وطن-تشهد مدينة جنين ومحيطها في شمال الضفة الغربية المحتلة تحولات ميدانية متسارعة، مع تصاعد مصادرة الأراضي الفلسطينية، وتوسيع البنية العسكرية الإسرائيلية، وعودة مستوطنين إلى مواقع كانت إسرائيل قد أخلتها قبل نحو عقدين. وتثير هذه التطورات مخاوف فلسطينية من أن تتحول المنطقة تدريجياً إلى شبكة متصلة من المستوطنات والطرق والقواعد العسكرية، بما يعزل جنين عن محيطها ويعيد رسم خريطة شمال الضفة الغربية.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن ما يحدث لا يقتصر على إقامة بؤر استيطانية جديدة، بل يشمل شق طرق، وتجريف أراضٍ زراعية، وإقامة منشآت عسكرية لحماية المستوطنين العائدين إلى مواقع أُخليت عام 2005، أبرزها مستوطنات غانيم وكديم وحومش وسانور.
ماذا حدث للمزارع أحمد زيدات؟
في إحدى القرى القريبة من جنين، كان المزارع الفلسطيني أحمد زيدات يعتني بأشجار الزيتون في أرضه عندما فوجئ بمجموعة من المستوطنين الإسرائيليين تهاجمه.
وبحسب روايته ل”ـميدل إيست آي”، ضربه المستوطنون في وجهه وبطنه، قبل أن يفر على جراره الزراعي بينما واصلوا ملاحقته. لكن عندما تدخل الجنود الإسرائيليون، لم ينته الأمر باعتقال المعتدين، بل جرى احتجاز زيدات نفسه.
وقال المزارع إن أحد الضباط أبلغه بأن وجوده في أرضه ممنوع لأنها «أرض خاصة». وعندما سأله لمن تعود، جاءه الرد: «إنها لنا، ولا يحق لك الدخول إليها».
أُفرج عن زيدات بعد فترة قصيرة، لكنه تلقى أمراً بعدم العودة إلى أرضه، التي كانت توفر له نحو 600 كيلوغرام من زيت الزيتون سنوياً. وقال إن تلك الأرض كانت ثمرة سنوات من العمل والتعب، مضيفاً: «حتى النظر إليها يؤلم القلب».
11 مستوطنة جديدة حول جنين؟
لم تعد قصة زيدات حالة معزولة، بحسب الصحيفة، إذ شهد شمال الضفة خلال الفترة الأخيرة تصعيداً في النشاط الاستيطاني. وقال طارق إغبارية، مدير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في جنين، إن إسرائيل صادقت على 11 مستوطنة جديدة في منطقة جنين، إلى جانب إعادة إحياء المستوطنات الأربع التي أُخليت عام 2005.
وأضاف أن عائلات من المستوطنين بدأت بالفعل الانتقال إلى بعض المواقع، فيما تتواصل أعمال شق الطرق وإقامة البنية التحتية اللازمة لربطها وتأمينها.
وتأتي هذه التحركات بعد سنوات من تراجع الاحتكاك المباشر بالمستوطنين في بعض مناطق شمال الضفة، قبل أن يبدأ المشهد في التغير بشكل واضح منذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية في أواخر عام 2022.
لماذا صودرت 200 دونم في جنين؟
في أواخر يوليو الماضي، صادرت القوات الإسرائيلية نحو 200 دونم من الأراضي الفلسطينية الخاصة في جنين عبر 15 أمراً عسكرياً، وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.
ونقلت صحيفة” هآرتس” أن الهدف من المصادرة هو ربط مستوطنتين جديدتين جنوب جنين، هما «نوعا» و«عيمك دوتان».
وتكمن حساسية هذه الخطوة في أن الأراضي المصادرة تقع ضمن المنطقة «أ» وفق اتفاق أوسلو لعام 1995، وهي مناطق يفترض أن تخضع للسيطرة الكاملة للسلطة الفلسطينية.
وقالت منظمة «كيرم نافوت» الإسرائيلية المناهضة للاستيطان إن هذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها الجيش أوامر مصادرة داخل المنطقة «أ» بهدف ربط مستوطنات، وليس لأغراض عسكرية مباشرة.
قاعدة عسكرية داخل جنين.. لماذا الآن؟
في يونيو الماضي، كشفت “هآرتس” أن الجيش الإسرائيلي بدأ إقامة قاعدة عسكرية دائمة داخل مدينة جنين، في خطوة اعتبرتها الصحيفة الأولى من نوعها داخل منطقة «أ» منذ اتفاقات أوسلو.
