وطن-تتجه أوكرانيا، بدعم من عدد من شركائها الأوروبيين، إلى بناء منظومة دفاع مشتركة مضادة للصواريخ الباليستية تحمل اسم «فريا» Freyja، في خطوة قد تمثل تحولاً مهماً في بنية الدفاع الجوي الأوروبي خلال العام المقبل، وسط تصاعد الهجمات الصاروخية الروسية وتنامي المخاوف من اتساع التهديدات الباليستية عالمياً.
وقالت صحيفة “إل إندبندينتي” الإسبانية إن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن، خلال اجتماع «التحالف المضاد للصواريخ الباليستية»، أن المنظومة الجديدة قد تدخل الخدمة خلال الأشهر الـ12 المقبلة، مشيراً إلى أن كييف تعمل مع دول أوروبية وشركات دفاعية كبرى على استكمال مكونات المشروع.
وتشارك إسبانيا في المبادرة الأوروبية الأوكرانية، وفق ما أعلنه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز عبر حسابه على منصة «إكس». وبحسب ما أوردته الصحيفة، تضم المبادرة إلى جانب أوكرانيا وإسبانيا كلاً من الدنمارك وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا والنرويج والسويد والمملكة المتحدة.
وقال زيلينسكي إن أوروبا باتت بحاجة إلى حماية أكبر من الصواريخ الباليستية، مضيفاً: «معاً يمكننا إنشاء هذا النظام. أوكرانيا مستعدة لتقديم مساهمتها، وهي الصاروخ المضاد للصواريخ الباليستية، ونحن حالياً في المراحل الأخيرة من العمل عليه».
«فريا» مشروع استراتيجي لأمن أوروبا
وشدد الرئيس الأوكراني، وفق الصحيفة الإسبانية، على أهمية الوصول إلى توافق سياسي بين القادة الأوروبيين من أجل اعتماد منظومة «فريا» مشروعاً استراتيجياً على مستوى القارة، لا مجرد برنامج عسكري محدود. وتهدف المبادرة إلى إنشاء بنية دفاع جوي قادرة على التصدي للصواريخ الباليستية بدرجة عالية من الموثوقية، مع خفض التكلفة مقارنة بمنظومات أخرى مثل «باتريوت».
وتأتي هذه الخطوة في وقت تحاول فيه كييف تنويع مصادر تسليحها وتطوير قدراتها الذاتية، خصوصاً بعد الضغوط الكبيرة التي تعرضت لها دفاعاتها الجوية نتيجة تكثيف موسكو ضرباتها الصاروخية. وأضافت الصحيفة أن زيلينسكي كان قد حصل، خلال لقائه الأخير مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هامش قمة حلف شمال الأطلسي، على موافقة مبدئية تسمح لأوكرانيا بتصنيع منظومات «باتريوت» الخاصة بها، إلا أن هذا المسار يحتاج إلى وقت طويل واستثمارات ضخمة.
الصاروخ الأوكراني FP-7.x في قلب المشروع
وبحسب ما نقلته “إل إندبندينتي”، شهد اجتماع التحالف مشاركة واسعة من دول وشركات دفاعية أوروبية مستعدة لتجميع الموارد والخبرات اللازمة لإنجاح المنظومة. ومن بين الشركات التي حضرت الاجتماع «ليوناردو» الإيطالية، و«تاليس» الفرنسية، و«ساب» السويدية، إلى جانب شركة «فاير بوينت» الأوكرانية.
وأفادت منصة “United24” بأن أوكرانيا تقترب من الانتهاء من تطوير صاروخها الاعتراضي المحلي، بينما يمتلك الشركاء الدوليون تقنيات رادار متقدمة ومكونات أساسية مطلوبة لجعل المنصة الدفاعية قابلة للتشغيل على نطاق واسع.
وتتولى شركة «فاير بوينت» الأوكرانية تطوير الصاروخ الاعتراضي FP-7.x، المصنوع من مواد مركبة، ما يسمح بتقليل تكلفة الإطلاق بشكل كبير مقارنة ببعض الأنظمة الغربية باهظة الثمن. ووفق المعلومات التي أوردتها الصحيفة الإسبانية، أجرت الشركة اختبارات على الصاروخ في فبراير الماضي، ويمكنه بلوغ سرعة تتراوح بين 1500 و2000 متر في الثانية.
وتكتسب هذه السرعة أهمية خاصة عند مقارنتها بسرعة الصاروخ الروسي الباليستي «إسكندر-إم»، التي تصل في نهاية مرحلة الطيران النشط إلى نحو 2100 متر في الثانية، ما يجعل اعتراض هذا النوع من الصواريخ تحدياً بالغ التعقيد لأي منظومة دفاع جوي.
ويُجهز الصاروخ الاعتراضي الأوكراني بباحث يعمل وفق تقنية التصوير بالأشعة تحت الحمراء Image Infra-Red، كما توجد خطط لتزويده بباحث شبه نشط من إنتاج شركة “Diehl Defence” الألمانية، بما يعزز دقة الاعتراض وفرص إصابة الهدف في ظروف تشغيلية معقدة.
