وطن-أعادت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى جزيرة إيتوروب المتنازع عليها في المحيط الهادئ ملف جزر الكوريل إلى واجهة التوتر بين موسكو وطوكيو، بعدما اعتبرت الحكومة اليابانية الخطوة الروسية استفزازاً يمس واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات بين البلدين.
وتأتي الزيارة في وقت تشهد فيه العلاقات الروسية اليابانية تدهوراً حاداً منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، وسط توقف مفاوضات معاهدة السلام التي ظلت معلقة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بسبب النزاع على أربع جزر تطالب اليابان بالسيادة عليها.
بوتين في قلب النزاع
وصل بوتين إلى إيتوروب، إحدى جزر الكوريل الجنوبية، بعد مشاركته في المرحلة الأخيرة من مناورات عسكرية نفذها أسطول المحيط الهادئ الروسي، وبعد زيارة إلى جزيرة سخالين.
وخلال وجوده في إيتوروب، زار الرئيس الروسي منشأة لمعالجة المنتجات البحرية ومستشفى ومركزاً للتعليم الثانوي، في رسالة تؤكد استمرار موسكو في التعامل مع الجزيرة باعتبارها جزءاً من أراضيها.
وأظهرت مشاهد بثها التلفزيون الروسي بوتين داخل مصنع للمنتجات البحرية، حيث تذوق الكافيار المحلي وتلقى شرحاً حول معالجة الأسماك، برفقة حاكم إقليم سخالين فاليري ليمارينكو. وتكتسب الزيارة أهمية خاصة لأنها المرة الأولى التي يزور فيها بوتين إحدى جزر الكوريل الجنوبية الأربع التي تطالب بها اليابان.
اليابان ترد باحتجاج حاد
لم تتأخر طوكيو في الرد، إذ وصفت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي زيارة بوتين بأنها «غير مقبولة إطلاقاً»، مؤكدة أنها تمثل خطوة تتعارض مع الموقف الياباني الثابت بشأن ما تسميه طوكيو «الأقاليم الشمالية».
وأكدت الحكومة اليابانية أن الجزر الأربع، وهي إيتوروب وكوناشير وشيكوتان وجزر هابوماي، جزء أصيل من الأراضي اليابانية من وجهة نظرها، معلنة عزمها تقديم احتجاج رسمي إلى موسكو.
وترى طوكيو أن السيطرة السوفيتية على الجزر في نهاية الحرب العالمية الثانية لا تلغي، وفق تفسيرها، حقوق اليابان التاريخية والقانونية فيها.
أربع جزر تشعل خلافاً عمره عقود
تتمحور الأزمة حول أربع مناطق رئيسية في أقصى شمال اليابان: إيتوروب، وكوناشير، وشيكوتان، وجزر هابوماي الصغيرة. وتسيطر روسيا عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بينما تطالب اليابان باستعادتها، وهو الخلاف الذي حال دون توقيع معاهدة سلام رسمية بين البلدين منذ عام 1945.
ولا يقتصر النزاع على مسألة السيادة، إذ ترتبط الجزر أيضاً بموقع استراتيجي بالغ الأهمية بالقرب من هوكايدو وفي شمال المحيط الهادئ، ما يمنحها قيمة عسكرية وأمنية تتجاوز حجمها الجغرافي.
سابقة ميدفيديف تعود إلى الذاكرة
زيارة بوتين ليست أول زيارة لرئيس روسي إلى إحدى الجزر المتنازع عليها. ففي نوفمبر 2010، زار الرئيس الروسي الأسبق دميتري ميدفيديف جزيرة كوناشير، في خطوة أثارت آنذاك غضباً شديداً في اليابان.
لكن زيارة بوتين تأتي في ظروف أكثر توتراً بكثير، بعدما أصبحت موسكو وطوكيو على طرفي نقيض بسبب الحرب الروسية في أوكرانيا والعقوبات اليابانية على روسيا.
الحرب في أوكرانيا أغلقت أبواب التفاوض
كانت موسكو وطوكيو قد حاولتا خلال السنوات الماضية البحث عن مخرج للنزاع، خصوصاً في عهد رئيس الوزراء الياباني الراحل شينزو آبي. وفي عام 2018، اتفق آبي وبوتين على دفع مفاوضات معاهدة السلام والاستناد إلى الإعلان المشترك الموقع عام 1956، الذي فتح الباب أمام احتمال نقل شيكوتان وهابوماي إلى اليابان بعد توقيع معاهدة سلام.
لكن هذا المسار لم يتحول إلى اتفاق نهائي.
ومع اندلاع الحرب في أوكرانيا وانضمام اليابان إلى العقوبات الغربية على موسكو، أعلنت روسيا تعليق مفاوضات معاهدة السلام المتعلقة بجزر الكوريل، ما أدى إلى تجميد أحد أهم مسارات الحوار بين البلدين.
