وطن-في قاعات قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان” بالعاصمة الفلبينية مانيلا، بدا أن حرب أوكرانيا حضرت بكامل ثقلها رغم ابتعاد الجغرافيا آلاف الكيلومترات عن خطوط النار. فاللقاء المباشر بين وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ونظيره الروسي سيرغي لافروف تحوّل إلى منصة جديدة لتبادل الرسائل الحادة بشأن مسار الحرب، وحدود التسوية، ومستقبل النظام الدولي.
وقالت صحيفة “إيه بي سي” الإسبانية إن لافروف استثمر أول لقاء رسمي من هذا النوع مع الدبلوماسية الأمريكية منذ سبتمبر الماضي لتأكيد ما تعتبره موسكو “خطاً أحمر”، منتقداً استمرار تدفق الأسلحة الغربية إلى كييف، ومقدماً الموقف الروسي تحت عنوان الدفاع عن “نظام عالمي متعدد الأقطاب وأكثر عدلاً”.
وبحسب الصحيفة، فإن موسكو لا تزال متمسكة بخطابها التقليدي الذي يرى أن الغرب، وخصوصاً أوروبا، يدفع باتجاه خريطة طريق تصعيدية هدفها محاصرة روسيا واستنزافها. غير أن روبيو، في المقابل، حرص على إظهار أن واشنطن لم تقطع هذه المسافة الطويلة إلى مانيلا كي تتعامل مع شروط أحادية أو مطالب مفروضة من جانب واحد.
روبيو: نحتاج أفكاراً جديدة لإنهاء الحرب
وأضافت صحيفة “إيه بي سي” أن وزير الخارجية الأمريكي سعى خلال اللقاء إلى تقديم مقاربة مختلفة، مؤكداً أن مفاهيم السلام السابقة لم تعد صالحة للتعامل مع حرب تحولت إلى صراع استنزاف طويل ومعقد. وقال روبيو إن “المقترحات التي لم تكن مقبولة لأوكرانيا في الماضي، ستكون اليوم أقل قبولاً”، في إشارة إلى تغيّر ميزان المعاناة والتكلفة السياسية والعسكرية منذ بداية الحرب.
وشدد روبيو، وفق ما أوردته الصحيفة الإسبانية، على أن إنهاء الحرب في أوكرانيا لن يتحقق عبر مؤتمر صحفي أو إعلان سريع، بل من خلال عمل دبلوماسي شاق ومستمر، تستطيع واشنطن أن تضطلع فيه بدور بنّاء إذا توفرت الظروف المناسبة. وأضاف: “نريد أن تنتهي الحرب”، واصفاً الصراع الدائر بأنه “غبي وبلا معنى” بعد أن تحول إلى نزيف يومي للطرفين.
وترى واشنطن أن الهدف الأساسي في هذه المرحلة هو وقف المجزرة المستمرة، لكن الطريق إلى طاولة مفاوضات حقيقية لا يزال مرتبطاً بظهور أفكار جديدة يمكن أن تقبل بها موسكو وكييف معاً. وحتى ذلك الحين، يبقى الصراع مفتوحاً في خنادق دونباس، وفي مراكز القرار الأوروبية، وعلى طرق التجارة والطاقة في الشرق الأوسط.
استنزاف عسكري روسي وضغط متزايد على كييف
وكشفت صحيفة “إيه بي سي” أن تقديرات استخباراتية أمريكية منسوبة إلى البنتاغون ترسم صورة قاسية للميدان، حيث تخسر روسيا نحو 5 آلاف جندي أسبوعياً، في معدل يعكس حجم الاستنزاف البشري الذي تتعرض له قوات موسكو. وتزامن ذلك مع تحوّل تكتيكي في مسار الحرب، إذ لم تعد العمق الروسي ومناطق الإسناد الخلفية بعيدة عن الضربات الأوكرانية كما كان الحال في مراحل سابقة.
وبحسب الصحيفة، فإن روسيا التي تمتعت لفترة طويلة بهامش واسع من الحركة في خطوطها الخلفية باتت تواجه ضربات أكثر انتظاماً تستهدف بنيتها اللوجستية وعمقها الاستراتيجي، بما كشف ثغرات لم تكن واضحة قبل عام واحد فقط. وفي المقابل، لا تبدو أوكرانيا بعيدة عن دائرة الإنهاك، إذ تعاني بنيتها التحتية الحيوية ضغوطاً متواصلة مع اقتراب فصل الشتاء.
وتشير القراءة الأمريكية، كما نقلتها “إيه بي سي”، إلى أن قدرة كييف على الصمود خلال المرحلة المقبلة ستتوقف إلى حد كبير على الحفاظ على منظومة الدفاع الجوي، في ظل استمرار الهجمات الروسية بالطائرات المسيرة والصواريخ. فحماية السماء الأوكرانية لم تعد مجرد أولوية عسكرية، بل شرطاً سياسياً لأي مفاوضات مستقبلية قد تفرضها ظروف الحرب.
