وطن-لم تعد الأمطار في قطاع غزة مجرد ظاهرة موسمية ينتظرها السكان بعد أشهر الصيف، بل تحولت إلى تهديد جديد يضاف إلى معاناة مئات آلاف الفلسطينيين الذين يعيشون في خيام مهترئة ومراكز إيواء ومبانٍ متضررة بفعل الحرب. ومع أول عاصفة شتوية، غرقت خيام عديدة بمياه الأمطار، وتسربت المياه إلى أماكن إقامة العائلات، فيما وجد الأطفال أنفسهم في مواجهة البرد والرطوبة، وسط مخاوف من انهيار مبانٍ لم تعد جدرانها قادرة على تحمل الظروف الجوية.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية إن العائلات الفلسطينية النازحة تواجه ظروفاً قاسية مع فشل الأغطية البلاستيكية في صد الأمطار والرياح، وتزايد المخاطر التي تهدد المباني المتضررة من القصف، في ظل غياب أماكن آمنة يمكن للسكان اللجوء إليها هرباً من البرد والفيضانات.
خيام تغرق وعائلات عاجزة عن مواجهة العاصفة
في حي التفاح بمدينة غزة، وجد منصور السكني، البالغ من العمر 33 عاماً، نفسه عاجزاً أمام مياه الأمطار التي غمرت المأوى المؤقت الذي أقامه فوق سطح أحد المباني، حيث يعيش مع زوجته وأطفاله الأربعة. وقبل أسبوعين فقط، كان قد استبدل الأغطية البلاستيكية القديمة بأخرى جديدة، بعدما اضطر إلى بيع برميلي مياه لتوفير ثمنها، أملاً في حماية أسرته من برد الشتاء.
لكن العاصفة الأولى كشفت هشاشة المأوى، بعدما تسربت المياه إلى داخله وأحاطت بالعائلة من كل جانب. ونقلت الصحيفة عن السكني قوله: «استيقظنا ووجدنا المياه تحاصرنا من كل جانب. الأطفال كانوا يبكون، ولم أعرف ماذا أفعل، فبدأت أبكي معهم». ويعيش السكني في غرفة لا تتجاوز مساحتها 30 متراً مربعاً، تتكون جدرانها من أغطية بلاستيكية مزقتها الرياح وأضعفتها الظروف الجوية. ورغم محاولاته تدعيم المأوى بمواد جديدة، عادت مياه الأمطار إلى غمره خلال الليل.
وتزداد معاناة العائلة مع غياب مصدر دخل ثابت، إذ كان السكني يعمل قبل الحرب في بيع الصحف، بينما يعتمد اليوم على الطعام الذي توزعه المطابخ المجتمعية في المنطقة. كما تعاني ابنته جنى، البالغة من العمر 10 سنوات، ضعفاً شديداً في البصر، وتحتاج إلى نظارة طبية لا يستطيع والدها توفير ثمنها.
وكان أحد أصدقائه قد منحه 200 شيكل لشراء النظارة، لكنه اضطر إلى إنفاق المبلغ على أخشاب لتدعيم المأوى وحمايته من الرياح والأمطار. وقال بحسرة: «نحن فقراء في غزة. نريد أن نعيش. لا نريد أن نموت بالقصف ولا بالبرد. كفى.. ارحمونا». ولا تتوقف معاناة السكني عند ظروف النزوح والفقر، فقد أصيب بشظية عام 2024 أثناء وقوفه في طابور أمام مخبز في شارع النصر بمدينة غزة. ومنذ ذلك الحين، تزداد آلام ظهره مع انخفاض درجات الحرارة ودخول البرد إلى مكان إقامته المؤقت.
1500 نداء استغاثة خلال 10 ساعات
ومع هطول الأمطار الغزيرة، السبت، غمرت المياه آلاف الخيام في مناطق مختلفة من القطاع، لتجد العائلات النازحة نفسها أمام مخاطر الفيضانات والبرد، إلى جانب التهديدات التي تواجه المباني التي أضعفتها الغارات والقصف. وقالت وكالة الدفاع المدني في غزة إنها تلقت نحو 1500 نداء استغاثة خلال 10 ساعات فقط، منذ بدء هطول الأمطار في ساعات الصباح الأولى. ووفقاً لما نقلته قناة الجزيرة، ارتفع منسوب المياه في بعض مراكز الإيواء إلى ما بين 30 و40 سنتيمتراً، ما اضطر عدداً من العائلات إلى مغادرة أماكن إقامتها.
