وطن-تتجه إسرائيل إلى انتخابات برلمانية حاسمة يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، في ظل تراجع متوقع لحزب الليكود بقيادة بنيامين نتنياهو، وصعود منافسه غادي آيزنكوت في استطلاعات الرأي، لكن من دون ضمان أن ينجح المعسكر المعارض في تشكيل حكومة جديدة. فالمشهد الانتخابي لا يعكس تراجعًا واضحًا للتيار اليميني بقدر ما يكشف عن إعادة توزيع محتملة للقوة داخل المعسكرات السياسية الإسرائيلية.
ووفق تحليل نشره موقع «ميدل إيست آي» البريطاني، تتمحور المعركة الانتخابية حول نتنياهو ومسؤوليته عن الإخفاقات الأمنية التي سبقت هجوم 7 أكتوبر 2023، وطريقة إدارته للحروب التي أعقبته، أكثر مما تتمحور حول تقديم بدائل سياسية متكاملة لمستقبل غزة والضفة الغربية ولبنان وإيران.
وبعد ثلاث سنوات من الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل وما تبعه من حرب مدمرة على قطاع غزة، كان من المتوقع أن تحتل قضايا الأمن والحرب والمساءلة السياسية موقعًا أكثر وضوحًا في الحملة. غير أن جانبًا كبيرًا من المنافسة يدور حول بقاء نتنياهو في السلطة، وقدرة خصومه على تشكيل ائتلاف بديل، ومدى اختلاف هذا الائتلاف عن الحكومة الحالية في القضايا الأمنية والاستيطانية.
الليكود يخسر مقاعد.. لكن إسقاط نتنياهو ليس مضمونًا
تظهر استطلاعات الرأي أن حزب الليكود يتجه إلى خسارة جزء كبير من مقاعده مقارنة بالانتخابات السابقة، التي حصل فيها على 32 مقعدًا. وتضع عدة تقديرات حديثة الحزب في نطاق يقارب 19 إلى 22 مقعدًا، مع اختلاف النتائج بحسب الجهة التي تجري الاستطلاع وتوقيته ومنهجيته.
ويعزز هذا التراجع صورة نتنياهو بوصفه زعيمًا يواجه تحديات داخلية متزايدة، بعدما حمّله خصومه مسؤولية الإخفاقات الأمنية التي سبقت هجوم 7 أكتوبر، وانتقدوا أداء حكومته خلال الحروب التي تلت ذلك، فضلًا عن استمرار محاكمته في قضايا فساد ينفي ارتكابها. لكن تراجع الليكود لا يعني تلقائيًا خسارة نتنياهو القدرة على تشكيل الحكومة. فالانتخابات الإسرائيلية تقوم على نظام التمثيل النسبي، وتحتاج أي حكومة إلى دعم 61 عضوًا على الأقل من أعضاء الكنيست البالغ عددهم 120.
وتختلف التجميعات المنشورة لاستطلاعات الرأي بشأن توزيع المقاعد، لكن معظمها لا يمنح أيًا من المعسكرين الرئيسيين طريقًا مضمونًا إلى هذه الأغلبية. وتراوح تقديرات معسكر نتنياهو في عدد من التجميعات بين نحو 49 و53 مقعدًا، بينما تتفاوت تقديرات أحزاب المعارضة بحسب طريقة احتساب القوائم والأحزاب التي يمكن أن تنضم إلى أي ائتلاف. وتعني هذه الأرقام أن ضعف نتنياهو انتخابيًا لا يحسم مستقبل الحكومة، وأن نتائج المفاوضات بين الأحزاب بعد التصويت قد تكون حاسمة بقدر أهمية النتائج الأولية نفسها.
اليمين المتطرف يحقق مكاسب رغم تراجع نتنياهو
تكمن المفارقة الأبرز في الانتخابات الحالية في أن تراجع الليكود لا يقابله بالضرورة تراجع مماثل في قوة اليمين الإسرائيلي. فقد أظهرت استطلاعات حديثة تحسنًا في أداء حزب «القوة اليهودية» الذي يقوده وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، بما في ذلك استقطاب ناخبين شباب ومقترعين للمرة الأولى. وتشير تقديرات منشورة خلال أكتوبر إلى أن الحزب قد يحصل على ثمانية مقاعد أو أكثر، مقارنة بأدائه في الانتخابات السابقة، وهو ما قد يمنحه نفوذًا أكبر في أي ائتلاف يقوده نتنياهو أو يشارك فيه اليمين.
