وطن-يصل رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، اليوم الاثنين، إلى الجزائر في زيارة تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية حساسة، وتأتي بعد يوم إسباني صاخب عاطفياً على وقع نهائي كأس العالم والاحتفال بالانتصار العالمي الثاني لإسبانيا. غير أن الرهان الأكبر في مدريد يتمثل في تحويل هذه الأجواء الإيجابية إلى اختراق دبلوماسي جديد خلال لقاء سانشيز بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون.
وقالت صحيفة “إل إندبندينتي” الإسبانية إن الزيارة تمثل محطة مفصلية في مسار إعادة بناء العلاقات بين إسبانيا والجزائر، بعد أزمة دبلوماسية حادة اندلعت عقب دعم حكومة سانشيز لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء الغربية. وهي أزمة لم تكن سياسية فقط، بل امتدت آثارها إلى العلاقات التجارية والاقتصادية مع أحد أهم شركاء مدريد في منطقة المغرب العربي.
وتسعى الحكومة الإسبانية، من خلال هذه الزيارة، إلى إظهار انتهاء مرحلة التوتر وبدء صفحة جديدة مع الجزائر، خصوصاً بعد الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إلى الجزائر في مارس الماضي، حين تحدث عن “وضع جديد” تمر به علاقات الصداقة بين البلدين.
وبحسب ما أوردته الصحيفة الإسبانية، فإن إحدى أبرز إشارات ذوبان الجليد بين مدريد والجزائر تمثلت في قرار السلطات الجزائرية إعادة تفعيل معاهدة الصداقة بين البلدين، التي كانت قد جُمّدت منذ بداية الأزمة في أكتوبر 2022. ويصل سانشيز إلى الجزائر برفقة وزير الخارجية ألباريس، ووزيرة الانتقال البيئي سارا آغيسن، في وفد يعكس بوضوح الملفات الرئيسية المطروحة على الطاولة، وفي مقدمتها الطاقة والاقتصاد.
سياق دولي ساعد على التقارب بين مدريد والجزائر
ترى الحكومة الإسبانية أن التطورات الجيوسياسية في السنوات الأخيرة ساعدت في تهيئة المناخ لإعادة التقارب مع الجزائر. فموقف مدريد من الحرب في غزة، بحسب تقديرات داخل الحكومة، أسهم في تحسين صورتها لدى الجزائر، المعروفة تاريخياً بدعمها القوي للقضية الفلسطينية.
وأضافت صحيفة “إل إندبندينتي” أن الجزائر، في الوقت نفسه، باتت تنظر باهتمام أكبر نحو أوروبا في ظل التحولات التي يشهدها سوق الطاقة العالمي، وخاصة بعد سعي الدول الأوروبية إلى تقليص اعتمادها على الغاز الروسي. وهذا ما يمنح العلاقات الجزائرية الإسبانية بعداً استراتيجياً يتجاوز الخلافات السياسية السابقة.
ومع ذلك، فإن ملف الصحراء الغربية لا يزال حاضراً بقوة، حتى وإن لم يكن العنوان الرسمي للزيارة. فالحكومة الإسبانية لم تتراجع عن موقفها الذي أدى إلى اندلاع الأزمة مع الجزائر، كما لم تدخل في مفاوضات مع الجانب الجزائري بشأن هذا الملف. وتتمسك مدريد بدعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي، مستندة إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، الذي يتعامل مع المقترح المغربي كأحد أسس الحل السياسي للنزاع.
غير أن الصحيفة أوضحت أن النص الأممي لا يعتبر خطة الحكم الذاتي الحل الوحيد، بخلاف الموقف الذي تبنته إسبانيا منذ عام 2022. ورغم ذلك، تسعى حكومة سانشيز إلى الحفاظ على أفضل علاقات ممكنة مع الجزائر، كما تفعل مع المغرب، مع إدراكها لحساسية الملف الصحراوي بالنسبة إلى الجزائر، التي تعد الحليف الأبرز لجبهة البوليساريو.
الصحراء الغربية حاضرة رغم أولوية الاقتصاد
تدرك مدريد أن ملف الصحراء الغربية قد يطرح خلال المحادثات مع السلطات الجزائرية، خصوصاً في ظل استمرار النقاش داخل إسبانيا بشأن قانون الجنسية للصحراويين. وتعتقد الحكومة الإسبانية أن هذا المسار قد يساعد في توفير مناخ أكثر إيجابية في العلاقات مع الجزائر، وإن لم يكن محور الزيارة الأساسي.
وقالت صحيفة “إل إندبندينتي” إن الأولوية الحقيقية لهذه الزيارة ليست سياسية بقدر ما هي اقتصادية وطاقية. فإسبانيا تريد ترميم شبكة المصالح مع الجزائر، وإعادة تدفق التعاون التجاري والاستثماري بعد فترة من الجمود، بينما تبحث الجزائر عن شراكات أوروبية أوسع في قطاعات تتجاوز الغاز.