ونقلت «ميدل إيست آي» عن المتحدث باسم الدفاع المدني، محمود بصل، قوله: «ما كنا نخشاه حدث بالفعل. بعض مراكز الإيواء غرقت بالكامل، وكل من كان داخلها أصبح الآن في المجهول». وتعكس هذه الأرقام حجم الضغط الذي تواجهه فرق الطوارئ في القطاع، خصوصاً مع نقص المعدات والإمدادات اللازمة للتعامل مع الفيضانات وإجلاء العائلات المتضررة.
طفلة في الثانية من عمرها تخشى المطر داخل المنزل
وفي شمال قطاع غزة، تواجه نسمة الخطيب، البالغة من العمر 26 عاماً، ظروفاً قاسية مع طفلتها ألينا، ذات العامين، بعدما فقدت زوجها خلال نزوح العائلة في مدينة غزة عام 2024. وتقيم الخطيب حالياً في منزل عائلتها بمنطقة مشروع عامر شمالي القطاع، داخل مبنى متضرر يؤوي خمس عائلات. وقالت لصحيفة «ميدل إيست آي» إن المنزل تعرض للقصف في أكتوبر 2025، قبل أيام من وقف إطلاق النار، وكان يتكون من أربعة طوابق دُمر ثلاثة منها، ولم يبقَ للعائلات سوى الطابق الأرضي، الذي لا تزال تخشى انهياره.
وحاولت العائلات تغطية الفتحات الموجودة في المنزل باستخدام الأغطية البلاستيكية، لكن الأمطار كانت تتسرب إلى الداخل مع كل عاصفة. وقالت الخطيب: «غطينا البيت بالشوادر، لكن كلما أمطرت السماء غرقنا من جديد». وخلال العاصفة الأخيرة، اقتلعت الرياح الأغطية التي كانت تسد الفتحات، وتسربت المياه إلى الغرف، فيما أثارت أصوات الرعد خوف الأطفال الذين استيقظوا معتقدين أن القصف يتجدد.
وتروي الخطيب أن طفلتها بكت طوال الليل، وكانت تسألها: «ماما، لماذا المطر داخل البيت وليس خارجه؟ أنا لا أحب المطر». وهي أسئلة تختصر جانباً من المعاناة النفسية التي يعيشها أطفال غزة، بعدما أصبحت الأصوات المرتفعة والظروف الجوية تذكرهم بأهوال الحرب. ولم تقتصر الأضرار على تسرب المياه، إذ قالت الخطيب إن أجزاء من الجدران والأرضية بدأت تصدر صدمات كهربائية خفيفة، بالتزامن مع انقطاع التيار الكهربائي وعودته بشكل متكرر، رغم اعتماد العائلة على ألواح الطاقة الشمسية لتوفير قدر محدود من الكهرباء. كما تسببت الرطوبة والمياه في تعطل بعض المصابيح وشواحن الهواتف.
وأضافت: «لا نعرف ماذا نفعل. كل أغراضنا مبللة. منذ الصباح ونحن نحاول سد الثقوب في الجدران وربط الشوادر بأي طريقة»، مشيرة إلى أن هذه الحلول لا توفر حماية دائمة، وأن العائلات ستواجه المشكلة نفسها مع كل موجة أمطار جديدة.
أكثر من مليون نازح مهددون بمخاطر الشتاء
كشفت العاصفة الأخيرة حجم هشاشة الأوضاع الإنسانية التي يعيشها مئات آلاف الفلسطينيين في الخيام والملاجئ المؤقتة والمباني المتضررة. وقالت لجنة الطوارئ في غزة إن أكثر من مليون نازح يواجهون مخاطر مرتبطة بفصل الشتاء، مشيرة إلى حاجة القطاع إلى نحو 200 ألف خيمة، إلى جانب مستلزمات التدفئة والحماية من الأمطار.
وتتزامن هذه التحذيرات مع نقص حاد في مستلزمات الإيواء، إذ أظهر تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» في 5 نوفمبر أن سكان القطاع ما زالوا بحاجة، حتى الأول من نوفمبر، إلى نحو 121 ألف خيمة و561 ألف غطاء بلاستيكي. وفي المقابل، لم تتجاوز المخزونات المتاحة داخل غزة نحو 2800 خيمة و76 ألف غطاء بلاستيكي، فيما لم تتوفر أي مجموعات طوارئ مخصصة للمأوى، وفق التقرير الأممي.
وأوضح المكتب أن إدخال الأخشاب اللازمة لإعداد مجموعات الإيواء لا يزال يواجه قيوداً ورفضاً من السلطات الإسرائيلية، محذراً من أن نقص التمويل وتأخر الموافقات والقيود على دخول الإمدادات قد تؤدي إلى وصول بعض المواد خلال النصف الثاني من فصل الشتاء، أي بعد تفاقم احتياجات العائلات المتضررة.
