وطن-أعاد رفض القاهرة اعتماد الاتفاق البحري بين ليبيا وتركيا فتح النقاش حول السياسة المصرية في شرق المتوسط، بعدما صادق مجلس النواب الليبي في شرق البلاد على مذكرة التفاهم الموقعة مع أنقرة عام 2019، في خطوة أثارت اعتراضات مصرية ويونانية وإسرائيلية وأوروبية.
وأعلنت وزارة الخارجية المصرية، في 21 أكتوبر 2026، رفضها القاطع للتصديق الليبي، معتبرة أن المذكرة «باطلة بطلاناً مطلقاً» ولا يترتب عليها أي أثر قانوني بالنسبة إلى مصر، وأنها تمس حقوق القاهرة في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري.
لكن الموقف المصري أعاد طرح سؤال يتجاوز الخلاف القانوني: هل تستند القاهرة إلى حسابات فنية واضحة لحماية حقوقها البحرية، أم أن تحالفاتها الإقليمية، خصوصاً مع اليونان وقبرص وإسرائيل، تؤثر أيضاً في موقفها من الاتفاق التركي الليبي؟
ولا يكفي توافق مواقف مصر وإسرائيل واليونان في هذه القضية لإثبات أن القاهرة تتحرك لخدمة المصالح الإسرائيلية. فلكل دولة حساباتها القانونية والاستراتيجية، كما أن تحديد مدى تأثير الاتفاق في الحقوق البحرية المصرية يحتاج إلى تحليل الإحداثيات والمطالب المتداخلة، لا إلى الاكتفاء بالمواقف السياسية.
ماذا حدث في أكتوبر 2026؟
في 20 أكتوبر، صادق مجلس النواب الليبي المتمركز في شرق البلاد بالإجماع على مذكرة التفاهم البحرية التي وقعتها حكومة الوفاق الوطني السابقة مع تركيا في 27 نوفمبر 2019. كما ألغى المجلس قرارات سابقة اتخذها عام 2020، رفض فيها الاتفاق ودعا إلى قطع العلاقات السياسية مع أنقرة.
ويُعد هذا التحول مهماً لأن السلطات في شرق ليبيا كانت تعارض الاتفاق لسنوات، في حين دعمت تركيا حكومة طرابلس خلال الحرب التي اندلعت حول العاصمة عام 2019. أما الآن، فإن موافقة المجلس تفتح الباب أمام تقارب سياسي أوسع بين أنقرة وشرق ليبيا، إلى جانب ما يترتب على الاتفاق من تداعيات بحرية واقتصادية.
وبعد التصويت، أعلنت مصر رفضها الرسمي، ثم جددت القاهرة وأثينا اعتراضهما خلال اتصال بين وزيري خارجية البلدين يوم 22 أكتوبر. واتفق الجانبان على مواصلة المشاورات بشأن ترسيم الحدود البحرية، في إشارة إلى استمرار التنسيق المصري اليوناني في مواجهة التطور الليبي التركي.
لماذا ترى مصر أن الاتفاق يمس حقوقها البحرية؟
تقول القاهرة إن مذكرة التفاهم التركية الليبية تتعارض مع مبادئ القانون الدولي للبحار، وإنها تمس حقوق مصر في منطقتها الاقتصادية الخالصة وجرفها القاري. وهذا هو المبرر القانوني الذي استندت إليه وزارة الخارجية في بيانها الرافض للتصديق.
وتتعلق المسألة بمناطق بحرية قد تتداخل فيها مطالب الدول الساحلية، وما يترتب على ترسيمها من حقوق في استكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها، بما يشمل النفط والغاز وموارد قاع البحر.
ولا تعني المنطقة الاقتصادية الخالصة امتلاك الدولة سيادة مطلقة على جميع المياه الواقعة ضمن حدودها، لكنها تمنحها حقوقاً محددة في الموارد والأنشطة الاقتصادية البحرية. أما الجرف القاري فيرتبط أساساً بالموارد الموجودة في قاع البحر وباطنه.
