وطن-يواجه رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، واحداً من أصعب التحديات السياسية في مسيرته، بعدما تولى قيادة المفاوضات مع الولايات المتحدة لإنهاء المواجهة بين البلدين، في وقت يواجه فيه انتقادات حادة من التيار المحافظ المتشدد الذي يتهمه بالتخلي عن أوراق القوة الإيرانية لصالح الدبلوماسية.
وبحسب تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، فإن قاليباف، الذي يعد من أبرز الشخصيات المحافظة في إيران وأحد القادة السابقين في الحرس الثوري الإيراني، يسعى إلى إيجاد تسوية سياسية مع واشنطن، مع الحفاظ في الوقت نفسه على دعم القاعدة المحافظة وعدم الاصطدام بالمؤسسة الحاكمة.
محافظ براغماتي يفضل الحوار مع الغرب
ونقل الموقع عن مصدر سياسي إيراني رفيع، طلب عدم الكشف عن هويته، أن قاليباف يُصنف ضمن التيار المحافظ البراغماتي، إذ يؤيد تحسين العلاقات مع الدول الغربية، مع الإبقاء على الشراكة الاستراتيجية مع الصين.
وأوضح المصدر أن توجهات قاليباف الخارجية تشبه إلى حد كبير سياسات الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، إلا أنه يختلف عنه في حرصه على عدم خسارة التيار المحافظ الذي يشكل قاعدة نفوذه السياسية.
وأضاف المصدر أن الزعيم الإيراني الحالي مجتبى خامنئي يتبنى رؤية متقاربة مع قاليباف في عدد من الملفات الاستراتيجية، وهو ما عزز التحالف بين الرجلين خلال السنوات الماضية.
علاقة وثيقة مع مجتبى خامنئي
وأشار التقرير إلى أن العلاقة بين قاليباف ومجتبى خامنئي تعود إلى بدايات الألفية الجديدة، حيث تطورت تدريجياً إلى شراكة سياسية وثيقة.
وأوضح المصدر أن الدعم الذي يحظى به قاليباف من مجتبى خامنئي ساعده على مواجهة الضغوط المتزايدة التي مارسها المحافظون المتشددون منذ انطلاق المفاوضات مع الولايات المتحدة.
وأضاف أن شخصيات متشددة لجأت إلى مجتبى خامنئي بعد الجولة الأولى من المفاوضات التي عقدت في إسلام آباد، متهمة قاليباف بتجاوز الخطوط الحمراء الإيرانية، إلا أن تلك المحاولات لم تنجح، بل استمر خامنئي في دعمه، قبل أن يعينه لاحقاً ممثلاً خاصاً لإيران لدى الصين.
من ساحات الحرب إلى قيادة البرلمان
يعد قاليباف من أبرز الشخصيات العسكرية والسياسية في الجمهورية الإسلامية. فقد انضم إلى الحرس الثوري الإيراني في بداية الحرب العراقية الإيرانية، وشارك في المعارك الميدانية، حيث فقد شقيقه خلال الحرب.
وسرعان ما تدرج في المناصب العسكرية حتى أصبح قائداً لسلاح الجو في الحرس الثوري خلال تسعينيات القرن الماضي.
وخلال احتجاجات الطلبة عام 1999، كان من بين 24 قائداً في الحرس الثوري وقعوا رسالة شديدة اللهجة إلى الرئيس الإيراني آنذاك محمد خاتمي، حذروا فيها من استمرار الاحتجاجات.
وكشف قاليباف لاحقاً أنه شارك مع قائد فيلق القدس الراحل قاسم سليماني في صياغة تلك الرسالة وجمع توقيعات القادة العسكريين عليها.
أصغر قائد للشرطة الإيرانية
في عام 2000، عُين قاليباف قائداً لقوات الشرطة الإيرانية، ليصبح أحد أصغر المسؤولين الأمنيين الكبار في البلاد، كما تولى لاحقاً رئاسة هيئة مكافحة التهريب.
وخلال فترة قيادته للشرطة، قاد برامج لتحديث الأجهزة الأمنية، شملت تزويد الشرطة بمركبات ومعدات حديثة، وهو ما اعتبره لاحقاً من أبرز إنجازاته.
محاولات رئاسية متكررة
بعد انتقاله إلى العمل السياسي، خاض قاليباف الانتخابات الرئاسية ثلاث مرات. فقد خسر انتخابات عامي 2005 و2013، قبل أن ينسحب في انتخابات 2017 لصالح الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي بهدف توحيد أصوات المحافظين.
وكشف مصدر سياسي للموقع أن قاليباف كان يعتزم الترشح أيضاً في انتخابات عام 2009، إلا أن المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي طلب منه عدم خوض السباق.
وأضاف المصدر أن قاليباف وضع في المقابل إمكاناته الانتخابية تحت تصرف المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي خلال تلك الانتخابات المثيرة للجدل.
