وطن-لا يغيّر التقاعد جدول حياة الإنسان فحسب، بل قد يعيد تشكيل الطريقة التي يعرّف بها نفسه أمام الآخرين. فخلال سنوات طويلة، وربما طوال الحياة العملية، كان العمل جزءاً أساسياً من الهوية الشخصية والاجتماعية. وعندما تنتهي الوظيفة، تختفي معها إجابة جاهزة كانت تبدو بسيطة لسؤال عابر: «ماذا تعمل في حياتك؟».
ولا يحدث الانتقال إلى التقاعد دفعة واحدة بالضرورة، بل يأتي غالباً على شكل سلسلة من التغييرات؛ إذ تتراجع العادات المرتبطة بالعمل، ويبتعد الزملاء تدريجياً، ثم تبدأ المواعيد والمهام التي كانت تنظم اليوم في فقدان أهميتها.
لكن إحدى أكثر اللحظات إثارة للارتباك قد تأتي في موقف اجتماعي بسيط، أثناء عشاء أو لقاء مع أشخاص جدد أو حتى عند التعرف إلى جار جديد.
عندما يصبح السؤال البسيط محرجاً
عندما يُطرح السؤال: «وماذا تفعل في حياتك؟»، قد يجد المتقاعد نفسه متردداً في الإجابة. ولا يعني ذلك بالضرورة أنه يشعر بالخجل من التقاعد أو يندم على ترك العمل، وإنما لأن الصيغة التي كان يستخدمها طوال عقود لم تعد مناسبة كما كانت.
فعبارة مثل «أنا طبيب» أو «أنا مهندس» أو «أعمل في مجال البنوك» لا تكشف فقط عن الوظيفة، وإنما تقدم للآخرين مجموعة كبيرة من المعلومات عن الشخص، مثل خبرته ومهاراته ومسؤولياته ومكانته الاجتماعية ومساره المهني.
وبذلك يصبح المسمى الوظيفي أشبه ببطاقة تعريف اجتماعية مختصرة تسمح للآخر بفهم جزء كبير من شخصية الإنسان دون الحاجة إلى سرد تفاصيل حياته.
بعد التقاعد، تختفي هذه البطاقة أو تتغير دلالتها، ويصبح الشخص أمام مهمة جديدة: كيف يتحدث عن نفسه بعيداً عن الوظيفة التي ارتبط بها لعقود؟
المهنة ليست مجرد وسيلة لكسب المال
توضح الأبحاث المتعلقة بالهوية المهنية والانتقال إلى التقاعد أن العمل لا يمثل مجرد مصدر للدخل.
فالمهنة تمنح الإنسان دوراً واضحاً، وروتيناً يومياً، وشعوراً بالانتماء، وفرصاً للتفاعل الاجتماعي، إضافة إلى الإحساس بالكفاءة والإنجاز.
وأشارت دراسة نُشرت عام 2016 في المجلة الأسترالية للعلاج الوظيفي إلى أهمية موضوع الهوية في الأبحاث المتعلقة بالانتقال من الحياة المهنية إلى التقاعد، إلى جانب النشاط والتقدم في العمر والعمل.
وهذا يعني أن الهوية المهنية لا تختفي بمجرد انتهاء آخر يوم في الوظيفة. فهي تكون قد تشكلت تدريجياً من خلال المهام والمسؤوليات والخبرات والتقدير الذي حصل عليه الشخص من زملائه ومحيطه الاجتماعي.
لكن التقاعد يجعل هذه الهوية تحتل مساحة مختلفة في الحياة اليومية، ما يدفع الشخص إلى البحث عن مصادر جديدة لتعريف نفسه.
من «أنا مهندس» إلى «كنت أعمل مهندساً»
قبل التقاعد، تكون الإجابة عادة مباشرة:
«أنا مهندس.»
«أنا معلم.»
«أنا ممرض.»
«أنا محاسب.»
