وطن-تجدد الجدل في مصر حول مستقبل الأصول المملوكة للدولة، بعد طرح تصور يقضي بنقل أصول حكومية إلى البنك المركزي مقابل تسوية جزء من المديونية المحلية، في وقت تواجه فيه القاهرة ضغوطًا متواصلة مرتبطة بارتفاع أعباء الدين وتكاليف خدمته.
وكان من بين الأصول التي ورد ذكرها في الطرح قناة السويس، إلى جانب البنوك والشركات والهيئات الاقتصادية، ما فتح الباب أمام موجة من التساؤلات حول ما إذا كانت الأصول السيادية يمكن أن تدخل مستقبلًا في معادلة إدارة الدين المصري.
لكن الحكومة المصرية سارعت إلى نفي وجود أي توجه لمقايضة قناة السويس بالديون، مؤكدة أن القناة لا تُرهن ولا تُباع ولا تُنقل ملكيتها مقابل تسوية المديونية.
من مديونية ماسبيرو إلى «المقايضة الكبرى»
تعود خلفية الجدل إلى تجربة تسوية مديونية الهيئة الوطنية للإعلام، المعروفة باسم ماسبيرو، والتي تضمنت تسوية مديونية بقيمة 88.3 مليار جنيه من خلال نقل أصول غير مستغلة مقابل جزء من الدين.
ومن هنا انتقل النقاش إلى سؤال أوسع: ماذا لو تحولت الآلية من تسوية مديونية جهة حكومية بعينها إلى تصور شامل يشمل أصولًا مملوكة للدولة؟
هذا السؤال هو الذي أعاد إلى الواجهة مقترحًا طرحه رجل الأعمال والمصرفي المصري حسن هيكل، ويتعلق بإمكانية نقل أصول مملوكة للدولة إلى البنك المركزي، مقابل نقل ما يعادل قيمتها من المديونية المحلية. وبحسب التصور المتداول، يمكن أن تشمل الأصول بنوكًا وشركات وهيئات اقتصادية، إضافة إلى أصول أخرى ذات أهمية استراتيجية.
قناة السويس تدخل دائرة الجدل
الأكثر حساسية في هذا الطرح كان ورود هيئة قناة السويس ضمن الأصول التي جرى الحديث عنها. فقناة السويس ليست مجرد أصل اقتصادي تقليدي، بل تمثل واحدًا من أهم مصادر العملة الأجنبية لمصر، كما ترتبط بشكل مباشر بالأمن القومي والسيادة المصرية وموقع البلاد الاستراتيجي في حركة التجارة العالمية.
ولهذا، فإن مجرد طرح اسم القناة في نقاش يتعلق بإدارة الديون كان كافيًا لإشعال جدل واسع على مواقع التواصل وفي الأوساط الاقتصادية والسياسية.
غير أن وجود قناة السويس ضمن قائمة الأصول التي وردت في مقترح اقتصادي لا يعني أن الحكومة قررت نقل ملكيتها أو استخدامها ضمانًا للديون.
الحكومة المصرية: لا رهن ولا مقايضة
أمام تصاعد الجدل، أكدت الحكومة المصرية أن قناة السويس ليست مطروحة للمقايضة أو الرهن مقابل الديون، وأن التصور الذي أثار النقاش لا يمثل سياسة حكومية معتمدة.
وأوضحت الحكومة أن الفكرة سبق أن خضعت للدراسة والتقييم، وأن النتائج انتهت إلى عدم ملاءمتها. وبذلك، فإن الحديث عن «بيع قناة السويس» أو «رهنها للدائنين» لا يعكس، وفق الموقف الحكومي المعلن، قرارًا قائمًا أو خطة رسمية لتنفيذ ذلك. لكن الجدل لم ينتهِ.
لماذا أثار المقترح كل هذه المخاوف؟
تواجه مصر منذ سنوات ضغوطًا كبيرة مرتبطة بالدين العام، وارتفاع تكلفة خدمة الدين، والحاجة المستمرة إلى توفير العملات الأجنبية لسداد الالتزامات الخارجية وتمويل الواردات.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح إدارة الأصول الحكومية قضية شديدة الحساسية. فمن ناحية، يمكن للدولة أن تستخدم بعض الأصول غير المستغلة أو العوائد المستقبلية منها لتحسين أوضاعها المالية.
لكن من ناحية أخرى، يثير إدخال الأصول الاستراتيجية في ترتيبات مالية مخاوف من فقدان الدولة السيطرة على أصول تعتبرها جزءًا من أمنها الاقتصادي والسيادي.
