وطن-أعاد استبعاد مصر من اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان طرح أسئلة واسعة حول طبيعة العلاقة بين القاهرة والرياض، وما إذا كان القرار يعكس خلافاً عابراً بشأن صيغة التحالف، أم يكشف عن تراجع أعمق في مستوى الثقة بين البلدين.
وبحسب تقرير حصري نشره موقع “ميدل إيست آي”، فإن ثلاثة مصادر سعودية مطلعة على النقاشات قالت إن الرياض عارضت انضمام مصر إلى الاتفاق، رغم ضغوط تركية باتجاه إشراك القاهرة. وقال أحد المصادر، وهو مستشار سابق رفيع المستوى للعائلة المالكة السعودية، إن المملكة لم تكن ترغب في انضمام مصر «في الوقت الحالي على الأقل».
اتفاق مكة يرسم تحالفاً دفاعياً جديداً
وُقّع الاتفاق في مكة المكرمة بين السعودية وتركيا وباكستان، وينص، وفق التقارير المنشورة، على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، في إطار تعزيز التعاون والردع الدفاعي المشترك.
ويأتي الاتفاق في مرحلة تشهد إعادة ترتيب واسعة للتحالفات الأمنية في الشرق الأوسط، مع تزايد المخاوف من التهديدات الإقليمية وتراجع الاعتماد على الترتيبات الأمنية التقليدية وحدها.
لكن اللافت أن القاهرة شاركت في مسار تشاوري أوسع مع الدول الثلاث نفسها، ما يجعل غيابها عن الاتفاق الدفاعي الثلاثي موضع تساؤل حول طبيعة الدور الذي تريده السعودية لمصر في الترتيبات الإقليمية الجديدة.
لماذا اعترضت الرياض على انضمام القاهرة؟
بحسب المصادر السعودية التي تحدثت إلى “ميدل إيست آي”، فإن القرار لم يكن مرتبطاً فقط بالتفاصيل الفنية للاتفاق، وإنما جاء نتيجة تراكم حالة من الإحباط داخل دوائر القرار السعودية تجاه أداء الحكومة المصرية في عدد من الملفات الأمنية والإقليمية.
وتقول المصادر إن الرياض ترى أن مصر لم تعد تقدم القيمة العسكرية والاستراتيجية التي كانت تقدمها في السابق، رغم الدعم المالي الكبير الذي قدمته السعودية للحكومة المصرية خلال السنوات الماضية.
وتحدث أحد المصادر عن الدور المصري في الحرب السعودية الطويلة مع جماعة الحوثيين في اليمن، معتبراً أن مستوى المشاركة المصرية لم يكن متناسباً مع ما كانت الرياض تتوقعه من حليف إقليمي رئيسي.
لكن المسألة، وفق التقرير، تتجاوز اليمن إلى ملفات أخرى باتت تؤثر في حسابات الرياض بشأن موثوقية القاهرة كشريك أمني.
التقارب المصري الإماراتي يثير مخاوف سعودية
من أبرز النقاط التي أوردها التقرير السعودي الموقف المصري من الإمارات. وتقول مصادر “ميدل إيست آي” إن الرياض تشعر بقلق متزايد من التقارب بين القاهرة وأبوظبي، خصوصاً في ظل التباينات التي ظهرت بين السعودية والإمارات بشأن عدد من الملفات الإقليمية.
وبحسب المصادر، فإن القاهرة أظهرت خلال المواجهة مع إيران استعداداً لدعم الإمارات عسكرياً، في حين لم تتخذ خطوات مماثلة تجاه السعودية، الأمر الذي عزز، وفق الرواية التي نقلها التقرير، الانطباع داخل الرياض بأن القاهرة باتت أقرب إلى أبوظبي في بعض الملفات الاستراتيجية.
وتزداد حساسية هذا الأمر بالنسبة إلى السعودية بسبب الخلافات المتعلقة باليمن والقرن الأفريقي والسودان وسد النهضة والعلاقة مع إسرائيل، وهي ملفات تتداخل فيها مصالح الدول الثلاث بدرجات مختلفة.
هل أصبحت تركيا وباكستان أهم من مصر عسكرياً؟
لا يتعلق الأمر بالثقة السياسية وحدها، بحسب المصادر التي تحدثت إلى الموقع البريطاني، بل أيضاً بالحسابات العسكرية. فالسعودية، وفق هذه الرواية، ترى أن تركيا تمتلك قاعدة صناعية دفاعية متطورة وقدرات متنامية في مجالات الطائرات المسيّرة والصناعات العسكرية، بينما تمتلك باكستان جيشاً كبيراً وصناعة دفاعية راسخة وقدرات استراتيجية مهمة.