ويتبنى بن غفير مواقف متشددة تجاه الفلسطينيين، ويدعو إلى تشديد العقوبات على الأسرى الفلسطينيين وتوسيع الاستيطان، كما طرح فكرة ما يسميه «الهجرة الطوعية» للفلسطينيين من قطاع غزة. وتضع هذه المواقف حزبه في أقصى اليمين الإسرائيلي. ولا يقتصر هذا الاتجاه على حزب بن غفير؛ إذ تتمتع قوى يمينية أخرى، من بينها التيار الذي يمثله وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، بحضور مؤثر في النقاشات المتعلقة بالاستيطان ومستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويشير تحليل «ميدل إيست آي» إلى أن عدة أحزاب في أقصى اليمين تطرح، بدرجات مختلفة، أفكارًا تتصل بترحيل الفلسطينيين أو إخراجهم من مناطق يسيطر عليها الاحتلال. ويرى التقرير أن حصول هذه القوى مجتمعة على نحو 20 مقعدًا يظل احتمالًا يستحق المتابعة، وإن كانت الحصيلة النهائية مرهونة بنتائج التصويت وتجاوز القوائم العتبة الانتخابية. وبذلك، قد تنتهي الانتخابات إلى إضعاف نتنياهو شخصيًا، مع بقاء اليمين المتشدد لاعبًا رئيسيًا في تشكيل الحكومة المقبلة وفي تحديد اتجاهات السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
آيزنكوت.. بديل لنتنياهو من دون قطيعة مع اليمين
يبرز غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق وزعيم حزب «يَشَر»، بوصفه أحد أبرز المنافسين لنتنياهو. ويمنحه تقدمه في عدد من استطلاعات الرأي فرصة لتقديم نفسه بديلًا سياسيًا وأمنيًا لرئيس الوزراء، مستفيدًا من صورته كقائد عسكري سابق ومن الانتقادات الموجهة إلى إدارة الحكومة الحالية للحرب.
لكن آيزنكوت لا يمثل تحولًا كاملًا نحو اليسار أو تبنيًا لمسار سياسي مختلف جذريًا تجاه الفلسطينيين. فقد أعلن معارضته قيام دولة فلسطينية، ويتمسك بموقف أمني متشدد تجاه «حماس» وإيران، كما يؤيد استمرار الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية ضمن ما يصفه بالقانون الإسرائيلي.
وفي تصريحات حديثة، قال آيزنكوت إن الهدف من الحرب في غزة ينبغي أن يكون تدمير القدرات العسكرية لحركة «حماس» أو تفكيكها، كما شدد على ضرورة منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية. وتظهر هذه المواقف أن التنافس بينه وبين نتنياهو لا يدور حول القضايا الأمنية وحدها، بل يتعلق أيضًا بإدارة الدولة، والكفاءة السياسية، والعلاقة مع الحلفاء، وطبيعة الائتلاف الحكومي المقبل.
أما في ملف الاستيطان، فيقول آيزنكوت إنه يؤيد المستوطنات التي يعتبرها قانونية وفق المعايير الإسرائيلية، لكنه يعارض بؤرًا استيطانية غير مرخصة وفق القانون الإسرائيلي، وانتقد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين. ولا يعني ذلك معارضته لمبدأ الاستيطان نفسه، وهو ما يضع حدودًا واضحة لأي توقعات بتحول جذري في سياسته تجاه الضفة الغربية.
معارضة متفرقة تجمعها الرغبة في رحيل نتنياهو
لا تبدو المعارضة الإسرائيلية كتلة متجانسة، رغم وجود رغبة مشتركة لدى عدد من أحزابها في إخراج نتنياهو من الحكم. فهي تضم أحزابًا وسطية ويمينية، إلى جانب حزب «الديمقراطيين»، الذي يعد من أبرز القوى اليهودية الإسرائيلية المؤيدة لحل الدولتين.
ويخوض آيزنكوت الانتخابات على رأس حزب «يَشَر»، بينما يقود رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت تحالف «معًا» بالاشتراك مع يائير لابيد وحزب «هناك مستقبل». ويشارك أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب «إسرائيل بيتنا»، في المعسكر المعارض أيضًا، مع احتفاظ كل طرف بمواقفه وحساباته الخاصة.
