وطن-بينما يقدم الحوثيون مكاسبهم العسكرية الأخيرة على الساحل الغربي لليمن باعتبارها تقدماً ميدانياً مهماً، تتكشف على الجانب الآخر من المشهد كلفة إنسانية متصاعدة، مع نزوح عشرات الآلاف من السكان، وفرار آخرين عبر البحر الأحمر إلى جيبوتي، وتزايد الضغوط على المنظمات الإنسانية التي تحاول الوصول إلى المتضررين.
وتأتي هذه التطورات بعد تصعيد واسع على الساحل الغربي، شمل مناطق في محافظتي تعز والحديدة، وامتد إلى المخا ومحيطها، في تحول أعاد القتال إلى واحدة من أكثر الجبهات حساسية في الحرب اليمنية، نظراً لموقعها القريب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
المخا وباب المندب في قلب التصعيد
شهد الساحل الغربي خلال الأسابيع الأخيرة معارك مكثفة، وتمكن الحوثيون، وفق تقارير حديثة، من السيطرة على مدينة المخا ومناطق استراتيجية مجاورة، قبل التقدم باتجاه مواقع مطلة على باب المندب.
وتكمن أهمية هذه المنطقة في موقعها عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، حيث يربط المضيق بين البحر الأحمر وخليج عدن، ويشكل ممراً أساسياً لحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن الحوثيين سيطروا كذلك على جزيرة ميون ومناطق وجزر أخرى في محيط المضيق، فيما تتركز المعارك حالياً في مناطق جبلية استراتيجية يمكن أن تحدد مدى قدرة الجماعة على تثبيت مكاسبها والتقدم باتجاه عدن.
لكن السيطرة الميدانية لا تعني نهاية المعارك؛ إذ ردت القوات الموالية للحكومة اليمنية والمدعومة من السعودية بغارات جوية وعمليات عسكرية في محاولة لوقف التقدم الحوثي.
أكثر من 129 ألف نازح
أحدثت موجة التصعيد أثراً مباشراً على السكان المدنيين، إذ تشير بيانات منظمة الهجرة الدولية إلى أن عدد الأشخاص الذين نزحوا بسبب التصعيد على الساحل الغربي منذ بدء التصعيد في يونيو 2026 بلغ 129 ألفاً و438 شخصاً حتى 20 سبتمبر، أي ما يعادل أكثر من 21 ألف أسرة.
وتتركز النسبة الأكبر من النازحين في محافظة تعز، التي تستضيف نحو 57 في المئة من إجمالي النازحين المسجلين، تليها لحج بنحو 26 في المئة، ثم عدن والحديدة ومحافظات أخرى.
وتشير المنظمة إلى أن آلاف الأسر اضطرت إلى الفرار للمرة الثانية أو الثالثة، ما يضاعف الضغط على المجتمعات التي تستضيف النازحين وعلى قدرات الاستجابة الإنسانية المحدودة أصلاً.
وقال نازحون تحدثوا إلى وسائل إعلام دولية إن كثيراً من الأسر غادرت مناطق القتال دون أموال أو مواد غذائية كافية، واضطرت إلى الاعتماد على المساعدات والسكان المحليين في مناطق النزوح.
فرار عبر البحر إلى جيبوتي
ولم يتوقف النزوح عند الحدود اليمنية، إذ دفعت المعارك آلاف الأشخاص إلى محاولة عبور البحر الأحمر باتجاه جيبوتي.
وأفادت منظمة الهجرة الدولية، في تحديثات حديثة، بأن آلاف الأشخاص غادروا اليمن بحراً، فيما أشارت رويترز إلى فرار قرابة 3 آلاف شخص إلى جيبوتي وسط ظروف صعبة وقوارب مكتظة ونقص في الاحتياجات الأساسية.
وتستعد جيبوتي لاستقبال أعداد إضافية من النازحين، في وقت تواجه فيه هي الأخرى ضغوطاً على الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها من الخدمات الأساسية.
وهكذا، يتحول التصعيد على الساحل الغربي إلى أزمة تتجاوز النزوح الداخلي، مع امتداد تداعيات الحرب إلى دول القرن الأفريقي المطلة على البحر الأحمر.
أرقام الضحايا تتصاعد
وتشير التقارير الدولية إلى أن موجة القتال الأخيرة خلفت مئات القتلى وآلاف المصابين منذ تصاعد المواجهات في أغسطس.
وذكرت تقارير حديثة أن أكثر من 674 شخصاً قتلوا ونحو 3 آلاف أصيبوا منذ بداية التصعيد الأخير، مع اختلاف الحصيلة بين المصادر وتواصل عمليات القتال في أكثر من جبهة.
ويزيد صعوبة توثيق الخسائر أن الوصول إلى بعض المناطق المتضررة أصبح محدوداً، ما يعني أن الأرقام المعلنة قد لا تعكس كامل حجم الخسائر البشرية.