وجاءت عملية التقارب بشكل تدريجي، إذ حرصت السلطات الإسبانية على ترك مساحة للجزائريين كي يحددوا إيقاع العودة إلى الحوار. وبعد زيارة ألباريس، شكّل معرض الجزائر الدولي الأخير علامة إضافية على هذا الانفتاح، بعدما حلت إسبانيا ضيف شرف على المعرض، في خطوة حملت دلالة اقتصادية واضحة.
ونقلت الصحيفة عن جمال الدين بوعبد الله، رئيس دائرة التجارة والصناعة الإسبانية الجزائرية، قوله إن الهدف من زيارة سانشيز هو “فتح مرحلة وديناميكية جديدة بين الجزائر وإسبانيا”. وأضاف أن الوقت مناسب “لبدء الحوار والتقدم معاً” من أجل إعادة إطلاق العلاقات بشكل “لافت”.
الغاز في قلب الزيارة الإسبانية إلى الجزائر
يمثل الغاز الجزائري العمود الفقري للعلاقات الاقتصادية بين البلدين. فالجزائر تعد المزود الرئيسي لإسبانيا بالغاز، إذ تتراوح حصة الغاز الجزائري من إجمالي واردات إسبانيا بين 30 و35%، وفق ما أوردته صحيفة إل إندبندينتي.
ولا يقتصر الوفد الإسباني على المسؤولين الحكوميين، إذ يرافق سانشيز رؤساء شركات كبرى في قطاع الطاقة، بينها ناتورجي، وريبسول، وموفي، وإيناغاس. ومن المتوقع أن يجري ممثلو هذه الشركات محادثات مع شركة سوناطراك الجزائرية الحكومية بشأن تفاصيل فنية وتجارية تتعلق بحجم الإمدادات والأسعار والأطر الزمنية للتوريد.
وتولي إسبانيا أهمية خاصة لخط أنابيب “ميدغاز”، الذي ينقل معظم الغاز الجزائري إلى الأراضي الإسبانية، وتعود ملكيته إلى أطراف جزائرية وإسبانية. وتسعى مدريد إلى رفع حجم الغاز الذي يمر عبر هذا المسار بنحو 10%، إلى جانب زيادة وارداتها من الغاز الطبيعي المسال من الجزائر.
وبحسب الصحيفة الإسبانية، فإن الاهتمام ليس إسبانياً فقط، فالجزائر بدورها تنظر إلى إسبانيا باعتبارها ثاني أكبر زبائنها في سوق الغاز الأوروبية بعد إيطاليا. وفي ظل توتر أسواق الطاقة عالمياً وتراجع الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي، تبرز فرصة مشتركة لتعزيز التعاون الطاقي بين الجزائر ومدريد.
الجزائر تبحث عن تعاون يتجاوز الطاقة
على الرغم من أهمية الغاز، لا تريد الجزائر أن تبقى علاقاتها الاقتصادية مع إسبانيا محصورة في قطاع الطاقة. وتعمل السلطات الجزائرية على تنويع اقتصادها وتوسيع مجالات التعاون مع الشركاء الأوروبيين، وهو ما ترى مدريد أنه يفتح الباب أمام استثمارات وفرص جديدة للشركات الإسبانية.
وقال جمال الدين بوعبد الله، وفق ما نقلته إل إندبندينتي، إن الجزائر “توجه سياستها الاقتصادية للنمو مع إسبانيا”. وترى الحكومة الإسبانية فرصاً واعدة في مجالات الطاقة المتجددة، وخاصة الطاقة الشمسية، حيث تمتلك إسبانيا خبرة كبيرة. كما يمكن أن يصبح الهيدروجين الأخضر مجالاً جديداً للتعاون بين البلدين.
وتسعى إسبانيا أيضاً إلى زيادة حضور شركاتها في السوق الجزائرية، خصوصاً في المناقصات والعقود الكبرى التي تعتزم الحكومة الجزائرية إطلاقها لتطوير البنية التحتية. وتشمل القطاعات المرشحة للاستفادة الزراعة، والسكك الحديدية، والمنشآت المائية، والبنية التحتية للمطارات.
وأضاف رئيس دائرة التجارة والصناعة الإسبانية الجزائرية أن هناك “ديناميكية مرتبطة بالمستقبل الصناعي”، موضحاً أن الجزائر ترغب في “فتح صفحة تعاون صناعي وتكنولوجي” مع إسبانيا، بما يعكس رغبة الطرفين في بناء علاقة أكثر توازناً واستدامة.
وتبدو زيارة بيدرو سانشيز إلى الجزائر اختباراً سياسياً واقتصادياً في آن واحد؛ فهي محاولة لتجاوز آثار أزمة الصحراء الغربية دون فتح مواجهة جديدة حولها، وفي الوقت نفسه رهان على الغاز والاستثمار والتعاون الصناعي لإعادة بناء الثقة بين بلدين تجمعهما مصالح استراتيجية عميقة على ضفتي المتوسط.
اقرأ المزيد
تحرك أمريكي جديد: واشنطن تضع “خارطة طريق” للصلح بين المغرب والجزائر بشأن ملف الصحراء الغربية
بـ 24.6 مليار دولار.. ميزانية الدفاع الجزائرية تفجر نقاشاً حول أولويات الإنفاق وسباق الردع الإقليمي

