وطن-من تونس إلى المغرب، تتكرر خلال سبتمبر مشاهد مرتبطة بالاحتجاجات الداعمة لفلسطين، لكن في سياقات قانونية وسياسية مختلفة. في طنجة، منعت السلطات المحلية وقفة دعت إليها الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، قبل أن تتدخل القوات العمومية لتفريق المشاركين وتوقيف أكثر من 12 شخصًا،
وفق وسائل إعلام محلية. وفي تونس، أوقفت السلطات 15 شخصًا عقب مسيرة تضامنية مع معتقلي «أسطول الصمود»، قبل أن يمثل عدد منهم أمام النيابة العمومية وتتخذ لاحقًا قرارات قضائية بحق بعض الموقوفين.
طنجة.. قرار منع قبل موعد الوقفة
في 27 سبتمبر، أصدرت السلطات المحلية في طنجة قرارًا بمنع وقفة احتجاجية كانت الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع تعتزم تنظيمها في ساحة سور المعكازين. وبحسب القرار الذي نقلته وسائل إعلام محلية، استند المنع إلى مقتضيات مرتبطة بالحفاظ على الأمن والنظام العامين وضمان انسيابية حركة السير في الفضاءات العمومية. لكن القرار لم يمنع عددًا من النشطاء من التوجه إلى المكان المحدد.
ومع تجمع المشاركين، تدخلت القوات العمومية لتفريق الوقفة، فيما أفادت مصادر إعلامية محلية بتوقيف أكثر من 12 شخصًا واقتيادهم إلى أحد مراكز الشرطة. وأفادت مصادر أخرى بأن عدد الموقوفين بلغ 14 شخصًا، فيما لم يصدر، وفق المصادر التي جرى الاطلاع عليها، بلاغ رسمي مفصل يوضح الحصيلة النهائية للتوقيفات وظروفها. وفي وقت لاحق، أُفرج عن عدد من الموقوفين، من بينهم المحامي محمد الصروخ، بحسب تقارير محلية.
لماذا تكرر المنع في طنجة؟
واقعة سبتمبر لم تكن الأولى من نوعها خلال العام، ففي يوليو، منعت السلطات وقفة أخرى دعت إليها الجبهة نفسها للتضامن مع الفلسطينيين والمطالبة بإنهاء التطبيع، وشهدت الواقعة أيضًا تدخلًا أمنيًا وتوقيف مشاركين، وفق تقارير محلية. وفي أغسطس، تحدثت وسائل إعلام مغربية عن منع وقفة أخرى في طنجة، وسط انتشار أمني مكثف.
وتقول جهات حقوقية وسياسية مغربية إن تكرار المنع والتوقيف يمس الحق في التجمع والتعبير، بينما تبرر السلطات قرارات المنع بالإطار القانوني المنظم للاجتماعات العمومية وباعتبارات النظام العام. وهنا تظهر المفارقة: القضية الفلسطينية ما زالت حاضرة في الاحتجاجات المغربية، لكن بعض أشكال التعبير عنها تصطدم بقرارات إدارية وأمنية.
تونس.. 15 موقوفًا بعد مسيرة تضامنية
وفي تونس، أخذت القصة مسارًا مختلفًا، ففي 19 سبتمبر، خرجت مسيرة في العاصمة للمطالبة بالإفراج عن أربعة من نشطاء «أسطول الصمود» الموقوفين منذ مارس، والذين كانوا يخوضون إضرابًا عن الطعام احتجاجًا على استمرار احتجازهم. بعد المسيرة، أعلنت هيئة الدفاع عن توقيف 15 شخصًا، بينهم مشاركون في التحرك التضامني. ولم تقدم السلطات، في البداية، توضيحًا تفصيليًا بشأن أسباب توقيفهم، بحسب تقارير صحفية نقلت عن هيئة الدفاع.
وفي 26 سبتمبر، أفادت هيئة الدفاع بأن 13 موقوفًا مثلوا أمام النيابة العمومية بعد الإفراج عن اثنين، بينما صدرت بطاقات إيداع بالسجن بحق عدد منهم، وأحيل قاصر إلى قاضي الأطفال. كما أكدت ثلاثة تنظيمات تونسية، بينها الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين، مطالبتها بالإفراج عن الموقوفين.
