وطن-في بيروت، وبين غرف العمليات ومواعيد العلاج، يواصل الجرّاح الفلسطيني البريطاني غسان أبو ستة علاج أطفال نجوا من القصف، لكنهم خرجوا من الحرب بإصابات غيّرت حياتهم إلى الأبد.
أمام الطبيب قائمة تضم 11 طفلاً يحتاجون إلى عمليات ترميمية معقدة، بعد إصابات شملت الشظايا والحروق والكسور والبتر وفقدان أجزاء من الأطراف. وبحسب “ميدل إيست آي“، فإن بعض هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى سلسلة طويلة من العمليات التي قد تمتد لسنوات.
فاطمة.. طفلة فقدت عينها وأمها وشقيقتها
من بين الحالات التي يتابعها أبو ستة الطفلة فاطمة، 12 عاماً، التي أصيبت خلال ضربة إسرائيلية استهدفت منزل عائلتها في البقاع اللبناني. فقدت فاطمة إحدى عينيها، وأصيبت في قدمها وفكها ووجهها وظهرها، فيما فقدت الأسرة إحدى بناتها في الهجوم، كما توفيت والدتها متأثرة بإصابتها.
ولا تزال فاطمة بحاجة إلى عمليات جديدة لإزالة الشظايا ومعالجة آثار الإصابات التي تركها الانفجار في جسدها. أما شقيقتاها ملاك، 16 عاماً، وكوثر، 14 عاماً، فتواجهان بدورهما رحلة علاج طويلة، بعد إصابتهما بكسور وحروق وجروح بالغة.
أجساد صغيرة تحمل آثار الحرب
عانت ملاك من إصابة في الدماغ وكسوراً متعددة وحروقاً واسعة، واضطرت إلى الخضوع لعمليات وزراعة جلد وترميم للعظام. أما كوثر، فلا تزال تحتاج إلى علاج لإصابات في ساقها ويدها، فيما تظهر آثار الجروح على وجهها.
وعلى الرغم من ذلك، تحاول الشقيقات استعادة بعض تفاصيل حياتهن الطبيعية داخل الفندق الذي يقمن فيه خلال فترة العلاج في بيروت؛ يصنعن الأساور من الخرز، ويتبادلن الحديث والضحكات، بينما يحاول والدهن حسن مساعدتهن على تجاوز آثار ما حدث. لكن وراء هذه اللحظات البسيطة تختبئ ذاكرة ثقيلة: منزل تحول إلى ركام، أم رحلت، وشقيقة لم تتمكن العائلة من استعادة رفاتها.
أبو ستة: الإصابات «مغيّرة للحياة»
يقول غسان أبو ستة إن الإصابات التي يعالجها الأطفال الذين تعرضوا للقصف ليست إصابات منفردة في الغالب. فالطفل قد يصل إلى المستشفى مصاباً في الرأس، وبكسور وحروق وشظايا وإصابات سحق في الوقت نفسه.
وهذا النوع من الإصابات لا ينتهي بمجرد إنقاذ حياة الطفل. فبحسب الطبيب، قد يحتاج الطفل المصاب إلى 12 إلى 16 عملية جراحية خلال سنوات نموه، لأن الأنسجة المتندبة والعظام المصابة لا تنمو بالطريقة نفسها التي ينمو بها الجسم السليم. لذلك، تتحول الجراحة الترميمية إلى رحلة طويلة تمتد من مرحلة النجاة إلى إعادة بناء الوظائف والحركة والاستقلالية.
أكثر من 400 طفل تلقوا العلاج
وتُعد الشقيقات الثلاث من بين أكثر من 400 طفل في لبنان تلقوا العلاج عبر صندوق غسان أبو ستة للأطفال، الذي أُسس للمساعدة في توفير الرعاية الطبية للأطفال المصابين في غزة ولبنان.
وأمضى أبو ستة سنوات طويلة في العمل بالمناطق التي شهدت حروباً، وتعامل مع إصابات الأطفال في غزة وسوريا واليمن وغيرها.
ويرى الطبيب أن طبيعة الإصابات التي شاهدها في لبنان تشبه إلى حد كبير ما واجهه في غزة، خصوصاً الإصابات الناتجة عن الانفجارات وانهيار المباني والبقاء تحت الأنقاض.
الحرب تنتهي.. لكن العلاج لا ينتهي
المشكلة بالنسبة إلى هؤلاء الأطفال أن توقف القصف لا يعني انتهاء الحرب بالنسبة إلى أجسادهم. فالعين المفقودة لا تعود، والعظام المحطمة تحتاج إلى سنوات من العلاج، والندوب قد تبقى مدى الحياة، فيما يحمل الأطفال أيضاً آثاراً نفسية مرتبطة بفقدان أفراد من عائلاتهم ومنازلهم وحياتهم السابقة.
وتقول ملاك إنها وشقيقتيها يرغبن في العودة إلى البقاع واستكمال حياتهن ودراستهن، رغم إدراكهن أن الحياة لن تعود كما كانت. وتختصر قصتهن واحدة من أقسى نتائج الحروب: أن ينجو الطفل من القصف، لكنه يبدأ بعد ذلك معركة طويلة لاستعادة جسده وحياته.
أما أبو ستة، فيرى أن دوره كجرّاح هو ألا يبقى متفرجاً أمام هذا الألم، بل أن يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه وترميم ما خلفته الحرب في أجساد الأطفال.
اقرأ المزيد
جنرال إسرائيلي سابق يدعو لإبقاء غزة مدمرة لعقود: “اليأس الفلسطيني يخدم إسرائيل”
يونيسف: مقتل 300 طفل في غزة خلال 300 يوم من وقف إطلاق النار واستمرار الأزمة الإنسانية
انتشال رفات 112 فلسطينياً من تحت الركام في غزة يعيد وجع العائلات الباحثة عن آلاف المفقودين
قيود الإجلاء ونقص أدوية السرطان في غزة.. آلاف المرضى يواجهون انتظاراً قاتلاً بلا علاج منقذ للحياة

