وطن-كشفت تركيا أن مخاوف الالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران كانت من بين الأسباب التي حالت دون استئناف واردات الغاز الطبيعي من تركمانستان عبر الأراضي الإيرانية، في تطور يبرز كيف يمكن للضغوط المالية والسياسية الأمريكية أن تؤثر في ترتيبات الطاقة الإقليمية، حتى عندما لا تتضمن المعاملات دفع أموال مباشرة إلى طهران.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية إن وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار أوضح، خلال إحاطة صحفية، أن أنقرة اضطرت إلى وقف هذا المسار بسبب مخاوف مرتبطة بالعقوبات الأمريكية، مشيراً إلى أن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية دخل على خط الملف، رغم أن تركيا لم تكن تدفع مبالغ نقدية لإيران ضمن آلية تبادل الغاز.
وتكشف هذه التصريحات عن معضلة تواجه أنقرة في مساعيها لتنويع مصادر الطاقة: فالحصول على الغاز من تركمانستان عبر شبكة الأنابيب الإيرانية كان يوفر مساراً إضافياً للإمدادات، لكنه جعل الترتيب عرضة للمخاطر المرتبطة بالعقوبات المفروضة على طهران.
اتفاق لتوريد الغاز عبر إيران توقف بعد أشهر
بدأت تركيا في مارس 2025 استقبال الغاز التركمانستاني عبر إيران، بموجب اتفاق تبادل بين شركة خطوط الأنابيب التركية الحكومية «بوتاش» وشركة «تركمان غاز». وكان الهدف توريد نحو 1.3 مليار متر مكعب خلال عام 2025، باستخدام شبكة الأنابيب الإيرانية لنقل الغاز إلى الأراضي التركية.
وكانت الخطة تقوم على إرسال الغاز التركمانستاني إلى شمال إيران، مقابل نقل كميات مماثلة إلى تركيا عبر خط الأنابيب الإيراني التركي، ضمن ترتيب تبادل لا يعتمد على دفع ثمن الغاز نقداً لإيران. وحصلت «بوتاش» على ترخيص لاستيراد الغاز التركمانستاني يمتد حتى عام 2033.
لكن التدفقات لم تستمر طويلاً؛ إذ أظهرت بيانات قطاع الطاقة أن تركيا استقبلت نحو 465 مليون متر مكعب بين مارس ويونيو 2025، قبل توقف الإمدادات خلال الصيف. وفي أكتوبر من العام نفسه، أعلن رئيس شركة «تركمان غاز» أن التوريد توقف، موضحاً أن الاتفاق كان قصير الأجل وأن استمراره يتطلب تفاهمات جديدة بشأن الكميات والأسعار.
العقوبات الأمريكية تعقّد ترتيبات التبادل
وبحسب ما نقلته «ميدل إيست آي»، أوضح بيرقدار أن المخاوف المرتبطة بالعقوبات الأمريكية كانت وراء تعثر محاولات استئناف التوريد، بعدما تدخل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي في الملف. وقال الوزير إن تركيا لم تكن تدفع أموالاً مباشرة لإيران، لكن مرور الغاز عبر الأراضي الإيرانية جعل العملية أكثر حساسية في ظل تشديد واشنطن القيود على التعاملات المرتبطة بطهران.
وتكمن أهمية هذه النقطة في أن العقوبات لا تقتصر آثارها على المدفوعات المباشرة أو التعاملات المصرفية مع المؤسسات الإيرانية، بل يمكن أن تثير مخاطر قانونية ومالية أمام الشركات التي تعتمد على البنية التحتية الإيرانية أو تدخل في ترتيبات تجارية مرتبطة بها. وبذلك وجدت أنقرة نفسها أمام معادلة معقدة: الاستفادة من الغاز التركمانستاني وتنويع إمداداتها، من جهة، وتجنب تعريض شركاتها ومعاملاتها لمخاطر العقوبات الأمريكية، من جهة أخرى.
تركيا تراهن على الغاز التركمانستاني للوصول إلى أوروبا
لا يرتبط الاهتمام التركي بالغاز التركمانستاني بتلبية الطلب المحلي وحده، بل يدخل ضمن مساعي أنقرة لتعزيز موقعها مركزاً إقليمياً لتجارة الطاقة ونقلها إلى الأسواق الأوروبية.