وترى اليونان أن الاتفاق يتجاهل الحقوق البحرية التي تولّدها جزرها، ولا سيما كريت وجزر الدوديكانيز، بينما تتمسك تركيا بأن المذكرة تحمي حقوقها البحرية وحقوق ليبيا وفق تفسيرها لقواعد الترسيم. وقد رفضت أثينا اعتماد الاتفاق، معتبرة أنه لا يتفق مع القانون الدولي للبحار.
وبذلك، لا يقتصر الخلاف على اعتراض سياسي مصري على تركيا، بل يرتبط بتصورات قانونية متعارضة حول كيفية رسم الحدود البحرية، والأثر الذي ينبغي أن تتمتع به الجزر في تحديدها، وحقوق الدول التي تتداخل مطالبها في المنطقة.
هل كان بإمكان مصر تحقيق مكاسب بحرية أكبر؟
يثير الموقف المصري سؤالاً مشروعاً حول البدائل التي كانت متاحة للقاهرة، وما إذا كان التوصل إلى تفاهم بحري مع تركيا يمكن أن يحقق لها مكاسب إضافية، بدلاً من الاعتماد على اتفاقها مع اليونان.
وفي دراسة نشرتها مجلة «سايس ريفيو» التابعة لجامعة جونز هوبكنز، طُرح سيناريو بديل للتفاهم البحري بين مصر وتركيا. وقدّرت الدراسة أن هذا البديل كان يمكن أن يحقق لمصر مكسباً بحرياً إضافياً محدوداً بنحو 7,500 كيلومتر مربع، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن ذلك كان سيحمل تكلفة دبلوماسية محتملة، تشمل توتر العلاقات مع اليونان والاتحاد الأوروبي وربما الولايات المتحدة.
ولا تثبت هذه الدراسة أن الاتفاق التركي الليبي يمنح مصر تلقائياً مساحة بحرية أكبر، أو أن رفض القاهرة يضر بمصالحها بالضرورة. فهي تناقش سيناريو تفاوضياً بديلاً وافتراضات محددة لترسيم الحدود، وليست حكماً قانونياً نهائياً بشأن الحقوق البحرية للدول المعنية.
وتبرز أهمية هذه المقارنة لأنها تُظهر أن خيارات مصر لا تقتصر على قبول اتفاق تركيا وليبيا أو رفضه؛ بل تشمل أيضاً تقييم المكاسب البحرية المحتملة من مختلف الترتيبات، وموازنتها بالتكاليف السياسية والاقتصادية للعلاقات مع الدول المجاورة.
ومن حق المصريين، في هذا السياق، المطالبة بتوضيح الأسس الفنية لقرار الحكومة، ومعرفة ما إذا كانت قد درست سيناريوهات بديلة، وما المعايير التي اعتمدتها للموازنة بين حماية الحقوق البحرية والحفاظ على العلاقات الإقليمية.
الغاز والتحالفات.. ما الذي يحدد موقف القاهرة؟
لا ينفصل النزاع عن التنافس على موارد الطاقة والنفوذ في شرق المتوسط. فقد وقعت مصر واليونان اتفاقاً جزئياً لترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بينهما في أغسطس 2020، بينما تعمل القاهرة مع قبرص واليونان وإسرائيل في ترتيبات تعاون مرتبطة بالطاقة والأمن الإقليمي.
وفي المقابل، تسعى تركيا إلى تعزيز حضورها البحري، وتتمسك بمذكرة التفاهم الموقعة مع ليبيا باعتبارها إطاراً لحماية مصالح الطرفين. ويعكس هذا التنافس تداخل الحسابات القانونية والاقتصادية والأمنية في منطقة شهدت اكتشافات للغاز الطبيعي ومشروعات مشتركة وخلافات بشأن الحدود البحرية.
وتعززت المؤشرات على التنسيق المصري اليوناني عندما ناقش وزيرا خارجية البلدين، في 22 أكتوبر، إمكان مواصلة ترسيم الحدود البحرية شرقاً باتجاه قبرص. وجاءت المحادثات عقب رفضهما التصديق الليبي، ما يعكس رغبة القاهرة وأثينا في تعزيز تعاونهما البحري ضمن الأطر القانونية التي تعتمدانها.