الدستور الروسي يزيد صعوبة التسوية
أصبح الوصول إلى حل وسط أكثر تعقيداً بعد التعديلات الدستورية الروسية عام 2020، التي تضمنت قيوداً على التنازل عن الأراضي الروسية. وفي المقابل، ظلت اليابان متمسكة بموقفها القائم على اعتبار الجزر الأربع جزءاً من أراضيها، الأمر الذي جعل المسافة بين موقفي البلدين أكبر من أي وقت مضى.
كما أن موسكو شددت في مراحل سابقة على ضرورة اعتراف اليابان بالسيادة الروسية على الجزر قبل المضي في أي ترتيبات جديدة، وهو شرط يصعب على طوكيو قبوله سياسياً.
تاريخ طويل من تبدل الحدود
يعود النزاع إلى القرن التاسع عشر، عندما حاولت الإمبراطوريتان الروسية واليابانية تحديد مناطق النفوذ في شمال المحيط الهادئ. فبموجب معاهدة شيمودا عام 1855، أصبحت إيتوروب ضمن الأراضي اليابانية، بينما بقيت أوروب ضمن الجانب الروسي.
ثم جاءت معاهدة سان بطرسبرغ عام 1875 لتعيد رسم الحدود، حيث حصلت اليابان على كامل سلسلة جزر الكوريل مقابل تنازلها لروسيا عن الجزء الذي كانت تسيطر عليه من جزيرة سخالين.
لكن نهاية الحرب العالمية الثانية قلبت المعادلة مرة أخرى، عندما سيطر الاتحاد السوفيتي على جزر الكوريل في أغسطس وسبتمبر 1945، بعد استسلام اليابان.
خلاف لم تحسمه اتفاقات ما بعد الحرب
في اتفاقية سان فرانسيسكو للسلام عام 1951، تخلت اليابان عن حقوقها في عدد من الأراضي، لكن تفسير نطاق هذا التخلي أصبح لاحقاً جزءاً من الخلاف الروسي الياباني.
وتؤكد طوكيو أن الجزر الأربع التي تطالب بها ليست ضمن الأراضي التي تخلت عنها بموجب الاتفاقية، بينما تتمسك موسكو باعتبارها جزءاً من الأراضي الروسية التي أصبحت تحت سيادتها منذ نهاية الحرب. وهكذا بقي النزاع دون تسوية نهائية، وتحول إلى واحد من أطول الملفات الحدودية العالقة في شرق آسيا.
الكوريل بين التاريخ والأمن
لا يمكن فصل النزاع عن الموقع الاستراتيجي لجزر الكوريل، التي تمتد على مسافة تقارب 1300 كيلومتر بين شبه جزيرة كامتشاتكا وهوكايدو. وتشكل هذه السلسلة الجزرية جزءاً مهماً من البيئة الأمنية الروسية في المحيط الهادئ، كما أن قربها من اليابان يجعلها مرتبطة مباشرة بحسابات الأمن القومي في طوكيو.
لذلك فإن أي تحرك روسي رفيع المستوى في الجزر المتنازع عليها يحمل رسالة تتجاوز البعد الرمزي، خصوصاً عندما يأتي في ظل تصاعد التوتر بين روسيا واليابان.
زيارة تحمل رسائل سياسية
وتبدو زيارة بوتين إلى إيتوروب، في هذا السياق، أكثر من مجرد جولة داخل منطقة روسية نائية. فهي تؤكد تمسك موسكو بسيادتها الفعلية على الجزر، في وقت لا تزال فيه طوكيو ترفض التخلي عن مطالبها.
كما أن اختيار هذه الجزيرة تحديداً، وهي إحدى الجزر الأربع التي تعتبرها اليابان «أراضي شمالية»، يمنح الزيارة ثقلاً سياسياً إضافياً.
ومع استمرار الحرب في أوكرانيا وتجميد مفاوضات السلام بين موسكو وطوكيو، يبدو أن نزاع الكوريل يتجه إلى البقاء ورقة مفتوحة في العلاقة بين البلدين، فيما يصعب تصور تسوية قريبة في ظل التباعد السياسي والاستراتيجي الحالي.
قد يعجبك
الكرملين في سباق مع الوقت.. الحرب الأوكرانية تضع بوتين أمام أصعب اختبار سياسي
قبل قمة الناتو.. بوتين يبلغ ترامب: روسيا ستواصل الحرب حتى السيطرة الكاملة على دونباس
روسيا تسقط 91 طائرة مسيّرة أوكرانية قرب مقر بوتين وتصعّد تحذيراتها ضد كييف
روسيا تطارد مؤسس تيليجرام دوليًا.. لماذا أصبح بافيل دوروف خصمًا صعبًا للكرملين؟