وبحسب المصادر التي نقلتها الصحيفة، تهدف القاعدة، من بين أمور أخرى، إلى توفير الحماية للمستوطنين العائدين إلى المنطقة.
ويرى إغبارية أن هذه الخطوة جزء من إعادة تشكيل شاملة لجغرافيا جنين، مع تحويل مساحات من الأراضي الزراعية وبساتين الزيتون إلى مناطق تجريف وورش عمل ومنشآت عسكرية.
وقال إن عمليات التجريف تتواصل في جبال مسلية وقباطية، بالتزامن مع إقامة قاعدة عسكرية في حي الجابريات داخل مدينة جنين.
هل تتجاوز المصادرة الأرقام الرسمية؟
يحذر مسؤولون فلسطينيون من أن مساحة الأراضي المتضررة فعلياً قد تكون أكبر بكثير من تلك الواردة في أوامر المصادرة.
وأوضح إغبارية أنه إذا صودرت 200 دونم لشق طريق يربط مستوطنتين، فإن الطريق ومحيطه الأمني قد يؤديان عملياً إلى السيطرة على مئات الدونمات الإضافية، وربما تصل المساحة المتأثرة إلى 600 أو 700 دونم.
وبذلك، لا تعني المصادرة مجرد مساحة محددة على الورق، وإنما قد تكون بداية لتغيير واسع في استخدام الأرض وحركة السكان.
طرق جديدة تعزل القرى الفلسطينية
ولا يقتصر التأثير على الأراضي المصادرة، إذ بدأت شبكة الطرق الاستيطانية الجديدة تؤثر في حركة الفلسطينيين اليومية.
وبحسب “ميدل إيست آي”، تواجه قرى مثل عرابة ومركة ومسلية وقباطية وجبع والفندقومية وسيلة الحارثية صعوبات متزايدة في الوصول إلى جنين أو التنقل باتجاه نابلس وطولكرم وطوباس.
كما تزيد حركة المستوطنين بسيارات الدفع الرباعي عبر الطرق الزراعية والأراضي المفتوحة من مخاطر التنقل بالنسبة للفلسطينيين.
ويقول إغبارية إن ما يجري ليس بناءً استيطانياً متفرقاً، بل إنشاء شبكة متصلة من المستوطنات والبؤر والطرق والقواعد العسكرية يمكن أن تطوق التجمعات الفلسطينية وتدفع مزيداً من الأراضي إلى السيطرة الإسرائيلية.
الزيتون والعنب والمزارع.. من يدفع الثمن؟
تمتد آثار هذه التحولات إلى سبل عيش العائلات الفلسطينية التي تعتمد على الزراعة. وفي سهل عرابة جنوب جنين، اضطر طارق الشاعر، صاحب كرم عنب، إلى قطف محصوله وبيعه بالجملة بعد تلقيه إخطاراً بهدم وتجريف أرضه.
وتبلغ مساحة مزرعته أكثر من ستة دونمات، وتضم نحو 750 شجرة عنب، وقد بدأ زراعتها قبل 15 عاماً، محولاً إياها إلى مصدر دخل لعائلته ولـ15 عائلة أخرى.
وقال الشاعر إن قطف المحصول قبل التجريف كان «كاقتطاع جزء من الروح»، بعد سنوات من العمل في الأرض.
وفي منطقة أخرى بين مركة وقباطية، تلقى محمد أبو معلا، الذي يدير مزرعة دواجن مع أشقائه، أمراً بإزالة المزرعة خلال سبعة أيام فقط تحت تهديد الهدم.
وقال إن المزرعة تقع أيضاً في المنطقة «أ»، وإن الإخطار المفاجئ دفعهم إلى إزالة محتوياتها خوفاً من تدميرها بالكامل.
هدم المحال التجارية.. هل تخدم الطرق الجديدة المستوطنين؟
ترافقت مصادرة الأراضي مع أوامر هدم طالت منشآت تجارية فلسطينية. وفي 11 أغسطس، هدمت الجرافات الإسرائيلية 12 مخزناً تجارياً فلسطينياً في بلدة عنزة جنوب جنين، كانت تقع على طريق رئيسي تخطط إسرائيل لإعادة توجيهه لخدمة المستوطنين.