وفي هذا السياق، أشار بيرقدار إلى وجود طاقة غير مستغلة في خط أنابيب الغاز العابر للأناضول «تاناب»، الذي ينقل الغاز الأذربيجاني عبر تركيا إلى أوروبا. وكان الوزير قد أعلن في يونيو 2026 أن نحو 40% من الطاقة الاستيعابية للخط لا تزال غير مستخدمة، ما يتيح مجالاً لزيادة التدفقات إذا توافرت كميات إضافية من الغاز.
وتسعى تركيا إلى استغلال موقعها الجغرافي وشبكات الأنابيب القائمة لتصبح ممراً إضافياً لإمدادات الغاز نحو أوروبا، التي تعمل على تنويع مصادرها وتقليل اعتمادها على الغاز الروسي. ويرى بيرقدار أن تركمانستان تمتلك احتياطيات كبيرة يمكن أن توفر مصدراً إضافياً للغاز، في وقت تواجه فيه إمدادات أذربيجان حدوداً مرتبطة بالكميات المتاحة والالتزامات التعاقدية القائمة.
خط بحر قزوين.. البديل الذي تصطدم به الجغرافيا والسياسة
رغم الإمكانات الكبيرة للغاز التركمانستاني، فإن نقله إلى تركيا وأوروبا عبر مسار مباشر لا يزال يواجه عقبات فنية وسياسية. ومن أبرز المشروعات المطروحة إنشاء خط أنابيب عابر لبحر قزوين، يربط تركمانستان بأذربيجان، ثم ينقل الغاز عبر جورجيا وتركيا إلى الأسواق الأوروبية. لكن المشروع لم يتحول إلى واقع حتى الآن، بسبب خلافات تتعلق بتمويله وتكاليف إنشائه، إلى جانب التباينات القانونية والسياسية المرتبطة بترسيم قاع بحر قزوين وتقاسم موارده، ومواقف الدول المطلة عليه. ويمثل هذا المسار، إذا نُفذ، بديلاً مهماً عن الاعتماد على الأراضي الإيرانية، لكنه يحتاج إلى تفاهمات إقليمية واستثمارات ضخمة واتفاقات طويلة الأجل تضمن جدواه الاقتصادية.
انتهاء عقد الغاز مع إيران يضيف تحدياً جديداً
وتأتي هذه التطورات في وقت دخلت فيه علاقة تركيا بإيران في قطاع الغاز مرحلة جديدة، بعد انتهاء عقد التوريد طويل الأجل بين البلدين في يوليو 2026، عقب نحو 25 عاماً من العمل به. وكان العقد ينص على إمكانية توريد ما يصل إلى 9.6 مليارات متر مكعب سنوياً إلى تركيا، إلا أن الكميات الفعلية تفاوتت على مر السنوات. وأفادت تقارير بأن الحرب والتوترات الإقليمية عرقلت إجراء مفاوضات بشأن تمديده قبل انتهاء مدته، فيما لم يُعلن عن اتفاق جديد طويل الأجل.
ولا يعني انتهاء العقد بالضرورة توقف تدفقات الغاز الإيرانية فوراً، إذ استمرت الإمدادات وفق تقارير متخصصة رغم غياب إعلان واضح عن اتفاق جديد. لكن انتهاء الإطار التعاقدي يضيف حالة من عدم اليقين إلى حسابات أنقرة بشأن مستقبل إمداداتها من إيران.
وهكذا تواجه تركيا تحديين متداخلين: تعثر استيراد الغاز التركمانستاني عبر الأراضي الإيرانية بسبب مخاطر العقوبات، وغموض مستقبل عقدها طويل الأجل مع طهران. وبين البحث عن مصادر بديلة والحفاظ على أمن الإمدادات، يبقى طموح أنقرة للتحول إلى مركز للطاقة مرتبطاً بقدرتها على تجاوز العقبات السياسية والمالية والفنية التي تتحكم في طرق نقل الغاز من آسيا الوسطى إلى أوروبا.
اقرأ أيضاً
تركيا تعزز الطاقة المتجددة وتخزين البطاريات قبل قمة COP31 وسط مخاوف أمن الطاقة في مضيق هرمز
مصر ترفض اتفاق ليبيا وتركيا البحري.. حماية للحقوق أم حسابات التحالفات مع إسرائيل واليونان؟
أزمة الطاقة تضغط على أوروبا.. حروب الخليج وأوكرانيا تدفع التضخم إلى مستويات مقلقة

