وطن-تتجه الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى مرحلة أكثر خطورة، بعدما كشف البنتاغون عن ارتفاع ملحوظ في خسائر الجيش الأمريكي خلال الأسبوعين الأخيرين، في وقت يواجه فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطاً سياسية وعسكرية متزايدة بسبب كلفة الصراع، ونقص الذخائر، وغياب أفق واضح لإنهاء الحرب.
وقالت صحيفة “لا راثون” الإسبانية إن وزارة الدفاع الأمريكية أكدت إصابة ما يقرب من 100 عسكري أمريكي منذ عودة التصعيد مع إيران قبل 15 يوماً، إضافة إلى مقتل أربعة جنود خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية. وبذلك ترتفع حصيلة الحرب، المستمرة منذ نحو خمسة أشهر، إلى 18 قتيلاً وأكثر من 430 مصاباً في صفوف القوات الأمريكية.
وأوضحت الصحيفة أن هذه الخسائر الجديدة زادت الضغط داخل واشنطن من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، غير أن إدارة ترامب لا تبدو في وارد خفض التصعيد. فقد توعد الرئيس الأمريكي برد أقوى، وكتب عبر منصته «تروث سوشيال»: «في كل مرة تقتل فيها إيران جندياً أمريكياً، ستدفع ثمن ذلك أضعافاً مضاعفة».
وبحسب ما أوردته صحيفة “لا راثون”، أكد ترامب أن أوامره بالرد على أي خسائر جديدة وصلت بالفعل إلى وزير الدفاع بيت هيغسيث، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دانيال كين، وإلى كبار قادة القوات المسلحة الأمريكية. كما انتقد الرئيس الأمريكي إجراءات التأمين في القاعدة الواقعة في الأردن، حيث قُتل عسكريون أمريكيون، قائلاً إن ما حدث «لم يكن ليقع» لو كانت القوات الأمريكية هي التي تدير العمليات الأمنية بشكل مباشر، مضيفاً: «نترك آخرين يقومون بعملنا، وأحياناً لا تسير الأمور كما ينبغي».
في المقابل، تبدو المشكلة الأكبر أمام واشنطن أن أي تصعيد عسكري إضافي يحتاج إلى موارد ضخمة، في وقت تتآكل فيه مخزونات الذخيرة الأمريكية بسرعة. ووفقاً للتقرير، فإن بعض الكميات المخصصة لعمليات البحرية والقوات الجوية قد تنفد خلال أسابيع، وربما قبل نهاية يوليو الجاري، إذا استمر معدل الاستخدام العسكري الحالي.
ولهذا السبب، مثل وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أمام مجلس الشيوخ، يوم الثلاثاء، في جلسة استمرت قرابة ثلاث ساعات. وكشفت صحيفة “لا راثون” الإسبانية أن رئيس البنتاغون قدّر تكلفة الحرب ضد إيران حتى الآن بنحو 37.5 مليار دولار، مطالباً بتمويل إضافي عاجل يقارب 67 مليار دولار، من أجل استمرار العمليات العسكرية وتعويض النقص في الأسلحة والذخائر.
كما ذكرت وكالة “أوروبا برس” أن هيغسيث رفع تقدير تكلفة الحرب مع إيران إلى ما يعادل 32.875 مليار يورو، مشدداً على أن التمويل الإضافي بات «ملحاً» لتجنب أزمة سيولة داخل بعض أفرع القوات المسلحة الأمريكية. وحذر وزير الدفاع من أن عدم موافقة الكونغرس سريعاً على الأموال المطلوبة سيجبر البنتاغون على تقليص التدريبات الجارية، وكذلك المناورات المخطط لها خلال الأشهر المقبلة.
وخلال الجلسة، دافع هيغسيث عن أداء الإدارة الأمريكية في الحرب، لكنه تجنب الإجابة بشكل مباشر عن سؤالين أساسيين: إلى متى يمكن أن يستمر الصراع؟ وكم ستكون كلفته النهائية؟ وأشارت الصحيفة الإسبانية إلى أن الانتقادات لم تأت من الديمقراطيين وحدهم، بل شملت أيضاً عدداً من الجمهوريين الذين عبّروا عن قلقهم من غياب استراتيجية واضحة، ومن محدودية المعلومات التي يقدمها البيت الأبيض للكونغرس، إلى جانب الارتفاع المستمر في الكلفة البشرية والمالية للحرب.
