وطن-شهدت الضفة الغربية المحتلة، الأحد، موجة هجمات واسعة نفذها مستوطنون إسرائيليون، امتدت من نابلس وطولكرم ورام الله إلى الخليل والقدس وأريحا وقلقيلية وسلفيت، في تصعيد جديد طال دور عبادة ومنازل ومركبات ومنشآت صناعية، وسط مطالب فلسطينية بتحرك دولي عاجل لوقف عنف المستوطنين المتصاعد.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن مستوطنين إسرائيليين أضرموا النار في مسجدين بمحافظتي نابلس وطولكرم، وألحقوا أضراراً كبيرة بمعدات ثقيلة داخل منشأة صناعية قرب رام الله، فيما أفاد شهود عيان بأن مجموعات من المستوطنين اقتحمت بلدات وقرى فلسطينية، وهاجمت منازل ومركبات، وأطلقت الرصاص الحي بهدف ترهيب السكان.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن الهجمات طالت تجمعات فلسطينية في محافظات نابلس وطولكرم ورام الله والخليل وسلفيت وقلقيلية وأريحا والقدس، في حين قال مسؤولون فلسطينيون إن هذه الاعتداءات جرت بحماية قوات الاحتلال الإسرائيلي أو تحت نظرها.
في قرية قصرة جنوب نابلس، أقدم مستوطنون على إحراق أجزاء واسعة من مسجد الرحمة، وكتبوا شعارات عنصرية باللغة العبرية على جدرانه. وأوضح الناشط عبد العظيم وادي، وهو من سكان القرية، لصحيفة “ميدل إيست آي”، أنه تلقى اتصالاً عند الساعة الثانية والنصف فجراً يبلغه بإحراق المسجد الواقع في الجهة الجنوبية الغربية من القرية.
وأضاف وادي أنه توجه مع عدد من الأهالي إلى المكان لمحاولة إخماد النيران، مشيراً إلى أن المسجد كان من المقرر افتتاحه خلال الأيام المقبلة، بعدما انتهى الأهالي في اليوم السابق من طلاء جدرانه وفرشه بالسجاد. إلا أن الحريق، وفق شهادته، تسبب بأضرار واسعة شملت انهياراً جزئياً في بعض الجدران وتلفاً كبيراً في محتويات المسجد.
وكشفت الصحيفة أن المستوطنين كتبوا على جدران المسجد عبارات تحريضية وعنصرية، بينها: “إسرائيل ستقام بالدم”، و”المساجد لن تخيفنا”، إلى جانب عبارات تشير إلى أن إحراق المسجد جاء انتقاماً لمستوطنين قُتلوا في بلدة تل. وقال وادي إن جيران المسجد شاهدوا المستوطنين وهم يغادرون المكان قبل وصول الأهالي لإخماد الحريق، كما عثر السكان على ثلاث عبارات كتبت على الجدران الخارجية.
وأشار الناشط الفلسطيني إلى أن قرية قصرة تعرضت مراراً لهجمات المستوطنين خلال السنوات الماضية، موضحاً أن مستوطنين أحرقوا مسجداً في القرية عام 2011، كما أضرموا النار في 47 منزلاً ومنشأة عام 2024، وقتلوا ستة فلسطينيين في يوم واحد عام 2023.
ولم يقتصر الاعتداء على قصرة، إذ قالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن مستوطنين أحرقوا مسجداً آخر في قرية كور جنوب طولكرم، حيث أكد الأهالي أن المعتدين كتبوا أيضاً شعارات تدعو إلى الانتقام.
وفي أعقاب ذلك، دان مجلس الإفتاء الأعلى في فلسطين إحراق المسجدين، واعتبره جزءاً من “حملة ممنهجة ضد دور العبادة”. وقال المجلس في بيان إن إحراق مسجد الرحمة في قصرة ومسجد قرية كور يمثل “جريمة جديدة تندرج ضمن سياسة خطيرة ومنظمة ينتهجها الاحتلال الإسرائيلي لاستهداف المقدسات ودور العبادة”.
وحذر مجلس الإفتاء من أن تكرار الاعتداءات على المواقع الدينية، بما في ذلك المسجد الأقصى، من شأنه أن يدفع الأوضاع إلى مزيد من التوتر والانفجار، في ظل استمرار التحريض وحماية المعتدين من المحاسبة.
وفي منطقة عين سامية جنوب قرية المغير شمال شرق رام الله، هاجم مستوطنون محجراً للحجر، وأحرقوا معدات ثقيلة واعتدوا على حراس الموقع. وبحسب ما نقلته “ميدل إيست آي”، قال مالك المحجر عبد الصمد عبد العزيز إن المستوطنين أحرقوا 10 آليات، بينها حفارات وجرافات وشاحنات، ما تسبب بخسائر تقدر بنحو مليوني شيكل، أي ما يعادل نحو 666 ألف دولار.