علاقة خاصة مع قاسم سليماني
وأشار التقرير إلى أن العلاقة بين قاليباف وقائد فيلق القدس الراحل قاسم سليماني كانت وثيقة للغاية.
ونقل الموقع عن مصدر محافظ أن سليماني دعم بصورة غير معلنة ترشح قاليباف في انتخابات الرئاسة عام 2013، رغم أن قائد فيلق القدس كان يتجنب عادة التدخل في السياسة الداخلية.
وأضاف المصدر أن الرجلين أقاما لفترة في المبنى السكني نفسه في العاصمة طهران.
تحول في الصورة السياسية
شهدت الصورة السياسية لقاليباف تغيرات متكررة خلال السنوات الماضية. ففي حملته الرئاسية الأولى، ركز على مؤهلاته الأكاديمية وخبرته كطيار، بينما قدم نفسه لاحقاً باعتباره “مديراً جهادياً”، وهو مصطلح يستخدم في إيران لوصف المسؤولين الذين يعتمدون على الإدارة الميدانية والنهج الثوري في العمل التنفيذي.
وعلى الرغم من هذا التحول، بقيت خلفيته العسكرية حاضرة بقوة، حتى إن منافسه حسن روحاني قال خلال مناظرات انتخابات 2013: “أنا لست عقيداً… أنا محامٍ”، في مقارنة مباشرة مع الخلفية العسكرية لقاليباف.
12 عاماً على رأس بلدية طهران
بعد خسارته الانتخابات الرئاسية الأولى، انتُخب قاليباف رئيساً لبلدية طهران، وظل في المنصب لمدة 12 عاماً، ليصبح أطول من تولى إدارة العاصمة الإيرانية.
المحافظون يهاجمونه والإصلاحيون يدعمونه
وعلى الرغم من انتمائه إلى التيار المحافظ، أصبح قاليباف أحد أبرز أهداف المحافظين المتشددين.
وأشار التقرير إلى أنه دخل في خلافات متكررة مع الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي بشأن ملفات سياسية واقتصادية، كما تعرض لهجمات إعلامية من وسائل إعلام مقربة من رئيسي، إضافة إلى انتقادات متواصلة من جبهة الصمود المحافظة.
ومع تقدم المفاوضات مع الولايات المتحدة للتوصل إلى مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب، خرج متظاهرون في طهران ومشهد احتجاجاً على الاتفاق، واتهموا قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي بالتفريط في مصالح البلاد.
وردد المحتجون شعارات تطالب باستقالة الرجلين، بينما انتقد نواب محافظون بنود الاتفاق المقترح، معتبرين أنه يتنازل عن أوراق استراتيجية مهمة، من بينها عدم إغلاق مضيق هرمز.
دعم إصلاحي غير مسبوق
في المقابل، شهد المشهد السياسي الإيراني تحولاً لافتاً، بعدما أعلن عدد من الشخصيات الإصلاحية دعمها لقاليباف في مفاوضاته مع الولايات المتحدة.
ونقلت وسائل إعلام إصلاحية عن أستاذ جامعي قوله: “تقدم يا سيد قاليباف… المجتمع كله يقف خلفك، ولا تقلق من أقلية تعارضك.”
كما أكد ناشط إصلاحي لموقع “ميدل إيست آي” أن دعم قاليباف يعود إلى قناعة متزايدة بأن إيران تحتاج إلى اتفاق مع الولايات المتحدة يخفف الضغوط الاقتصادية ويفتح الباب أمام التعافي الاقتصادي.
اختبار لمستقبل السياسة الإيرانية
ويرى مراقبون أن الحملة التي يواجهها قاليباف تعكس تحولات عميقة داخل السياسة الإيرانية، إذ بات أحد أبرز قادة المؤسسة الأمنية السابقة يقود اليوم مساراً دبلوماسياً لإنهاء واحدة من أخطر الأزمات التي تواجه الجمهورية الإسلامية.
كما تكشف هذه التطورات مفارقة سياسية لافتة، إذ يحظى قاليباف حالياً بدعم إصلاحيين كانوا من أشد منتقديه في السابق، في وقت يواجه فيه معارضة متزايدة من داخل التيار المحافظ الذي ينتمي إليه، ما يجعل مستقبله السياسي مرتبطاً إلى حد كبير بنتائج المفاوضات مع الولايات المتحدة.
اقرأ المزيد
خيار الإنزال البري بجزيرة خارك: هل تنزلق أمريكا لحرب استنزاف مع إيران؟
الحرب تتوسع.. إيران تضرب قواعد أمريكية في البحرين والكويت والأردن وتُبقي مضيق هرمز مغلقًا
الحرب مع إيران تدفع واشنطن لإعادة التفكير في نفوذها بالشرق الأوسط.. التنمية بديلاً عن القوة العسكرية