وانتقد بعض أعضاء مجلس الشيوخ استمرار ترامب في العمليات العسكرية دون تفويض مباشر من الكونغرس، معتبرين أن الإدارة تذهب بعيداً في استخدام القوة من دون غطاء تشريعي محدد. ورد هيغسيث بأن الدستور الأمريكي يمنح الرئيس صلاحية إصدار أوامر بمثل هذه العمليات، في إطار سلطاته كقائد أعلى للقوات المسلحة.
وتطرقت الجلسة أيضاً إلى احتمال استهداف منشأة نووية إيرانية مفترضة تقع تحت ما يعرف باسم «جبل بيكاكس»، وهو موقع يبعد نحو 220 كيلومتراً عن العاصمة طهران، وتشتبه واشنطن في أنه قد يكون مرتبطاً بعمليات تخصيب اليورانيوم. وكان ترامب قد ألمح في أكثر من مناسبة إلى إمكانية ضرب هذا الموقع «قريباً جداً».
لكن، وبحسب ما نقلته صحيفة “لا راثون”، رفض وزير الدفاع الأمريكي الكشف عن تفاصيل بشأن القدرات العسكرية المطلوبة لتنفيذ مثل هذا الهجوم، مكتفياً بالقول إن «الكثير من قدراتنا مصنفة وسرية». وجاء هذا الرد ليزيد الغموض حول الخطوة المقبلة للولايات المتحدة في الحرب مع إيران.
وتأتي أزمة التمويل ونقص الذخائر في وقت تتسارع فيه وتيرة الحرب من جديد. فالولايات المتحدة وإيران دخلتا في حلقة تصعيدية، حيث يستخدم كل طرف هجمات الطرف الآخر لتبرير ضربات جديدة. وحتى الآن، لم تنجح الضربات الأمريكية في دفع طهران إلى التراجع أو تغيير حساباتها، بينما لا تزال إيران، بحسب التقرير، تمتلك قدرة على الرد.
وفي الوقت ذاته، لم تنجح المبادرة الدولية الخاصة بهدنة لمدة عشرة أيام في فتح مسار تفاوضي ثابت. وتقول الصحيفة الإسبانية إن إدارة ترامب تراهن على أن الضغط العسكري والاقتصادي سيقود إيران في النهاية إلى طاولة المفاوضات، لكن منتقدي هذه السياسة يخشون أن تكون الولايات المتحدة قد دخلت حرباً جديدة مفتوحة المدى، من دون تفويض واضح من الكونغرس، ومن دون خطة خروج محددة.
ويبدو أن خيارات ترامب تضيق تدريجياً. فإسقاط النظام الإيراني لم يعد، وفق تقديرات متزايدة داخل واشنطن، هدفاً عسكرياً قابلاً للتحقيق بتكلفة مقبولة. وللوصول إلى هذا السيناريو، سيكون على الولايات المتحدة خوض حملة عسكرية أوسع وأكثر دموية وكلفة، وهو ما لا يبدو أن البيت الأبيض مستعد لتحمل تبعاته السياسية والعسكرية.
وبينما يواصل البنتاغون طلب المزيد من الأموال والذخائر، يبقى السؤال الأبرز معلقاً في واشنطن: إذا كانت الضربات لا تكفي لإخضاع إيران، وإذا كان إسقاط النظام ليس خياراً واقعياً، فما النهاية التي تريدها الولايات المتحدة من هذه الحرب؟
اقرأ المزيد
الحرب تتوسع.. إيران تضرب قواعد أمريكية في البحرين والكويت والأردن وتُبقي مضيق هرمز مغلقًا
الحرب مع إيران تدفع واشنطن لإعادة التفكير في نفوذها بالشرق الأوسط.. التنمية بديلاً عن القوة العسكرية
طبول الحرب في الخليج: كيف نسف إعلان ترامب مذكرات التهدئة وأشعل المواجهة مع إيران؟