بين «النصر» الحوثي وواقع المدنيين
في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، ينظر أنصار الجماعة إلى التقدم العسكري باعتباره تحولاً مهماً في مسار الحرب.
وتحدث سكان في صنعاء ومناطق أخرى عن مشاعر ارتياح لدى بعض المؤيدين للجماعة بعد الإعلان عن المكاسب الميدانية، باعتبارها دليلاً، من وجهة نظرهم، على قدرتها على مواجهة القوات الحكومية المدعومة من السعودية.
لكن هذه الصورة تختلف جذرياً عن واقع السكان الذين يعيشون قرب خطوط المواجهة، حيث يواجه المدنيون القصف والنزوح وانقطاع الخدمات ونقص الغذاء.
وتقول منظمة الهجرة الدولية إن التصعيد الأخير أدى إلى ارتفاع كبير في الاحتياجات الإنسانية، فيما تواجه المجتمعات المضيفة نفسها ضغوطاً متزايدة بسبب استقبال أعداد كبيرة من النازحين.
المساعدات تواجه أزمة وصول وتمويل
ولا تقتصر المشكلة الإنسانية على ارتفاع عدد النازحين، بل تشمل أيضاً قدرة المنظمات الدولية على الوصول إلى المناطق الأكثر تضرراً.
وتشير منظمة الهجرة الدولية إلى أن التصعيد أدى إلى زيادة الاحتياجات الإنسانية ومخاوف حماية المدنيين، في وقت تعمل فيه فرقها على مراقبة حركة النزوح داخل اليمن وعبر الحدود مع جيبوتي.
كما أن القيود الأمنية وصعوبة الوصول إلى المناطق القريبة من خطوط المواجهة تجعل تقديم المساعدات أكثر تعقيداً، بينما تظل الاستجابة الإنسانية في اليمن معتمدة بدرجة كبيرة على التمويل الدولي.
وفي ظل استمرار القتال، تصبح كل موجة نزوح جديدة عبئاً إضافياً على مخيمات ومجتمعات تعاني أصلاً من نقص الموارد.
باب المندب.. أزمة محلية بأبعاد دولية
لا تنحصر أهمية التطورات العسكرية في آثارها داخل اليمن، فاقتراب الحوثيين من باب المندب يضيف بعداً إقليمياً ودولياً إلى الأزمة.
ويعد المضيق ممراً رئيسياً لحركة السفن بين البحر الأحمر وخليج عدن، ولذلك فإن أي تغير في مستوى السيطرة أو الأمن حوله يمكن أن ينعكس على حركة الملاحة وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والتجارة العالمية.
وقد أثارت المكاسب الحوثية الأخيرة بالفعل مخاوف بشأن مستقبل الملاحة في المنطقة، بالتزامن مع استمرار التوترات الإقليمية الأوسع.
وبذلك، لا يبدو التصعيد الحالي مجرد جولة جديدة من المعارك في الحرب اليمنية، بل تطوراً عسكرياً يقع عند نقطة جغرافية ذات أهمية استراتيجية تتجاوز حدود البلاد.
المدنيون يدفعون الثمن مجدداً
وبينما ينظر الحوثيون إلى تقدمهم على الساحل الغربي باعتباره مكسباً عسكرياً، وتحاول القوات الحكومية وحلفاؤها استعادة زمام المبادرة، يبقى المدنيون أمام الوجه الأكثر قسوة للتصعيد.
أكثر من 129 ألف شخص نزحوا داخل اليمن منذ بدء التصعيد في يونيو وفق أحدث بيانات منظمة الهجرة الدولية، وآلاف آخرون عبروا البحر باتجاه جيبوتي، فيما تتزايد الاحتياجات الإنسانية في مناطق الاستقبال.
ومع استمرار المعارك حول المخا والمناطق المؤدية إلى باب المندب، يواجه اليمنيون احتمال موجة جديدة من النزوح والاحتياجات، في بلد أنهكته سنوات الحرب وتدهور الخدمات وانعدام الأمن الغذائي.
وهكذا، بينما تتغير خطوط السيطرة على الساحل الغربي، تظل الكلفة الإنسانية ثابتة: أسر تفر من منازلها، وأطفال يواجهون نقص الغذاء والخدمات، ومنظمات إغاثية تحاول الاستجابة لأزمة تتسع أسرع من قدرتها على احتوائها.
اقرأ المزيد
الحوثيون يعلنون استهداف الرياض وينبع.. والسعودية تعلن اعتراض الصواريخ
الحوثيون يصعدون ضد السعودية.. هجمات على مأرب ونجران والبحر الأحمر وتحالف دفاعي جديد يغيّر المعادلة
انهيار القطاع الصحي في اليمن مع اتساع القتال.. أطفال بلا أسرّة ومستشفيات على حافة الإغلاق
تصاعد الحرب بين السعودية والحوثيين يشرّد 130 ألف يمني ويعمّق أزمة الجوع في اليمن

