وطن-صعّدت الولايات المتحدة، الأربعاء، حملتها العسكرية ضد إيران بتنفيذ ليلة جديدة من الضربات المتواصلة، في تطور يمدد نطاق الحرب الأميركية الإسرائيلية ويزيد الضغوط على طرق الشحن الحيوية في الخليج، ولا سيما مضيق هرمز، وسط ارتفاع متسارع في أسعار النفط وتزايد كلفة الحرب على الداخل الأميركي.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن الهجمات الأميركية استمرت لليلة الحادية عشرة على التوالي، في وقت ردت فيه طهران باستهداف منشآت عسكرية أميركية في الكويت والأردن والبحرين، ضمن محاولة إيرانية لإضعاف القدرات العسكرية الأميركية المنتشرة في المنطقة.
وأعلنت القيادة المركزية الأميركية، في بيان، أن الهجوم الأخير استمر نحو 75 دقيقة، واستهدف ما وصفته بـ”مراكز عمليات عسكرية إيرانية، وقدرات بحرية، وحظائر طائرات، ومنشآت تخزين طائرات مسيرة، وبنية تحتية لوجستية عسكرية”.
وبحسب ما أوردته وكالة فارس الإيرانية، فقد طالت الضربات موقعاً عسكرياً خارج مدينة تبريز في شمال غرب إيران، إلى جانب مواقع أخرى في محافظة خوزستان جنوب غربي البلاد. كما أفادت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية IRIB بتعرض مناطق في محافظة إيلام القريبة من الحدود العراقية، وكذلك قضاء كبودر آهنغ في محافظة همدان، لهجمات مماثلة.
إيران ترد بضرب قواعد أميركية في الخليج
وفي المقابل، أعلنت إيران إطلاق طائرات مسيرة باتجاه منشآت عسكرية أميركية في الكويت والأردن والبحرين، في إطار رد مباشر على الضربات الأميركية المتكررة. وقالت القوات المسلحة الإيرانية إنها استهدفت “مخازن ذخيرة” و”معدات لوجستية تابعة لقيادة القوات البرية” في معسكر الدوحة غرب الكويت.
ونقلت وكالة تسنيم شبه الرسمية عن بيان عسكري إيراني قوله إن “القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبوحدة مقدسة، مستعدة للتصدي بحزم لأي مؤامرة أو مغامرة جديدة من جانب العدو”.
وأضافت الصحيفة البريطانية أن الجيش الإيراني أعلن أيضاً استهداف قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن، وقاعدة عيسى الجوية في البحرين. وأوضح البيان الإيراني أن الطائرات المسيرة استهدفت، صباحاً، “مباني السكن والرفاه” و”مستودعات المعدات” التابعة للجيش الأميركي في قاعدة الأزرق بالأردن.
كما ذكر البيان أن طائرات مسيرة أخرى استهدفت في قاعدة الشيخ عيسى الجوية بالبحرين “مستودعات ومظلات كبيرة للمعدات”، إضافة إلى “حظائر صيانة وإصلاح الطائرات الثقيلة”، مستخدماً أوصافاً حادة ضد الجيش الأميركي في سياق الخطاب الإيراني الرسمي.
ارتفاع حصيلة قتلى الجنود الأميركيين
وقالت وزارة الدفاع الأميركية إن جندياً أميركياً ثالثاً يُعتقد أنه قُتل بعد الضربة الإيرانية التي استهدفت قاعدة موفق السلطي الجوية في 17 يوليو، موضحة أن الجندي، البالغ من العمر 28 عاماً، كان مدرجاً سابقاً في عداد المفقودين.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، فإن إعلان وفاة الجندي يرفع عدد العسكريين الأميركيين الذين قتلوا منذ بدء الحرب في 28 فبراير إلى 18 جندياً، في مؤشر على تزايد الكلفة البشرية للانخراط الأميركي المباشر في المواجهة.
شلل متزايد في مضيق هرمز والبحر الأحمر
وتزامن التصعيد العسكري مع اضطراب واضح في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم. وقالت شركة تحليلات الشحن Kpler إن ثلاث سفن فقط لنقل السلع عبرت المضيق يوم الثلاثاء، مقارنة بأربع سفن يوم الاثنين، فيما لم تُسجل أي ناقلات نفط عملاقة أو ناقلات غاز طبيعي مسال أثناء عبور الممر البحري.
وأضافت الصحيفة أن الاضطراب امتد أيضاً إلى البحر الأحمر، حيث عادت ناقلتان محملتان بالنفط الخام السعودي والمتجهتان إلى آسيا أدراجهما قرب مضيق باب المندب، بعد تهديد جماعة الحوثي في اليمن بفرض حصار على الشحن السعودي.
ويزيد هذا التطور من المخاوف المرتبطة بأمن إمدادات الطاقة العالمية، خصوصاً مع تزامن التوتر في مضيق هرمز مع تهديدات جديدة في باب المندب، ما يضع اثنين من أهم الممرات البحرية أمام ضغوط أمنية متصاعدة.