في المقابل، تقول المصادر إن القدرات العسكرية المصرية، رغم حجم الجيش المصري وأهميته التاريخية، لا تقدم للاتفاق الجديد المستوى نفسه من التكنولوجيا الدفاعية والصناعات العسكرية الذي توفره تركيا وباكستان، وفق تقييم المصادر السعودية.
وهذا يعني أن صيغة اتفاق مكة قد تكون مبنية، جزئياً، على تكامل القدرات العسكرية وليس فقط على العلاقات السياسية بين الدول الثلاث.
من حليف تاريخي إلى شريك خارج الاتفاق؟
تاريخياً، لعبت مصر دوراً محورياً في أمن الخليج، وشاركت بقوات عسكرية في التحالف الدولي لتحرير الكويت عام 1991، كما ارتبطت بعلاقات دفاعية وثيقة مع عدد من دول الخليج.
لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن مفهوم التحالفات الإقليمية يتغير. وتشير المصادر التي نقل عنها “ميدل إيست آي” إلى أن الكويت نفسها أصبحت أكثر اهتماماً بالانضمام إلى اتفاق مكة، في تحول لافت مقارنة بالدور الذي لعبته مصر تاريخياً في أمن الخليج.
ومع ذلك، فإن استبعاد القاهرة من الاتفاق لا يعني بالضرورة انتهاء دورها الإقليمي أو العسكري، خصوصاً أن مصر ما زالت طرفاً في مسار تشاوري رباعي يجمعها بالسعودية وتركيا وباكستان.
القاهرة ليست خارج المعادلة بالكامل
وتكشف قراءة أخرى للمشهد أن اتفاق مكة لا يعني بالضرورة إخراج مصر من الترتيبات الإقليمية. فقد شاركت القاهرة في الاجتماعات التشاورية بين الدول الأربع، واستضافت اجتماعاً لوزراء خارجية السعودية وتركيا وباكستان ومصر في يونيو الماضي. وهذا المسار السياسي والتشاوري يختلف في طبيعته عن الاتفاق الدفاعي الملزم بين الدول الثلاث.
وبالتالي، قد تكون المنطقة أمام مسارين متوازيين: مسار دفاعي يضم السعودية وتركيا وباكستان، ومسار سياسي وتشاور إقليمي أوسع تشارك فيه مصر.
هل يمكن أن تنضم مصر مستقبلاً؟
على الرغم من موقف الرياض الحالي، لا يبدو الباب مغلقاً بشكل نهائي. وبحسب المصادر السعودية، فإن انضمام مصر قد يصبح ممكناً مستقبلاً إذا حدث «تغيير أو تحسن» في العلاقات والمواقف، ما يعني أن القرار الحالي قد يكون قابلاً للمراجعة وليس استبعاداً دائماً للقاهرة.
وهذا يجعل مستقبل العلاقة بين الرياض والقاهرة مرتبطاً بمدى قدرة الطرفين على معالجة الملفات التي أثارت الشكوك، خصوصاً اليمن والعلاقة مع الإمارات والسياسات الأمنية الإقليمية.
إعادة تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط
تكشف أزمة انضمام مصر إلى اتفاق مكة عن تحول أوسع في طبيعة النظام الإقليمي. فالدول الرئيسية في المنطقة باتت تبحث عن ترتيبات أمنية متعددة المستويات، تجمع بين التعاون العسكري المباشر والتنسيق السياسي والاقتصادي.
وفي هذا السياق، لا يبدو أن استبعاد مصر من الاتفاق الدفاعي الثلاثي يعني بالضرورة تراجعها بالكامل، لكنه يكشف أن الرياض أصبحت أكثر انتقائية في اختيار شركائها الأمنيين، وأن العلاقة التاريخية بين مصر ودول الخليج لم تعد وحدها كافية لضمان موقع القاهرة في كل ترتيبات الأمن الإقليمي.
والسؤال الأهم خلال المرحلة المقبلة سيكون: هل تستطيع القاهرة استعادة مستوى الثقة الذي كانت تتمتع به لدى الرياض، أم أن اتفاق مكة يمثل بداية تحول طويل الأمد في خريطة التحالفات العربية والإقليمية؟
اقرأ المزيد
غياب مصر عن اتفاق مكة يثير التساؤلات.. هل تنضم لاحقاً إلى تحالف السعودية وتركيا وباكستان؟
اتفاق دفاعي ثلاثي مرتقب بين السعودية وتركيا وباكستان قد يغيّر توازنات المنطقة..
تحالف مكة يربك إسرائيل.. هل تتشكل جبهة إقليمية جديدة في الشرق الأوسط؟
مشروع تركي ضخم في مكة.. استثمار بـ400 مليون دولار يعكس مرحلة جديدة في العلاقات السعودية التركية

