وطن-في تطور لافت داخل البحر الأحمر، أعلنت جماعة الحوثي في اليمن استهداف ناقلة النفط السعودية “NCC Wafaa” قبالة سواحل ينبع، المدينة الساحلية الاستراتيجية شمالي البحر الأحمر، في هجوم وصفه محللون بأنه الأبعد شمالاً منذ بدء الجماعة ما تسميه “الحصار البحري” على السعودية في 22 يوليو الماضي.
وقال موقع “ميدل إيست آي” البريطاني إن الهجمات على السفن السعودية لم تُحدث حتى الآن تأثيراً واسعاً على صادرات النفط، لكنها قد تتحول إلى عامل ضغط اقتصادي متزايد على المملكة إذا اتسع نطاقها شمالاً باتجاه مصر وقناة السويس، خصوصاً في ظل تعقيدات الملاحة المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز منذ وقت سابق من العام.
وأضاف الموقع أن الحوثيين أعلنوا، الأربعاء، إطلاق صواريخ باليستية على الناقلة السعودية قبالة ينبع، متهمين السفينة بانتهاك الحصار وعدم الاستجابة لنداءات التحذير قبل استهدافها. وحتى هذه المرحلة، كانت معظم الهجمات الحوثية تتركز قرب السواحل اليمنية وفي جنوب البحر الأحمر وخليج عدن، قبل أن ينتقل التهديد إلى نقطة أكثر قرباً من الممرات التي تعتمد عليها السعودية في تصدير النفط عبر البحر الأحمر.
تحول شمالي يهدد مسار النفط السعودي
وبحسب ما أورده “ميدل إيست آي”، فإن السعودية أبقت، منذ اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، جزءاً من تدفقات نفطها عبر المسار البديل المار من باب المندب. غير أن الحصار الذي أعلنته جماعة الحوثي على المضيق بات يحد من قدرة الرياض على استخدام هذا الخيار، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد السعودي بدرجة كبيرة على استقرار مسارات تصدير النفط الخام.
وقال إبراهيم جلال، المحلل المتخصص في شؤون اليمن، إن تحرك الحوثيين يبدو محاولة لـ”حرمان السعودية من خيار إعادة التوجيه عبر قناة السويس”، وهو المسار البديل الذي زادت الرياض اعتمادها عليه منذ إغلاق مضيق هرمز في وقت سابق من هذا العام.
وأوضح جلال، وفقاً للموقع البريطاني، أن تهديد الحوثيين بتوسيع نطاق المواجهة شمالاً في البحر الأحمر يحمل بعدين؛ الأول خارجي، ويتمثل في تعزيز “الموقف التفاوضي” لإيران بشأن مضيق هرمز، والثاني داخلي، ويهدف إلى استعادة أدوات الضغط القسري على الرياض.
وفي السياق ذاته، نقلت “هيئة الإذاعة البريطانية” BBC عن ماثيو رايت، المحلل في شركة تتبع السفن Kpler، قوله إن مستوى التهديد لتجارة النفط الخام بلغ “أسوأ مرحلة منذ بداية الأزمة”، في إشارة إلى تصاعد المخاطر التي تواجه ناقلات النفط في البحر الأحمر وباب المندب.
الحوثيون يتحدثون عن ثماني ناقلات مستهدفة
وقالت جماعة الحوثي إنها أصابت ثماني ناقلات منذ إعلان الحصار، بينها خمس ناقلات سعودية على الأقل، إضافة إلى ناقلة ترفع العلم الهندي غرقت قرب باب المندب في 4 أغسطس. غير أن مركز عمليات التجارة البحرية في المملكة المتحدة UKMTO، وهو مرجع دولي في رصد حوادث الأمن البحري، لم يؤكد بشكل مستقل سوى أربع ضربات فقط.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، لم تؤكد السلطات السعودية أياً من الضربات التي أعلنتها جماعة الحوثي حتى الآن، في وقت تستمر فيه حالة الغموض حول حجم الأضرار الفعلية وتأثيرها المباشر على حركة الصادرات.
وكان المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، قد قال في 5 أغسطس إن ما لا يقل عن 29 سفينة سعودية غيّرت مسارها بعيداً عن باب المندب خلال الأسبوعين الأولين من الحصار. ووصف سريع ما يجري بأنه “حصار مقابل حصار”، مؤكداً أن الجماعة سترد على أي تصعيد بتصعيد مماثل.
ويرى صلاح علي صلاح، الباحث في الشؤون الأمنية في مركز صنعاء، أن الحوثيين لا يزالون في مسار تصعيدي. وقال لـميدل إيست آي إنه لا يعتقد أن الجماعة استخدمت بعد كامل قدراتها البحرية ضد السعودية، ما يعني أن المرحلة المقبلة قد تحمل مخاطر إضافية إذا لم يتم احتواء التصعيد.