لكن بعد التقاعد قد تتحول الإجابة إلى:
«كنت أعمل في مجال الهندسة.»
أو: «عملت مدرساً لمدة ثلاثين عاماً.»
وهنا يكمن جانب نفسي مهم؛ فالإنسان ينتقل من الحديث عن شيء يصفه في الحاضر إلى الحديث عن جزء من حياته بصيغة الماضي. وقد يبدو هذا التغيير بسيطاً، لكنه قد يكون عميقاً بالنسبة لشخص أمضى ثلاثين أو أربعين عاماً وهو يعرّف نفسه من خلال مهنته.
هل يعني ذلك أن المتقاعد يفتقد العمل؟
ليس بالضرورة، فقد يكون الشخص سعيداً جداً بالتقاعد، ويستمتع بوقته بعيداً عن ضغط المواعيد والتنقلات والمسؤوليات المهنية، ومع ذلك يشعر ببعض الارتباك عندما يُطلب منه تعريف نفسه.
فالذي يفتقده أحياناً ليس العمل نفسه، وإنما الدور الذي كان العمل يمنحه له. وهذا فرق مهم فقد يشتاق الإنسان إلى الشعور بأنه مطلوب، أو إلى التواصل اليومي مع الآخرين، أو إلى الإحساس بالإنجاز، أو ببساطة إلى سهولة تقديم نفسه أمام الآخرين من خلال مهنته.
التقاعد وإعادة اكتشاف الذات
بعد انتهاء الحياة المهنية، يحتاج الإنسان إلى بناء تعريف جديد لنفسه لا يعتمد فقط على الوظيفة السابقة. وقد تأتي هذه الهوية الجديدة من الأسرة، والهوايات، والسفر، والعمل التطوعي، والأنشطة الاجتماعية، والرياضة، أو تعلم مهارات جديدة.
وبمرور الوقت، يمكن أن تصبح الإجابة عن سؤال «ماذا تفعل في حياتك؟» أكثر ارتباطاً بما يختاره الإنسان ويمارسه الآن، وليس فقط بما كان يفعله في الماضي.
فبدلاً من أن يقول: «كنت مهندساً»، يمكن أن يقول مثلاً: «أنا متقاعد وأقضي وقتي في تعليم أحفادي والتصوير والسفر.» وهنا تتحول الهوية من وظيفة انتهت إلى حياة جديدة لا تزال مستمرة.
لماذا يحتاج الأمر إلى وقت؟
لأن إعادة تعريف الذات ليست عملية فورية. فإذا أمضى الإنسان معظم حياته في مهنة واحدة، فمن الطبيعي أن يستغرق الأمر بعض الوقت حتى يكتشف أن قيمته وهويته لا تتوقفان عند المسمى الوظيفي.
ولهذا يمكن النظر إلى التقاعد باعتباره مرحلة انتقالية لإعادة بناء الهوية، وليس مجرد نهاية للحياة المهنية. وفي النهاية، فإن السؤال الذي كان يبدو عادياً: «ماذا تعمل؟» قد يكشف بعد التقاعد عن سؤال أعمق بكثير:
«من أنا بعيداً عن عملي؟»
والإجابة لا تحتاج إلى أن تكون جاهزة في اليوم الأول للتقاعد. فقد تكون مرحلة التقاعد نفسها فرصة لاكتشاف إجابة جديدة، وربما أكثر حرية وثراءً من الإجابة التي كانت تقدمها الوظيفة طوال سنوات.
اقرأ المزيد
هل أنت فعلاً أفضل نسخة من نفسك؟ علم النفس يكشف كيف تغيّر الظروف شخصيتك وسلوكك
عندما يخذل العقل صاحبه.. لماذا يتراجع أداء الأذكياء تحت الضغط؟
المشي واليدان خلف الظهر.. ماذا تكشف هذه الوضعية عن الشخصية وفق علم النفس؟