عقوبات أوروبية جديدة على موسكو و”الأسطول الظل”
وعلى جبهة العقوبات، قالت صحيفة “إيه بي سي” إن الاتحاد الأوروبي يتحرك لتشديد الخناق المالي على روسيا، بعدما دفعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين نحو تمرير الحزمة الحادية والعشرين من العقوبات ضد موسكو. وجرى التوصل إلى هذه الحزمة بعد مفاوضات طويلة ووساطة إيرلندية ساعدت في تجاوز الخلافات داخل الاتحاد.
وتستهدف العقوبات الأوروبية الجديدة، بحسب ما أوردته الصحيفة، أكثر من 90 مؤسسة مالية روسية، بينها بورصة موسكو، في محاولة لعزلها عن النظام المالي العالمي وتقليص قدرة الكرملين على تمويل عملياته العسكرية في أوكرانيا.
لكن الضربة الأبرز في الحزمة الجديدة تتعلق بقطاع الطاقة، إذ قرر الاتحاد الأوروبي تثبيت سقف سعر النفط الروسي لمدة 12 شهراً، مع إدراج سفن تابعة لما يعرف بـ”الأسطول الظل” على القائمة السوداء للمرة الأولى. وتعد هذه السفن، وفق الصحيفة الإسبانية، إحدى الأدوات التي تعتمد عليها موسكو للالتفاف على العقوبات ومواصلة تصدير النفط بطرق ملتوية.
وترى بروكسل أن استهداف هذه الشبكة البحرية يمثل خطوة أساسية لتجفيف مصادر التمويل التي تغذي آلة الحرب الروسية، خصوصاً أن عائدات الطاقة لا تزال تشكل أحد أهم روافد الميزانية الروسية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
الشرق الأوسط يدخل حسابات واشنطن
وفي موازاة الملف الأوكراني، أوضحت صحيفة “إيه بي سي” أن واشنطن باتت تنظر بقلق متزايد إلى اتساع رقعة التوتر في الشرق الأوسط، خاصة مع تصاعد دور جماعة الحوثي، التي تصفها واشنطن بأنها ذراع لإيران في استهداف طرق الملاحة الحيوية.
وتخشى الإدارة الأمريكية من أن يؤدي الضغط الحوثي على الممرات البحرية المرتبطة بالسعودية إلى اضطراب أوسع في حركة التجارة والطاقة، خصوصاً مع مرور ناقلات نفط سعودية عملاقة تحت أغطية تجارية مرتبطة بالصين. وبحسب الصحيفة، فإن أي خلل في حركة الإمدادات عبر البحر الأحمر قد يلامس مباشرة المصالح الصينية، وهو ما يرفع مستوى الحساسية الاستراتيجية بالنسبة لواشنطن.
وأضافت الصحيفة أن الصين باتت حاضرة في صلب العقيدة الأمنية الأمريكية، ليس فقط في المحيطين الهندي والهادئ، بل أيضاً في الشرق الأوسط، حيث تسعى واشنطن إلى تحصين تحالفاتها التقليدية ومنع بكين وموسكو من توسيع نفوذهما داخل البنية الأمنية والاقتصادية للمنطقة.
دبلوماسية الذرة مع السعودية
وفي هذا السياق، أشارت صحيفة “إيه بي سي” إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لجأت إلى ما يمكن وصفه بـ”دبلوماسية الذرة”، عبر دعم اتفاق طويل الأمد مع السعودية يمتد لثلاثة عقود، يتيح للرياض تطوير برنامج نووي مدني يشمل تخصيب اليورانيوم.
وبحسب الصحيفة، فإن البرنامج المعلن بوصفه مشروعاً مدنياً بمليارات الدولارات يحمل أبعاداً استراتيجية أوسع، إذ يهدف إلى إدخال الشركات والتكنولوجيا الأمريكية في قلب البنية النووية السعودية، بما يقلل فرص تمدد النفوذ الروسي أو الصيني في هذا القطاع الحساس.
وبين مانيلا ودونباس وبروكسل والبحر الأحمر، تبدو السياسة الخارجية الأمريكية أمام لوحة شديدة التعقيد: حرب أوكرانيا تستنزف أوروبا وروسيا، والعقوبات تبحث عن خنق موارد الكرملين، والشرق الأوسط يعود بقوة إلى مركز الحسابات الدولية، فيما تبقى الصين حاضرة في خلفية كل قرار استراتيجي تتخذه واشنطن.
قد يعجبك
وداعاً لـ “باتريوت”! أوكرانيا و9 دول أوروبية يطلقون منظومة الدفاع الجوي المرعبة “فريا”…
أوكرانيا تعلن استهداف 200 ألف هدف روسي خلال شهر واحد.. كييف تكشف حصيلة غير مسبوقة للحرب