لكن الملف التونسي لا يتعلق فقط بشعارات فلسطين
وهنا تختلف الحالة التونسية عن واقعة طنجة، فالأربعة الذين بدأ التحرك للمطالبة بالإفراج عنهم موقوفون في قضية مالية مرتبطة بنشاط «أسطول الصمود». وبحسب مصادر قضائية تونسية، يتعلق التحقيق بشبهات مالية، بينما ينفي الناشطون ومحاموهم ارتكاب المخالفات، ولم تصدر بحقهم إدانة قضائية حتى الآن.
أما الـ15 الذين أوقفوا بعد المسيرة، فقد ارتبطت إجراءاتهم بالمشاركة في التحركات التضامنية، لكن لم تُعلن في المصادر التي تمت مراجعتها تفاصيل اتهامات جنائية محددة بحق جميعهم. لذلك، فإن اختزال الملف التونسي في عبارة «قمع التضامن مع فلسطين» يتجاهل تعقيدات القضية القضائية الأصلية، في حين أن توقيف المشاركين في المسيرة يظل واقعة منفصلة تستحق التغطية في سياق الحق في الاحتجاج والتجمع.
من طنجة إلى تونس.. ماذا تقول هذه الوقائع؟
لا تكفي الحالتان وحدهما للقول إن فلسطين أصبحت ممنوعة من الشارع العربي، لكن الوقائع الموثقة تطرح سؤالًا أكثر تحديدًا: إلى أي مدى يمكن للسلطات في البلدين السماح بالاحتجاجات المرتبطة بفلسطين عندما تتداخل مع ملفات سياسية حساسة، مثل رفض التطبيع في المغرب أو قضية معتقلي أسطول الصمود في تونس؟
في المغرب، كان قرار المنع في طنجة مرتبطًا رسميًا بالنظام العام، بينما رأته جهات سياسية وحقوقية تضييقًا على الاحتجاج السلمي. وفي تونس، تقول السلطات إن القضاء مستقل، بينما تصر هيئات الدفاع والمنظمات الحقوقية على انتقاد توقيف المتضامنين والمطالبة بالإفراج عنهم.
إذن، لا توجد رواية واحدة تجمع الحالتين، لكن هناك قاسم مشترك واضح: الاحتجاج المرتبط بفلسطين واجه خلال سبتمبر إجراءات أمنية وقضائية في البلدين.
فلسطين بين الشارع والسياسة الرسمية
تزداد حساسية المشهد المغربي بسبب استمرار العلاقات الرسمية مع إسرائيل، في الوقت الذي تنظم فيه جهات سياسية وحقوقية ومدنية تحركات تطالب بوقف الحرب ورفض التطبيع.
وفي تونس، ترتبط التحركات الأخيرة بملف «أسطول الصمود» وبمعتقلين يخضعون للتحقيق القضائي، بينما تتواصل احتجاجات تطالب بالإفراج عنهم. وبذلك، تتحول فلسطين من قضية خارجية إلى موضوع حاضر في المجال العام العربي، تتقاطع حوله الاحتجاجات الشعبية والسياسات الرسمية والقيود القانونية والأمنية.
هل أصبح التضامن مع فلسطين مكلفًا في الشارع؟
السؤال الأكثر دقة ليس ما إذا كانت فلسطين «ممنوعة» في تونس أو المغرب، إذ لا تدعم الوقائع المتاحة هذا التعميم. السؤال هو: ما الحدود التي تضعها السلطات أمام التعبير العلني عن التضامن مع فلسطين، ومتى يتحول الاحتجاج من نشاط مسموح إلى تجمع ممنوع أو قضية أمنية أو قضائية؟
في طنجة، مُنعت الوقفة ثم وقعت توقيفات، وفي تونس، أعقبت مسيرة تضامنية توقيفات وإجراءات قضائية. وبينما تختلف الأسباب القانونية والسياقات، فإن الصور القادمة من الشارع تعيد النقاش حول المساحة المتاحة للاحتجاج السياسي والتضامن مع الفلسطينيين في المنطقة.
قد يعجبك
تونس توقف 15 ناشطاً بعد مسيرة لمساندة معتقلي أسطول الصمود.. والملف يتصاعد
بعد شهر من الاعتقال والإضراب.. “ميدل إيست آي” تكشف تفاصيل الإفراح عن أسطول غزة من ليبيا