أما إسرائيل، فقد رفضت بدورها اعتماد الاتفاق الليبي التركي، وقالت وزارة خارجيتها إن أنقرة تعمل على زعزعة استقرار شرق المتوسط. لكن توافق مواقف الدول الثلاث لا يثبت أن مصر تبنت موقفها لخدمة إسرائيل، إذ توجد للقاهرة أسباب بحرية واستراتيجية مستقلة أعلنتها رسمياً.
هل يعني الموقف المصري الاصطفاف مع إسرائيل؟
تطرح تصريحات القاهرة وتنسيقها مع أثينا أسئلة حول العلاقة بين المصالح الوطنية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً أن مصر ترتبط بعلاقات دبلوماسية وأمنية مع إسرائيل، إلى جانب تعاونها مع اليونان وقبرص في ملفات الطاقة والبحر المتوسط.
لكن وصف موقف السيسي بأنه «انتصار لإسرائيل» يحتاج إلى أدلة على دوافع القرار وآلية اتخاذه، وليس مجرد الإشارة إلى أن إسرائيل ترفض الاتفاق أيضاً. فالتشابه في المواقف قد يكون نتيجة تقاطع مصالح، ولا يعني بالضرورة وجود هدف سياسي موحد بين الأطراف.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يمنع التذرع بحماية الحقوق البحرية من مساءلة الحكومة عن قراراتها. فالموقف الرسمي المصري يستند إلى ادعاء بوجود مساس بالمنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، ومن حق الرأي العام أن يطّلع على الحجج الفنية التي تدعم هذا الادعاء، وعلى كيفية حساب تكاليف أي بديل تفاوضي محتمل.
وبذلك، يمكن مناقشة القرار المصري نقدياً من دون القفز إلى نتيجة غير مثبتة بشأن خدمة إسرائيل أو التخلي عن المصالح المصرية.
نزاع مفتوح على القانون والمصالح
لا يزال التصديق الليبي على مذكرة التفاهم مثار خلاف بين الأطراف المعنية، ولم يؤدِّ إلى تسوية النزاع بشأن مشروعية الحدود البحرية أو آثارها في حقوق الدول الأخرى. فمصر واليونان والاتحاد الأوروبي ترفض الاتفاق، بينما تتمسك تركيا والجهات الليبية المؤيدة له بأنه يحمي مصالح الطرفين.
وتكشف التطورات أن شرق المتوسط ليس مجرد ساحة للمنافسة على الغاز، بل مساحة تتشابك فيها اعتبارات السيادة والقانون الدولي والتحالفات الإقليمية. أما بالنسبة إلى القاهرة، فيبقى التحدي هو إثبات أن موقفها يحمي حقوقها البحرية بأفضل صورة ممكنة، وأنها درست البدائل الفنية والدبلوماسية المتاحة.
وستظل الإجابة عن السؤال الأساسي مرتبطة بمدى وضوح الأدلة التي تقدمها الحكومة المصرية، وشفافية حساباتها بشأن المكاسب والخسائر المحتملة، وقدرتها على الدفاع عن مصالحها من دون تحويل الخلاف البحري إلى مواجهة سياسية مفتوحة مع تركيا أو غيرها من دول المنطقة.
اقرأ المزيد
تركيا أمام اختبار اليمن.. اتفاق الدفاع مع السعودية وباكستان يثير احتجاجات ومخاوف من التورط العسكري
مصر ترفض الاتفاق البحري بين تركيا وليبيا وتؤكد التزامها باتفاق ترسيم الحدود مع اليونان
اليونان أمام معادلة إقليمية جديدة بعد مصادقة برلمان بنغازي على الاتفاق مع تركيا
تركيا وقطر وباكستان وإندونيسيا توقّع اتفاق «بدر» لإنتاج الأسلحة وتعزيز الصناعات الدفاعية المشتركة