واشنطن تتحدث عن التفاوض رغم استمرار الحرب
وعلى المسار الدبلوماسي، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن واشنطن لا تزال مستعدة للتفاوض، وذلك خلال اجتماع مع وزراء خارجية دول جنوب شرق آسيا في العاصمة الفلبينية مانيلا.
ويأتي ذلك، وفق ما ذكرت “ميدل إيست آي”، رغم توقيع واشنطن وطهران مذكرة تفاهم في 17 يونيو نصت على “إنهاء فوري ودائم” للعمليات العسكرية. كما ألزمت المذكرة الولايات المتحدة بإنهاء الحصار البحري، وفتحت نافذة تفاوض مدتها 60 يوماً.
غير أن واشنطن، بحسب الصحيفة، سعت لاحقاً إلى إعادة تفسير بنود الاتفاق المتعلقة بالسيطرة على مضيق هرمز، كما أخفقت في وقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان، رغم أن وقف تلك الهجمات كان البند الأول في الاتفاق.
وقال روبيو في مانيلا: “إذا كانوا جادين، فنحن جادون. وإذا لم يكونوا كذلك، فسنفعل ما يلزم لحماية مصالحنا ومصالح حلفائنا أيضاً”.
وخارج مقر الاجتماع، رفع محتجون لافتات كتب عليها: “مجرمو الحرب غير مرحب بهم” و”امنعوا ترامب.. امنعوا روبيو”، في انعكاس لتزايد المعارضة الشعبية للحرب والسياسة الأميركية في المنطقة.
تحركات قطرية وسعودية لخفض التصعيد
وفي إطار الجهود الإقليمية لاحتواء التصعيد، بحث رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني ووزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، خلال اتصال هاتفي الثلاثاء، مساعي خفض التوتر.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، دعت قطر جميع الأطراف إلى تنفيذ مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، بما في ذلك تقديم ضمانات لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وفي الوقت ذاته، أدانت دولة الإمارات خطة الحوثيين لفرض حصار بحري، بعد امتداد المواجهات المرتبطة بالجماعة والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إلى داخل الأراضي السعودية.
أسعار النفط تقفز وكلفة الحرب تتصاعد
اقتصادياً، انعكس التصعيد العسكري مباشرة على أسواق الطاقة، إذ ارتفع خام برنت بأكثر من 2% يوم الأربعاء، متجاوزاً مستوى 94 دولاراً للبرميل، مع تزايد المخاوف من اضطراب إمدادات النفط والغاز بسبب الضربات الأميركية والتهديدات المتنامية للملاحة الإقليمية.
وقالت “ميدل إيست آي” إن إدارة الرئيس دونالد ترامب تطلب من الكونغرس تمويلاً عسكرياً إضافياً بقيمة 70 مليار دولار، إلى جانب السعي لاعتماد ميزانية للبنتاغون تبلغ 1.5 تريليون دولار لعام 2027.
وانتقدت السيناتورة الديمقراطية كيرستن جيليبراند الإدارة الأميركية، متهمة إياها بالمطالبة بـ”أموال غير محدودة للقنابل”، في وقت يتم فيه إهمال الرعاية الصحية والغذاء والسكن والمزارعين. كما قال السيناتور غاري بيترز لوزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث: “المسألة ليست مسألة مال، بل مسألة قيادة”.
ووفق مؤشر تتبع كلفة حرب إيران، فقد تجاوزت كلفة الحرب على دافعي الضرائب الأميركيين 100 مليار دولار حتى 16 يونيو، وهو آخر تقدير منشور. كما أظهر مؤشر جامعة براون لتتبع كلفة الطاقة المرتبطة بحرب إيران أن الأسر الأميركية دفعت أكثر من 72 مليار دولار كتكاليف إضافية للوقود، أي ما يعادل نحو 544 دولاراً لكل أسرة.
ومع استمرار الحرب وتوسع نطاقها من إيران إلى الخليج والبحر الأحمر، تبدو كلفة التصعيد مرشحة للارتفاع، سواء على مستوى الخسائر العسكرية أو أمن الشحن العالمي أو أسعار الطاقة التي باتت تتحرك تحت ضغط مباشر من المواجهة المفتوحة في المنطقة.
اقرأ أيضاً
خيار الإنزال البري بجزيرة خارك: هل تنزلق أمريكا لحرب استنزاف مع إيران؟
الحرب تتوسع.. إيران تضرب قواعد أمريكية في البحرين والكويت والأردن وتُبقي مضيق هرمز مغلقًا
الحرب مع إيران تدفع واشنطن لإعادة التفكير في نفوذها بالشرق الأوسط.. التنمية بديلاً عن القوة العسكرية
واشنطن تقصف محطة دارخوين النووية.. إيران تتهم أمريكا بـ”العدوان الوحشي” وتتوعد برد قاسٍ

