضد المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مؤكداً أن العقوبات لن تقتصر على السلع، بل ستمتد إلى شركات وأفراد يقدمون خدمات أو تمويلاً مرتبطاً بتوسيع المستوطنات.
حظر بضائع المستوطنات
في قلب الإجراءات الجديدة يأتي قرار بريطانيا منع استيراد السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في خطوة تهدف إلى رفع تكلفة النشاط الاقتصادي المرتبط بها.
وقال ميليباند إن الحكومة ستتحرك أيضاً ضد الشركات والأفراد الذين يقدمون خدمات تساعد على توسيع المستوطنات، بما يشمل قطاعات البناء والتمويل والخدمات المهنية، محذراً الجهات المعنية من مواجهة العقوبات البريطانية.
كما أعلنت لندن قيوداً إضافية على بعض الأنشطة المرتبطة بالمستوطنات، من بينها منع الترويج والإعلان عنها داخل المملكة المتحدة.
الأسلحة في دائرة العقوبات
ولا تقف الإجراءات عند الاقتصاد الاستيطاني، إذ أعلن ميليباند أيضاً عن استمرار تعليق أكثر من 30 ترخيصاً لتصدير معدات يمكن أن تستخدمها إسرائيل في غزة، إلى جانب تشديد القيود على تراخيص الأسلحة والصادرات الأخرى التي ترى الحكومة البريطانية أنها يمكن أن تسهم بصورة مباشرة في دعم الاحتلال.
ووصفت الحكومة هذه السياسة بأنها نوع من «القفل المزدوج» على مبيعات الأسلحة، مؤكدة أن القيود ستظل قائمة ما دامت الظروف التي دفعت إلى فرضها مستمرة.
وفي المقابل، شددت الحكومة البريطانية على أن الإجراءات المتعلقة بالمستوطنات لا تعني قطع العلاقات التجارية أو الأمنية والعسكرية الأوسع مع إسرائيل.
خطوة تتجاوز العقوبات الفردية
تكمن أهمية الحزمة الجديدة في أنها تختلف عن النهج الذي اتبعته الحكومات البريطانية السابقة خلال السنوات الماضية. فقد ركزت لندن بصورة أساسية على فرض عقوبات فردية على مستوطنين متهمين بارتكاب أعمال عنف ضد الفلسطينيين.
أما الإجراءات الجديدة فتتجه إلى البنية الاقتصادية التي تسمح للمستوطنات بالعمل والتوسع، بما في ذلك التجارة والخدمات والتمويل والاستثمار، وهو ما قد يرفع مستوى المخاطر التي تواجه الشركات والمؤسسات المرتبطة بهذا النشاط.
وتأتي هذه الخطوة بعد إعلان إسرائيل طرح عطاءات لبناء أكثر من 1200 وحدة سكنية في منطقة «إي 1» بالضفة الغربية، وهي منطقة استراتيجية لطالما أثارت مخاوف دولية بسبب تأثير مشاريع الاستيطان فيها على التواصل الجغرافي بين أجزاء الضفة الغربية وإمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة.
اقتصاد المستوطنات أكبر من الأرقام التجارية
ورغم أن حجم التجارة المباشرة بين بريطانيا وإسرائيل كبير، فإن التأثير الاقتصادي المباشر لحظر بضائع المستوطنات قد يبقى محدوداً مقارنة بإجمالي هذه التجارة.
وبحسب بيانات نقلتها «رويترز»، بلغت قيمة التجارة البريطانية الإسرائيلية نحو 6 مليارات جنيه إسترليني خلال عام 2025. غير أن المشكلة الأساسية تكمن في صعوبة تحديد الحجم الحقيقي للاقتصاد الاستيطاني، خصوصاً أن إسرائيل لا تنشر عادة بيانات تجارية منفصلة توضح بدقة حجم النشاط الاقتصادي داخل المستوطنات.
وتشير تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد» إلى حجم اقتصادي أكبر بكثير. ووفق دراسة صدرت في فبراير، حققت المستوطنات الموجودة في المنطقة «ج» من الضفة الغربية المحتلة، إلى جانب القدس الشرقية المحتلة، للاقتصاد الإسرائيلي نحو 53 مليار دولار خلال عام 2024.
كما قدرت الدراسة الناتج الاقتصادي التراكمي للمستوطنات بين عامي 2000 و2024 بنحو 832.7 مليار دولار، وهو ما يسلط الضوء على حجم التشابك بين الاقتصاد الإسرائيلي والنشاط الاستيطاني.
المعركة تنتقل إلى البنوك
وقد يكون التأثير الأوسع للعقوبات البريطانية بعيداً عن السلع نفسها، وتحديداً في قطاع الخدمات المالية والمهنية.
فالمستوطنات تعتمد على شبكة واسعة من القروض والاستثمارات والتأمين والرهن العقاري والبناء والتسويق والخدمات القانونية والمحاسبية وغيرها من الأنشطة التي تحتاج إلى مؤسسات مالية ومهنية للعمل بصورة طبيعية.
وأشار تقرير صدر عام 2024 إلى أن بريطانيا كانت من بين المصادر المهمة للتمويل بالنسبة لعشرات الشركات المرتبطة باقتصاد المستوطنات، وقدر حجم القروض وخدمات الاكتتاب المقدمة لها بمليارات الدولارات خلال السنوات الأخيرة.