وقال هشام صدقة، رئيس مجلس قروي عنزة، إن موقع البلدة على طريق جنين–نابلس يجعلها عرضة بشكل خاص لمشاريع الربط بين المستوطنات. وفي اليوم التالي، هدمت القوات الإسرائيلية 27 محلاً تجارياً إضافياً في دير أبو ضعيف شرق جنين.
وكان محمد محاميد من بين المتضررين، بعدما بنى محله قبل ستة أشهر فقط بتكلفة بلغت 180 ألف شيكل، أي نحو 60 ألف دولار. وقال إن وضعه الصحي لا يسمح له بالبحث عن مصدر دخل آخر، وإنه كان يعوّل على المحال لتأمين مستقبل عائلته، قبل أن يقول: «لكن كل شيء انتهى».
سموتريتش يربط الهدم بالاستيطان
وبحسب “ميدل إيست آي”، لم يخفِ وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش البعد الاستيطاني لهذه العمليات، إذ قال إن عمليات الهدم تمثل «خطوة نحو استئناف النشاط الاستيطاني» في مستوطنتي غانيم وكديم اللتين أُخليتا سابقاً.
وتثير هذه التصريحات مخاوف من أن تكون عمليات الهدم وتجريف الأراضي جزءاً من خطة أوسع لإعادة بناء الوجود الاستيطاني في شمال الضفة، وليس مجرد إجراءات منفصلة.
هل تعني جنين نهاية اتفاق أوسلو عملياً؟
ترى الباحثة والمحللة السياسية سناء زكارنة أن التطورات في جنين تتجاوز مسألة التمهيد لمستوطنات جديدة، وتصل إلى ما وصفته بـتفكيك عملي لاتفاق أوسلو على الأرض، خصوصاً مع استهداف مناطق مصنفة «أ».
وقالت إن إسرائيل تستغل الظروف السياسية والإقليمية الحالية لإحياء خطط قديمة تهدف إلى تقسيم الضفة الغربية إلى كانتونات فلسطينية منفصلة.
وأشارت إلى أن سموتريتش، الذي يشرف على الشؤون المدنية في الضفة الغربية، طرح عام 2017 ما عُرف بـ**«خطة الحسم»**، التي تقوم، وفق منتقديها، على تقليص الطموحات الوطنية الفلسطينية وتفتيت التجمعات الفلسطينية.
وفي العام الماضي، طرح سموتريتش خطة لضم 82% من مساحة الضفة الغربية، مع عزل ستة مراكز سكانية فلسطينية رئيسية في كانتونات منفصلة، هي رام الله ونابلس وجنين وطولكرم وأريحا والخليل.
لماذا تعد جنين مهمة استراتيجياً لإسرائيل؟
تكتسب جنين أهمية خاصة في الحسابات الاستيطانية الإسرائيلية بسبب موقعها القريب من الخط الأخضر، إضافة إلى شبكة الطرق والمواقع العسكرية المحيطة بها. كما تمثل المدينة مركزاً اقتصادياً وزراعياً مهماً، مع امتداد الأراضي الزراعية الواسعة في المنطقة ووجود مقالع حجر ومصادر دخل يعتمد عليها السكان.
وترى زكارنة أن السيطرة على الأرض لا تعني فقط تغيير الحدود الجغرافية، بل يمكن أن تؤدي أيضاً إلى إضعاف قدرة السكان على الإنتاج وفرض قيود اقتصادية وأمنية متزايدة، بما قد يدفعهم تدريجياً إلى مغادرة أراضيهم.
جنين أمام خريطة جديدة
بين مصادرة الأراضي، وتجريف بساتين الزيتون، وهدم المنشآت التجارية، وشق الطرق، وإقامة القواعد العسكرية وعودة المستوطنين إلى مواقع أخليت قبل عقدين، تبدو جنين أمام تحول يتجاوز حادثة أو قراراً منفرداً.
فما يجري، وفق شهادات السكان والمؤسسات المحلية التي نقلتها “ميدل إيست آي”، يرسم تدريجياً شبكة جديدة من الطرق والمستوطنات والمواقع العسكرية حول المدينة.
اقرأ المزيد
بريطانيا تعلن إجراءات ضد إسرائيل بسبب التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية
بريطانيا تقترب من حظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية.. ضغوط متزايدة على حكومة ستارمر
الضفة على صفيح ساخن.. قتلى فلسطينيون بعد هجوم مستوطنين تحت حماية الجيش الإسرائيلي
إرهاب المستوطنين يتصاعد.. إحراق دور عبادة ومنشآت ومطالب بفرض عقوبات دولية