سفن تغيّر مسارها وأخرى تطفئ أجهزة التتبع
وفيما بدأت بعض السفن السعودية الابتعاد عن باب المندب، أفادت وكالة بلومبرغ بأن ست ناقلات اتخذت هذا الأسبوع مساراً أطول بكثير حول أفريقيا، بينما لجأت سفن أخرى إلى إطفاء أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها أثناء عبور الممر المائي، في محاولة لتقليل فرص رصدها أو استهدافها.
وتشير تقديرات سوق النقل البحري إلى أن صادرات النفط السعودية تشكل عادة نحو 66% من حركة المرور عبر باب المندب، بينما يمر عبر البحر الأحمر عموماً ما بين 10 و12% من التجارة العالمية، ما يجعل أي اضطراب في هذا الممر ذا تبعات اقتصادية تتجاوز السعودية إلى أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
وقال ريان بول، كبير محللي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شركة RANE المتخصصة في استخبارات المخاطر العالمية، إن من غير المرجح أن يتمكن الحوثيون من إغلاق “كل حركة المرور” في شمال البحر الأحمر. لكنه أشار إلى أن الجماعة قد تسعى لإثبات أنها تمثل “تهديداً جدياً” عبر استهداف موانئ مصرية أو قناة السويس، بما يدفع السعودية إلى اتخاذ إجراءات لإخفاء سفنها.
وأضاف بول، بحسب ميدل إيست آي، أن هذه الإجراءات قد تشمل إطفاء أجهزة التتبع ودفع أجور أعلى بكثير لأطقم السفن، الأمر الذي سيجبر شركات الشحن السعودية على تحمل مخاطر الحرب وكلفتها المالية.
قناة السويس ليست حلاً سهلاً أمام الناقلات السعودية
إعادة توجيه الناقلات حول أفريقيا تفرض بدورها تحديات إضافية على الرياض، إذ تحتاج السفن السعودية المتجهة إلى آسيا إلى المرور عبر قناة السويس للوصول إلى ينبع، ما يضيف أربعة أسابيع على الأقل إلى مدة الرحلة بالنسبة للشحنات المتجهة إلى الأسواق الآسيوية، وهي الوجهة الرئيسية للخام السعودي.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، تعتمد السعودية غالباً على ناقلات النفط العملاقة من فئة VLCC التي تصل سعتها إلى نحو مليوني برميل. لكن عمق قناة السويس المحدود يفرض استخدام ناقلات من فئة “Suezmax” بسعة تقارب مليون برميل، أو مرور ناقلات عملاقة بحمولة جزئية فقط.
وقال ريان بول إن مرور الناقلات العملاقة عبر قناة السويس بحمولات غير مكتملة سيؤثر على كمية النفط التي تستطيع السعودية تمريرها. فالشحنات المتجهة إلى آسيا ستحتاج إلى رحلات أكثر لنقل الحجم نفسه، مع إضافة تقديرية بنحو 1.6 مليون دولار كتكلفة وقود، فضلاً عن مليون دولار تقريباً رسوماً لعبور قناة السويس في كل رحلة.
أما صلاح علي صلاح فرأى أن المسألة لا تتعلق فقط بقدرة السعودية على إيجاد مسار بديل، بل بما إذا كان هذا المسار يحافظ على الحجم والكلفة والكفاءة نفسها التي يتمتع بها نظام التصدير القائم.
خط سوميد وخيارات التخفيف من الضغط
وأشار بول إلى أن القيود المرتبطة بقناة السويس يمكن تعويضها جزئياً عبر خط أنابيب سوميد في مصر، وهو أحد المسارات التي باتت تؤدي دوراً احتياطياً مهماً في الحفاظ على انتظام شحنات الخام السعودي.
ويتيح خط سوميد للناقلات تفريغ جزء من حمولتها في المياه العميقة قبل عبور قناة السويس، ثم إعادة تحميله على الجانب الآخر، بما يقلل نسبياً من القيود التي تفرضها قدرة القناة وعمقها على الناقلات العملاقة.
لكن “ميدل إيست آي” أشار إلى أن زيادة حالة عدم اليقين في شمال البحر الأحمر وقناة السويس ستعقّد آخر الخيارات الآمنة المتاحة أمام السعودية لتصدير النفط استراتيجياً، خصوصاً بعد تراجع أهمية مسار الخليج بسبب إغلاق مضيق هرمز.
ينبع تتحول إلى محور رئيسي لصادرات النفط
يعتمد جزء مهم من الاستراتيجية السعودية الحالية على خط الأنابيب شرق-غرب، الذي يعبر المملكة من الخليج إلى البحر الأحمر، ناقلاً النفط إلى المناطق الغربية حيث تتركز أكبر المصافي السعودية، وعلى رأسها منشآت ينبع.
وقالت بلومبرغ إن كميات النفط المصدرة من ينبع ارتفعت بأكثر من ثلاثة أضعاف منذ إغلاق مضيق هرمز، ما جعل الميناء الغربي أكثر أهمية في خريطة صادرات النفط السعودية، وأكثر حساسية تجاه أي تصعيد في البحر الأحمر.