وأضاف عبد العزيز أن المستوطنين سبق أن هاجموا الموقع وخربوا مكاتبه، لكن هذه هي المرة الأولى التي يقدمون فيها على إحراق المعدات. وأوضح أن النيران ظلت مشتعلة إلى حين سماح جيش الاحتلال الإسرائيلي بدخول مركبة إطفاء إلى المنطقة بعد التنسيق، الأمر الذي فاقم حجم الأضرار. كما أشار إلى إصابة ثلاثة حراس بعد تعرضهم للضرب والاعتداء برذاذ الفلفل.
وامتدت هجمات المستوطنين إلى بلدة بيتللو شمال غرب رام الله، حيث أُحرقت مركبات فلسطينية. وفي بلدة بيت فوريك شرق نابلس، حاول مستوطنون إشعال النار في منزل بعد كتابة شعارات على جدرانه، قبل أن يتمكن الأهالي من طردهم وإبعادهم عن المكان.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن مستوطنين هاجموا، في شمال الضفة الغربية، سيارة إسعاف كانت تقل مريضاً قرب مستوطنة “كرني شمرون” المقامة على أراضٍ فلسطينية شرق قلقيلية، ما أجبرها على العودة. كما رشق مستوطنون مركبات فلسطينية بالحجارة قرب مستوطنة “متسبيه يريحو” جنوب غرب أريحا.
وفي بلدة بني نعيم شرق الخليل، أغلق مستوطنون طريقاً بالسواتر الترابية عند مدخل المنطقة الصحراوية شرق يطا. أما في محيط القدس، فشن مستوطنون مسلحون هجوماً على تجمع بدوي شرق قرية جبع، وأطلقوا الرصاص الحي باتجاه السكان، وأحرقوا منزلاً ومركبة في المنطقة.
وفي سلفيت وقلقيلية، هاجمت مجموعات من المستوطنين مركبات فلسطينية بالحجارة على طريق وادي قانا الواصل بين المحافظتين، بالتزامن مع انتشارهم عند مدخل قرية حارس شمال غرب سلفيت. كما قالت مصادر فلسطينية إن مستوطنين أقاموا بؤرة استيطانية جديدة على أراضٍ تعود لبلدة دير استيا، في إطار توسع استيطاني متسارع تشهده المنطقة.
من جهتها، دانت وزارة الخارجية الفلسطينية ما وصفته بجرائم المستوطنين، معتبرة أنها تأتي ضمن سلسلة اعتداءات منظمة تستهدف الفلسطينيين، وتنفذ بحماية ودعم من قوات الاحتلال الإسرائيلي.
وقالت الوزارة في بيان إن استهداف المساجد ودور العبادة وكتابة شعارات عنصرية وتحريضية على جدرانها “يعكس الوجه الحقيقي للاحتلال الاستعماري الاستيطاني العنصري، ومحاولاته المستمرة لتحويل الصراع السياسي إلى صراع ديني بهدف تأجيج الكراهية وتبرير جرائمه بحق الشعب الفلسطيني”.
وأضافت الخارجية الفلسطينية أن ما يجري يمثل امتداداً لسياسات التحريض والرعاية والحماية والإفلات من العقاب، التي تشجع المستوطنين على تنفيذ مزيد من الاعتداءات ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم وأراضيهم.
وطالبت الوزارة المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومؤسساتها المختصة باتخاذ إجراءات عملية وملزمة لوقف “إرهاب المستوطنين”، والدفع نحو تصنيف جماعات المستوطنين المسلحة، التي ترتكب جرائم يومية منظمة ضد المدنيين الفلسطينيين، كمنظمات إرهابية، وفرض عقوبات رادعة على أفرادها والداعمين لها، بما يضمن محاسبتهم وملاحقتهم.
وبحسب معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، التي أوردتها “ميدل إيست آي”، نفذ جيش الاحتلال والمستوطنون نحو 11,074 اعتداءً في الضفة الغربية خلال النصف الأول من عام 2026. كما وثق المركز الفلسطيني للإعلام 6,856 انتهاكاً خلال شهر يونيو وحده.
وتشير التقديرات الفلسطينية إلى أن نحو 750 ألف مستوطن يعيشون في الضفة الغربية المحتلة، موزعين على 141 مستوطنة و224 بؤرة استيطانية، بينهم نحو 250 ألف مستوطن في مستوطنات مقامة شرقي القدس، بالتزامن مع استمرار الاعتداءات اليومية التي تستهدف الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم.
اقرأ المزيد
اسمه فاروق رمضان.. معركة قصيرة صنعت حدثاً هز الضفة الغربية
الضفة على صفيح ساخن.. قتلى فلسطينيون بعد هجوم مستوطنين تحت حماية الجيش الإسرائيلي

