وطن-لم يعد حضور الإسلام في كرة القدم الأوروبية مجرد مشهد عابر يقتصر على احتفالات اللاعبين أو ممارساتهم الدينية داخل غرف الملابس. ففي كأس العالم 2026، برزت مشاهد السجود والدعاء والتعبير العلني عن الإيمان الإسلامي بوصفها جزءاً من المشهد الكروي، لتفتح نقاشاً أوسع حول الهوية والانتماء في أوروبا، في وقت تتصاعد فيه الخطابات السياسية التي تصوّر الإسلام باعتباره عنصراً غريباً عن القارة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية، فإن البطولة الحالية أظهرت تحولاً واضحاً في المشهد الرياضي الأوروبي، مع بروز عدد من اللاعبين الذين يمثلون منتخبات ذات أغلبية مسيحية، لكنهم يعبّرون عن هويتهم الإسلامية بصورة طبيعية، من دون أن يروا في ذلك أي تناقض مع انتمائهم الوطني.
كرة القدم تعكس واقع أوروبا الجديد
يرى التقرير أن كرة القدم، باعتبارها الرياضة الأكثر شعبية في أوروبا والعالم، أصبحت مرآة تعكس التحولات الاجتماعية التي شهدتها المجتمعات الأوروبية خلال العقود الماضية. ففي الوقت الذي يواصل فيه اليمين المتطرف الترويج لفكرة أن أوروبا ذات هوية مسيحية خالصة، يظهر لاعبون مسلمون بقمصان منتخبات مثل إسبانيا وألمانيا والسويد وإنجلترا، مؤكدين أن الإسلام أصبح جزءاً من الواقع الأوروبي المعاصر.
وعلى الرغم من مشاركة 13 دولة ذات أغلبية مسلمة في كأس العالم 2026، فإن أكثر المشاهد ارتباطاً بالإسلام جاءت من لاعبين يمثلون منتخبات أوروبية، وهو ما اعتبرته الصحيفة مؤشراً على تغير طبيعة النقاش حول الهوية داخل القارة.
لامين يامال.. سجدة صنعت جدلاً
كان نجم منتخب إسبانيا الشاب لامين يامال أحد أبرز الوجوه التي لفتت الأنظار خلال البطولة، بعدما احتفل بهدفه الأول في كأس العالم بالسجود خلال مواجهة السعودية.
ورأت الصحيفة أن هذا الاحتفال تجاوز كونه تعبيراً دينياً فردياً، ليصبح رمزاً في بلد لا تزال فيه قضايا الدين والهجرة والهوية تثير انقسامات سياسية واجتماعية.
وكان يامال قد واجه قبل ذلك هتافات معادية للمسلمين خلال مباراة ودية أمام مصر في برشلونة، حيث رد عبر وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً: “أنا مسلم، الحمد لله… كرة القدم للترفيه ورفع معنويات الناس، لا لإظهار عدم الاحترام تجاه الآخرين بسبب ما يؤمنون به.”
روديغر.. من منشور رمضاني إلى قضية قانونية
ولم يكن لامين يامال الحالة الوحيدة. ففي ألمانيا، نشر مدافع المنتخب أنطونيو روديغر صورة عبر حسابه على إنستغرام بمناسبة شهر رمضان، ظهر فيها وهو يرفع سبابته في إشارة إلى التوحيد.
لكن تلك الصورة تحولت إلى قضية إعلامية وقانونية بعدما اتهمه الصحفي الألماني يوليان رايشلت باستخدام رمز مرتبط بتنظيم “داعش”، وهو ما دفع روديغر إلى رفع دعوى قضائية بتهمة التشهير والتحريض على الكراهية، قبل أن تُغلق القضية لاحقاً.
وترى الصحيفة أن الواقعة عكست حجم الحساسية التي ما زالت تحيط بأي تعبير ديني إسلامي داخل بعض الأوساط الأوروبية.
ياسين عياري.. سويدي بإيمان إسلامي وجذور تونسية
كما برز لاعب منتخب السويد ياسين عياري، الذي احتفل بالسجود بعد تسجيله هدفاً في مرمى تونس خلال البطولة.