ويرى بعض المحللين أن استهداف ناقلة “Wafaa” قد يكون خطوة تمهيدية نحو توسيع الهجمات لتشمل سفناً غير ناقلات النفط. وقال صلاح علي صلاح إن الخطر الأكبر يتمثل في اتساع نطاق الاستهداف البحري ليشمل سفن الشحن والواردات، معتبراً أن الخطورة الأوسع تكمن في “السابقة” التي يخلقها هذا النوع من التصعيد.
لكن ريان بول يرى أن توسيع الهجمات بهذه الصورة لا يخدم مصلحة الحوثيين. فشن السعودية هجوماً كبيراً جديداً ضد الجماعة داخل اليمن، ولا سيما إذا استهدف الحديدة التي تمثل شرياناً حيوياً للحوثيين على البحر الأحمر، ستكون له عواقب شديدة عليهم.
وأضاف بول، بحسب ما نقل “ميدل إيست آي”، أنه في حال صعّد الحوثيون أكثر، فقد تواجه السعودية مشكلات لوجستية شبيهة بتلك التي تواجهها دول الخليج العربية المطلة على الخليج في ظل إغلاق مضيق هرمز، غير أن الرياض ستكون على الأرجح أكثر استعداداً بفضل طرقها البرية عبر الأردن وخيارات النقل الجوي.
صادرات النفط السعودية بين هرمز وباب المندب
حتى الآن، يبدو أن حصار الحوثيين لباب المندب كان أقل تأثيراً على صادرات النفط السعودية مقارنة بإغلاق مضيق هرمز. فمنذ إغلاق هرمز في 4 مارس، تراجعت الصادرات عبر الخليج بحدة، لكن السعودية نقلت معظم الشحنات إلى البحر الأحمر، ما جعل هذا الممر أكثر حساسية من أي وقت مضى.
وتقدّر شركة “Kpler” المتخصصة في معلومات الشحن البحري أن أحجام المرور عبر باب المندب زادت ثمانية أضعاف، فيما شهد ميناء ينبع في 1 أغسطس واحداً من أكثر أيامه ازدحاماً على الإطلاق، مع تمركز خمس ناقلات عملاقة استعداداً للتحميل.
وكان الحوثيون قد استهدفوا منشآت تابعة لشركة أرامكو السعودية في يوليو، لكن الرئيس التنفيذي للشركة أمين الناصر قال إن تلك الهجمات لم تخلّف أثراً جوهرياً على العمليات أو النتائج المالية.
وأعلنت أرامكو، الثلاثاء، ارتفاع أرباح الربع الثاني بنسبة 33%، مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب على إيران، وبقدرة خطوط الأنابيب السعودية على تجاوز الاعتماد الكامل على مضيق هرمز.
وقال ريان بول إن السؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت الصادرات السعودية ستشهد تراجعاً كبيراً، أم أن الأمر سيبقى مجرد ضغط هبوطي يمكن للرياض التكيف معه بمرور الوقت.
آمال فتح هرمز لا تنهي أزمة البحر الأحمر
وخلال هذا الأسبوع، أدت الآمال بشأن اتفاق إيراني-عُماني لإعادة فتح مضيق هرمز إلى دفع السعودية لخفض سعرها الرئيسي للنفط الموجه إلى آسيا بمقدار 50 سنتاً إلى دولارين للبرميل، في مؤشر على أن الرياض لا تنظر حالياً إلى حصار الحوثيين في البحر الأحمر باعتباره تهديداً حاداً لا يمكن احتواؤه.
غير أن صلاح علي صلاح شدد، وفقاً لـميدل إيست آي، على أن إعادة فتح مضيق هرمز ستخفف بالتأكيد الضغط على أسواق الطاقة العالمية، لكنها لن تحل مشكلة الحوثيين في البحر الأحمر.
وبين ضغوط باب المندب، وقيود قناة السويس، وأهمية ينبع المتزايدة، تدخل صادرات النفط السعودية مرحلة أكثر تعقيداً، حيث لم يعد التحدي مقتصراً على إيجاد طريق بديل، بل على حماية شبكة تصدير كاملة من مخاطر بحرية تتسع جغرافياً وسياسياً.
اقرأ المزيد
تهديدات الحوثيين في باب المندب تضغط على آخر مسارات النفط السعودية بعد أزمة هرمز..
من ينبع إلى الفجيرة.. سباق استراتيجي لإعادة تشكيل طرق تصدير النفط في الشرق الأوسط
هل تعود الحرب؟ السعودية تبحث الخيارات العسكرية بعد تهديدات الحوثيين باستهداف النفط والمطارات
واشنطن تعيد فرض عقوبات النفط على إيران بعد هجمات على سفن قطرية وسعودية في مضيق هرمز