رادارات أوروبية متقدمة لدعم المنظومة
وكشفت الصحيفة أن المشروع يدرس ثلاثة خيارات رئيسية للرادارات الأرضية بعيدة المدى، وهي رادار SAAB Giraffe 8A/4A السويدي، ورادار Thales Ground Master 400 الفرنسي، ورادار Hensoldt TRML-4D الألماني. وتعد هذه المنظومات من المكونات الحاسمة في بناء شبكة دفاعية قادرة على رصد الصواريخ الباليستية مبكراً وتوجيه الصواريخ الاعتراضية نحوها.
وتراهن كييف وشركاؤها الأوروبيون على أن الجمع بين الصاروخ الأوكراني الأقل تكلفة والتقنيات الأوروبية المتقدمة في الرصد والتوجيه قد يتيح بناء منظومة دفاع صاروخي أكثر انتشاراً واستدامة، خصوصاً في ظل ارتفاع تكلفة تشغيل منظومات مثل «باتريوت» ومحدودية الذخائر الاعتراضية المتاحة.
تهديد باليستي متصاعد عالمياً
وقال زيلينسكي: «آمل أن نرى خلال الأشهر الـ12 المقبلة نظام فريا قيد التشغيل. إن التهديد الذي تمثله الصواريخ الباليستية سيزداد في جميع أنحاء العالم، وهذه إحدى النتائج الرئيسية لحروب روسيا وإيران. لذلك يجب أن يتحول فريا إلى واقع».
وبحسب ما أوردته الصحيفة الإسبانية، ترى كييف أن التعاون العسكري المتزايد بين روسيا وإيران وكوريا الشمالية سيؤدي إلى تفاقم التهديدات الباليستية على المستوى العالمي، وليس فقط في ساحة الحرب الأوكرانية. وتخشى الدول الأوروبية من أن تنتقل خبرات استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة في الحروب الحالية إلى مناطق توتر أخرى.
وأضاف زيلينسكي أن روسيا «تراهن بكل شيء» على الهجمات الصاروخية الباليستية ضد المدن والبلدات الأوكرانية بهدف كسر إرادة الشعب الأوكراني وحرمان البلاد من القدرة على الدفاع عن نفسها.
وتعيش أوكرانيا وضعاً حرجاً بسبب نقص الذخائر المخصصة لمنظومات الدفاع الجوي، إذ أشارت الصحيفة إلى أن كييف كانت خلال الشهر الأخير شبه عاجزة عن إسقاط الصواريخ الباليستية التي تتحرك بسرعات تفوق سرعة الصوت بعدة مرات، وهو ما زاد الضغط على القيادة الأوكرانية لطلب إمدادات إضافية من الحلفاء.
كييف تطلب دعماً أوسع وترد بالمسيرات داخل روسيا
ودعا زيلينسكي حلفاء بلاده إلى توفير مزيد من الذخائر والأنظمة الدفاعية، كما حث أوروبا على التعاون في تطوير منظومة دفاع جوي مضادة للصواريخ الباليستية تمتلكها القارة وتستطيع تشغيلها بكفاءة. وأسفرت هذه الدعوات عن تشكيل «التحالف المضاد للصواريخ الباليستية»، الذي يمثل الإطار السياسي والعسكري لمشروع «فريا».
ومع تصاعد الضربات الروسية على المدن والبنية التحتية الأوكرانية، كثفت كييف بدورها هجماتها بالطائرات المسيرة داخل الأراضي الروسية، مستهدفة خصوصاً منشآت النفط ومصانع إنتاج الأسلحة. ووفق الصحيفة الإسبانية، أصاب سرب من الطائرات المسيرة قبل أسابيع مصفاة تابعة لشركة «لوك أويل» في مدينة بيرم، على بعد أكثر من 1500 كيلومتر من خط الجبهة.
وفي مؤشر على اتساع تأثير هذه الهجمات، أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قراراً يقضي بأن تتحمل جميع المصافي الروسية تكاليف أنظمة دفاع جوي خاصة بها، في محاولة للحد من الخسائر المتزايدة التي تسببها الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى.
واعتبر زيلينسكي أن امتلاك أوكرانيا وسائل أكبر لإسقاط الصواريخ الباليستية الروسية سيزيد فرص دفع بوتين إلى طاولة المفاوضات، قائلاً إن آخر أوراق الضغط التي يستخدمها الكرملين في هذه الحرب ستفقد قيمتها إذا نجحت كييف في تحييد التهديد الباليستي.
وبحسب الصحيفة، فإن الخطوة التي جرى بحثها في باريس قد تكون حاسمة إذا وصلت إلى نتائج عملية، ليس فقط لتعزيز دفاعات أوكرانيا، بل أيضاً لبناء مظلة دفاع صاروخي أوروبية أكثر استقلالية في مواجهة مرحلة أمنية تتسم بتزايد المخاطر وتغير طبيعة الحروب.
اقرأ المزيد
أوكرانيا تعلن استهداف 200 ألف هدف روسي خلال شهر واحد.. كييف تكشف حصيلة غير مسبوقة للحرب
روسيا تستورد البنزين لأول مرة منذ الحرب.. هجمات أوكرانيا تضرب قلب صناعة النفط وتفاقم أزمة الوقود
قبل قمة الناتو.. بوتين يبلغ ترامب: روسيا ستواصل الحرب حتى السيطرة الكاملة على دونباس