ولم يكن الاحتفال وحده محور الاهتمام، بل أيضاً النقاش الذي تجدد في السويد حول هويته الوطنية، بعدما اعتبر بعض السياسيين اليمينيين أنه لا يمثل “السويد الحقيقية”، رغم ولادته ونشأته في البلاد.
وتنقل الصحيفة عن والده عزوز عياري قوله إن ابنه “سويدي بخلفية تونسية”، مؤكداً أن اختياره تمثيل السويد كان أمراً طبيعياً لأنه نشأ وتعلم وكبر فيها.
اعتناق الإسلام داخل الملاعب الأوروبية
ولا يقتصر حضور الإسلام في كرة القدم الأوروبية على أبناء العائلات المسلمة. فبحسب التقرير، شهدت السنوات الأخيرة اعتناق عدد من اللاعبين الأوروبيين الإسلام خلال حياتهم أو مسيرتهم الاحترافية، من بينهم النجم الهولندي كلارنس سيدورف، والمهاجم فريدريك كانوتيه، إضافة إلى الفرنسي بول بوغبا.
وفي مونديال 2026، برز أيضاً اسم جيد سبنس، ظهير منتخب إنجلترا، الذي أصبح أول لاعب مسلم يمثل المنتخب الإنجليزي بعد اعتناقه الإسلام.
وقال سبنس عقب إحدى مباريات منتخب بلاده: “من الرائع أن تصنع التاريخ، وآمل أن ألهم الأطفال ليؤمنوا بأنهم قادرون على النجاح أيضاً.”
منتخب الرأس الأخضر.. وحدة تتجاوز الاختلاف
ومن القصص اللافتة أيضاً، تجربة منتخب الرأس الأخضر، الذي ضم ثلاثة لاعبين اعتنقوا الإسلام خلال حياتهم في أوروبا، هم جاميرو مونتيرو، ولوغان كوستا، وستيفن موريرا.
ويروي لوغان كوستا أن اهتمامه بالإسلام بدأ بعد مشاركته السكن مع لاعب مسلم، قبل أن يعتنق الدين رسمياً عام 2020، فيما تحدث موريرا عن تأثره بزميله عبد الله دوكوري خلال وجوده في أكاديمية رين الفرنسية.
وأكد اللاعبان أن تجربتهما لم تؤثر على اندماجهما داخل المنتخب، بل لقيت احتراماً من زملائهما والجهاز الفني، الذي وفر لهما الطعام الحلال خلال المعسكرات.
وقال كوستا: “سواء كنا مسلمين أو مسيحيين، فإن قوتنا في أننا معاً، وكلنا من الرأس الأخضر.”
كرة القدم تتحدى الخطابات السياسية
ويرى تقرير “ميدل إيست آي” أن هذه النماذج تكشف واقعاً مختلفاً عن الصورة التي تروجها بعض الخطابات السياسية في أوروبا.
فالإسلام، بحسب الصحيفة، لم يعد يظهر فقط من خلال المنتخبات القادمة من الدول ذات الأغلبية المسلمة، بل أصبح جزءاً من هوية لاعبين يمثلون دولاً أوروبية كبرى، ويصنعون الفارق في أكبر البطولات العالمية.
وفي الوقت الذي تستمر فيه النقاشات حول الهجرة والاندماج والهوية داخل أوروبا، تبدو ملاعب كرة القدم مساحة مختلفة، تُظهر أن الانتماء الوطني والديني يمكن أن يتعايشا دون تعارض، وأن نجاح اللاعبين داخل منتخباتهم الوطنية يقدم نموذجاً مغايراً لما تطرحه الخطابات الإقصائية.
وبين سجدة احتفال، أو دعاء بعد مباراة، أو قصة اعتناق للإسلام، يقدّم مونديال 2026 صورة جديدة لأوروبا متعددة الهويات، حيث لم يعد الإسلام هامشاً في المشهد الرياضي، بل أصبح جزءاً من قصته الرئيسية.
اقرأ المزيد
سجدة لامين يامال تشعل مواقع التواصل.. رسالة هوية أم احتفال بهدف؟
من جزر صغيرة إلى قلوب الملايين.. الحكاية الملهمة لمنتخب الرأس الأخضر
بدافع الفضول دخل مسجداً.. نجم أستراليا تيتي ينغي يعلن إسلامه وقصته تجذب اهتماماً واسعاً