هل يمكن أن تتحول الأصول إلى أداة لإدارة الدين؟
المعضلة الأساسية ليست في بيع أصل معين، وإنما في طبيعة العلاقة بين الأصول السيادية والدين العام. فإذا كانت الدولة تمتلك أصولًا ضخمة، لكنها في الوقت نفسه تتحمل أعباء ديون مرتفعة، يظهر سؤال اقتصادي مشروع: هل يمكن إعادة هيكلة ملكية هذه الأصول أو نقلها بين مؤسسات الدولة بهدف تحسين المركز المالي؟
لكن مثل هذه العمليات تختلف جذريًا عن بيع الأصول لمستثمرين أو جهات أجنبية. فنقل أصل من مؤسسة حكومية إلى مؤسسة حكومية أخرى لا يعني بالضرورة انتقال ملكيته إلى طرف خاص، وقد يكون مجرد عملية محاسبية أو مالية لإعادة ترتيب ميزانية الدولة. وهنا تكمن أهمية التمييز بين نقل الملكية داخل الدولة والتخلي عن الأصل لصالح مستثمر أو جهة خارجية.
قناة السويس ليست مجرد أصل مالي
تحتل قناة السويس موقعًا مختلفًا عن كثير من الأصول الحكومية الأخرى. فالقناة ممر ملاحي استراتيجي يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، وتستخدمه نسبة مهمة من حركة التجارة العالمية، كما تمثل إيراداتها مصدرًا رئيسيًا للنقد الأجنبي بالنسبة للاقتصاد المصري.
لذلك، فإن إدخالها في أي ترتيبات مالية يجب أن يخضع، قبل كل شيء، لاعتبارات السيادة والأمن القومي، وليس فقط لحسابات الميزانية. وهذا ما يفسر حساسية أي حديث عن «قناة السويس مقابل الديون»، حتى لو كان الحديث في الأصل مجرد مقترح نظري لم يحظَ بموافقة الحكومة.
الأزمة الحقيقية خلف العاصفة
وعلى الرغم من نفي الحكومة، يكشف الجدل عن قضية أكبر من قناة السويس نفسها. فمجرد وصول النقاش العام إلى سؤال يتعلق باستخدام أصول استراتيجية في إدارة الدين يعكس حجم القلق بشأن مستقبل المالية العامة المصرية.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: هل ستبيع مصر قناة السويس؟ بل: إلى أي مدى يمكن أن تعتمد الدولة على أصولها لإدارة أعباء الدين إذا استمرت الضغوط المالية؟ فالدولة تمتلك مجموعة ضخمة من الأصول والشركات والهيئات، لكن تحويل هذه الثروة إلى موارد مالية من دون التأثير في السيطرة الحكومية عليها يمثل تحديًا اقتصاديًا معقدًا.
بين الخصخصة وإعادة الهيكلة
وتأتي هذه المناقشات في وقت تنفذ فيه مصر برنامجًا لإعادة هيكلة ملكية الدولة وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد، بما في ذلك طرح حصص من شركات وأصول حكومية أمام المستثمرين.
لكن هناك فارقًا كبيرًا بين بيع حصة في شركة حكومية وبين نقل أصل سيادي استراتيجي مثل قناة السويس إلى طرف آخر. ولهذا، فإن الخلط بين الأمرين قد يؤدي إلى تضخيم المخاوف أو إعطاء انطباع بأن جميع أصول الدولة أصبحت مطروحة للبيع، وهو ما لا يتطابق بالضرورة مع طبيعة كل عملية مالية أو اقتصادية.
هل تصل مصر إلى «الخط الأحمر»؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات في المادة المطروحة على قرار مصري باستخدام قناة السويس لسداد الديون، بل إن الحكومة نفت صراحة هذا السيناريو. لكن استمرار الضغوط على الاقتصاد المصري سيبقي ملف الأصول الحكومية حاضرًا بقوة في النقاش الاقتصادي. فكلما ارتفعت تكلفة الدين وازدادت الحاجة إلى العملة الأجنبية، ستعود الأسئلة حول كيفية الاستفادة من الأصول المملوكة للدولة، وما الأصول التي يمكن إعادة هيكلتها، وأيها يجب أن يبقى بعيدًا تمامًا عن أي ترتيبات مالية.
وهنا تكمن حساسية القضية: المعركة ليست حول قناة السويس وحدها، وإنما حول حدود ما يمكن أن تفعله الدولة بأصولها في مواجهة أزمة الدين.
وبينما تؤكد القاهرة أن قناة السويس ليست للبيع ولا للرهن، يبقى السؤال مفتوحًا حول مستقبل بقية الأصول الحكومية، وما إذا كانت الضغوط المالية ستدفع مصر إلى مزيد من إعادة الهيكلة أو إلى خيارات أكثر جرأة في إدارة ثروتها العامة.
اقرأ المزيد
قرار أميركي يعزل بنكًا مصريًا كبيرًا عن النظام المالي العالمي..
الإمارات تفتش بنك مصر عاجلًا.. 1.8 مليار دولار في مرمى التحقيق الأميركي بسبب إيران