وفي السياق ذاته، حذر المجلس النرويجي للاجئين، في بيان صدر في 5 أكتوبر، من أن نحو 1.65 مليون شخص قد يضطرون إلى مواجهة شتاء رابع داخل خيام مهترئة ومبانٍ تضررت بفعل الحرب، بسبب القيود المفروضة على إدخال مواد الإيواء ونقص التمويل. وأشار المجلس إلى أن نحو 950 ألف شخص يعيشون في مواقع نزوح معرضة لمخاطر متوسطة أو مرتفعة للفيضانات، في حين لا تتوفر للعائلات خيارات كافية للانتقال إلى مناطق أكثر أماناً.
هذا وتعكس هذه الأرقام أن أزمة الأمطار في غزة لا ترتبط بعاصفة عابرة، بل بمشكلة إنسانية متراكمة، تتداخل فيها ظروف النزوح الطويل وتدمير البنية التحتية ونقص الملاجئ والقيود المفروضة على وصول المساعدات الإنسانية.
مبانٍ متصدعة ومخاوف من انهيارات جديدة
ولم تقتصر تداعيات العاصفة على الخيام ومراكز الإيواء، بل امتدت إلى المباني التي أضعفها القصف الإسرائيلي، إذ تسببت الأمطار والرياح في انهيار أجزاء من منشآت متضررة، ما أعاد مخاوف السكان من سقوط مزيد من المباني فوق رؤوس العائلات التي لجأت إليها. وقال الدفاع المدني في غزة إنه جرى إجلاء سكان من مبنى انهار جزئياً في مخيم النصيرات وسط القطاع، فيما أصيب شخصان جراء سقوط جدار مبنى متضرر في شمال غزة، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا».
وتواجه فرق الدفاع المدني صعوبات كبيرة في التعامل مع تداعيات العاصفة، بسبب نقص المعدات والإمدادات ووسائل التدخل السريع. ونقلت قناة الجزيرة عن رائد الدهشان، مدير الدفاع المدني في محافظة غزة، قوله إن الجهاز لا يمتلك «شادرًا واحدًا ولا خيمة واحدة» لتوزيعها على العائلات التي غمرت المياه أماكن إقامتها. وتعني هذه الإمكانات المحدودة أن كثيراً من العائلات لا تجد ما يساعدها على إصلاح خيامها أو تدعيم الملاجئ التي تضررت بفعل الأمطار، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى عمليات الإنقاذ والإجلاء وتصريف المياه.
أزمة إيواء تتجاوز تداعيات العاصفة
وتكشف شهادات النازحين حجم المأساة التي يعيشها سكان القطاع، حيث لم تعد الخيام توفر الحماية الأساسية من المطر، فيما تحولت المباني المتضررة إلى أماكن محفوفة بالمخاطر، وأصبحت العائلات مضطرة إلى الاختيار بين البقاء داخل ملاجئ تتسرب إليها المياه أو البحث عن أماكن أخرى لا تضمن سلامتها. وبين مأوى منصور السكني فوق سطح أحد المباني في حي التفاح، ومنزل نسمة الخطيب المتصدع شمالي القطاع، تتشابه معاناة العائلات التي فقدت منازلها ومصادر رزقها، ولم تجد بعد سنوات الحرب والنزوح مكاناً آمناً يحمي أطفالها من البرد والأمطار.
ومع استمرار نقص الخيام والأغطية ومواد تدعيم الملاجئ، تبدو الاستعدادات لمواجهة الشتاء أقل بكثير من حجم الاحتياجات الإنسانية، خصوصاً أن آلاف العائلات تعيش في مناطق معرضة للفيضانات، بينما تفتقر فرق الطوارئ إلى الموارد الضرورية للاستجابة. وفي ظل هذه الظروف، لا تمثل الأمطار بالنسبة إلى سكان غزة مجرد تغير في الطقس، بل اختباراً جديداً لقدرتهم على البقاء في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. وبين خيام تغمرها المياه ومبانٍ مهددة بالانهيار وأطفال يخشون أصوات الرعد، تتواصل معاناة النازحين الذين لم يعد مطلبهم سوى مأوى آمن يحميهم من برد الشتاء ومخاطر الحرب.
اقرأ المزيد
4.16 مليارات دولار لغزة.. أين ذهبت أموال الإمارات؟ بين الإغاثة ومشاريع ما بعد الحرب
نصف مليون فلسطيني في غزة مهددون بفقدان المساعدات الغذائية مع تقليص برنامج الأغذية العالمي دعمه
إسرائيل تواصل حظر سلع أساسية وغريبة عن غزة.. من مقاعد المراحيض إلى الألعاب ومشابك الشعر