وفي حال اتساع نطاق القيود البريطانية على الخدمات المالية، فقد تجد البنوك وصناديق التقاعد ومديرو الأصول أنفسهم أمام ضرورة إعادة تقييم علاقاتهم مع الشركات التي تعمل في المستوطنات أو توفر لها خدمات مباشرة.
خطر قانوني وسمعة الشركات
ولا يتعلق الأمر بالخسائر المالية وحدها، إذ يمكن أن تتحول المخاطر القانونية والسمعة التجارية إلى عامل ضغط إضافي.
فالشركات البريطانية والدولية التي تقدم خدمات لمشاريع استيطانية قد تجد نفسها مطالبة بالتأكد من طبيعة أنشطائها وشركائها ومصادر التمويل المستخدمة في المشاريع المرتبطة بالأراضي المحتلة.
ومع تشديد لندن موقفها، قد تفضّل بعض المؤسسات الانسحاب من هذه الأنشطة لتجنب العقوبات أو الدعاوى أو الأضرار التي يمكن أن تلحق بسمعتها، حتى في الحالات التي لا تكون فيها العقوبات البريطانية موجهة إليها بصورة مباشرة.
الجمعيات الخيرية تدخل المعركة
ومن أكثر جوانب الإجراءات حساسية ملف الجمعيات الخيرية البريطانية، إذ تسعى الحكومة أيضاً إلى تشديد الرقابة على المؤسسات التي تجمع الأموال لصالح أنشطة مرتبطة بالمستوطنات.
وتثير هذه القضية جدلاً خاصاً بسبب نظام «غيفت إيد»، الذي يسمح للجمعيات الخيرية المؤهلة بالحصول على دعم ضريبي من الحكومة البريطانية على التبرعات التي يقدمها الأفراد.
وتقول تقارير إن بعض الجمعيات المسجلة في بريطانيا تعرضت لاتهامات بالمساعدة في تمويل مشاريع استيطانية أو تنظيم أنشطة مرتبطة ببيع عقارات في المستوطنات المقامة على أراضٍ فلسطينية محتلة.
تحقيقات حول ملايين الجنيهات
وفي أغسطس، فتحت مفوضية الجمعيات الخيرية البريطانية تحقيقاً بعد إثارة ادعاءات أمام البرلمان بشأن تحويل أموال إلى المستوطنات.
وبحسب ما أوردته «ميدل إيست آي»، قالت النائبة العمالية ميلاني وارد إن ما لا يقل عن 32 جمعية مسجلة في إنجلترا وويلز حوّلت أكثر من 28 مليون جنيه إسترليني إلى المستوطنات الإسرائيلية.
وهذه الأرقام والادعاءات تخضع للتدقيق والتحقيق، ولا تعني بحد ذاتها ثبوت ارتكاب مخالفات من جانب كل المؤسسات المذكورة.
لكن إدخال الجمعيات الخيرية إلى دائرة الاهتمام الحكومي يكشف اتساع نطاق المعركة، من المنتجات التي تغادر المستوطنات إلى الأموال التي تصل إليها عبر قنوات التبرع والعمل الخيري.
غضب إسرائيلي وانتقادات أمريكية
وأثارت الإجراءات البريطانية غضب جماعات مؤيدة لإسرائيل، كما واجهت انتقادات من مسؤولين أمريكيين.
وكان السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي من أبرز المنتقدين للتحرك البريطاني، في موقف يعكس التباين المتزايد بين لندن وواشنطن بشأن كيفية التعامل مع الاستيطان الإسرائيلي.
ومع ذلك، تؤكد الحكومة البريطانية أن العقوبات تستهدف النشاط الاستيطاني تحديداً، ولا تعني إنهاء العلاقة الأوسع مع إسرائيل.
من السلع إلى شبكة كاملة
وتشير الحزمة الجديدة إلى تحول مهم في السياسة البريطانية: فبدلاً من التركيز على الأشخاص المتهمين بالعنف فقط، تتحرك لندن نحو استهداف البيئة الاقتصادية والخدمية التي تسمح للمستوطنات بالنمو.
وهذا يعني أن المعركة لم تعد تدور فقط حول ما يدخل إلى السوق البريطانية من منتجات المستوطنات، بل حول من يمول مشاريعها، ومن يقدم لها التأمين والقروض والخدمات المهنية، ومن يروّج لها، وحتى كيف تجمع بعض الجهات الأموال لصالحها.
وفي حال توسعت هذه القيود وتبنتها دول أوروبية أخرى، فقد تجد الشركات والمؤسسات المرتبطة بالمستوطنات نفسها أمام شبكة أكبر من القيود والمخاطر، ما يرفع تكلفة النشاط الاقتصادي المرتبط بها.
وبذلك، تضع بريطانيا اقتصاد المستوطنات أمام اختبار جديد، لا يستهدف البضائع وحدها، بل يمتد إلى التمويل والخدمات والتبرعات، في واحدة من أكثر التحركات الغربية شمولاً تجاه المشروع الاستيطاني الإسرائيلي حتى الآن.
قد يعجبك
فرنسا وكندا تستعدان لإعلان عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية بعد خطوة بريطانيا
عرب بريطانيون يصعّدون الضغط على لندن: إجراءات ملزمة لوقف دعم المستوطنات الإسرائيلية