وتكشف هذه الخريطة عن صعوبة تحويل التقدم في استطلاعات الرأي إلى أغلبية برلمانية متماسكة؛ فالأحزاب تختلف في قضايا الأمن، والتجنيد الإلزامي للمتدينين المتشددين «الحريديم»، والاستيطان، والعلاقة مع الأحزاب العربية. وحتى إذا تمكنت هذه القوى من إضعاف نتنياهو في صناديق الاقتراع، فستظل مطالبة بالاتفاق على برنامج حكومي وعلى توزيع الحقائب الوزارية، فضلًا عن تحديد موقفها من الأحزاب العربية التي قد تلعب دورًا حاسمًا في حسابات الأغلبية.
وتزيد مواقف آيزنكوت من تعقيد المشهد، إذ أعلن أنه لن يدخل في شراكة حكومية مع الأحزاب التي تمثل المواطنين العرب في إسرائيل، معتبرًا أنها لا تتوافق مع المبادئ الأساسية التي يطرحها. ويحد هذا الموقف من الخيارات المتاحة أمامه لتشكيل حكومة، حتى في حال تصدر حزبه النتائج.
غزة والضفة الغربية.. غياب البديل السياسي الواضح
من أبرز سمات الانتخابات الحالية محدودية النقاش بشأن مستقبل الفلسطينيين، رغم أن الحرب في غزة والعمليات العسكرية في الضفة الغربية شكلت الجزء الأكبر من المشهد الأمني الإسرائيلي منذ أكتوبر 2023.
ويشير تحليل «ميدل إيست آي» إلى أن المعارضة لا تطرح مسارًا سياسيًا متكاملًا بشأن مستقبل قطاع غزة، أو شكل الإدارة الفلسطينية فيه، أو آليات الانسحاب الإسرائيلي، أو إعادة الإعمار، أو إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية أوسع. وتشير تقارير أخرى عن الحملة إلى وجود خلافات بين المرشحين حول كيفية إدارة الحرب والأمن، لكن المنافسة تتركز إلى حد كبير على من يستطيع ضمان الأمن الإسرائيلي، بدلًا من تقديم خطة واضحة لإنهاء الصراع مع الفلسطينيين.
ويظهر هذا التوجه أيضًا في ملف الضفة الغربية المحتلة، حيث تتواصل اعتداءات المستوطنين وتتوسع البؤر الاستيطانية، وسط قيود إسرائيلية على حركة الفلسطينيين. وقد وثقت منظمات إسرائيلية ودولية تصاعد الاعتداءات خلال موسم قطف الزيتون في خريف 2026، بما في ذلك تدمير الأشجار والاستيلاء على المحاصيل والاعتداء على المزارعين. ولا تبدو هذه القضية في صدارة البرامج الانتخابية لمعظم القوى المنافسة، رغم تأثيرها المباشر في حياة الفلسطينيين وفي فرص أي تسوية مستقبلية.
هل يواجه آيزنكوت اختبارًا مع المستوطنين؟
يطرح تقرير «ميدل إيست آي» احتمال أن يؤدي فوز آيزنكوت، في حال تمكنه من تشكيل حكومة، إلى توتر جديد مع جماعات استيطانية ترفض أي خطوات تحد من نفوذها أو تستهدف البؤر غير المرخصة. ويستند هذا السيناريو إلى أن آيزنكوت يريد، بحسب تصريحاته، إخضاع الاستيطان لقيود قانونية إسرائيلية أشد، ومعارضة أعمال العنف التي ينفذها مستوطنون ضد الفلسطينيين. وقد يثير أي تحرك فعلي في هذا الاتجاه مقاومة من جماعات ترى أن توسيع المستوطنات جزء من مشروعها السياسي.
لكن احتمال تحول هذا التوتر إلى مواجهة مباشرة مع الحكومة أو المؤسسة العسكرية يظل توقعًا تحليليًا، وليس نتيجة مؤكدة. ويتوقف ذلك على طبيعة القرارات التي قد تتخذها الحكومة، وردود فعل المستوطنين، وموقف الجيش والأجهزة الأمنية. وتتمثل المعضلة في أن أي حكومة إسرائيلية جديدة قد تواجه ضغطًا من اليمين لعدم تقييد الاستيطان، بينما تتعرض في الوقت نفسه لانتقادات دولية بسبب التوسع الاستيطاني والعنف ضد الفلسطينيين.
هل يعود نتنياهو إلى الحكومة عبر ائتلاف جديد؟
حتى مع التراجع المتوقع لليكود، لا يمكن استبعاد قدرة نتنياهو على المناورة بعد الانتخابات. فالنظام البرلماني الإسرائيلي يسمح للأحزاب بإعادة ترتيب تحالفاتها بعد إعلان النتائج، وقد يحاول نتنياهو استقطاب نواب من أحزاب منافسة إذا اقترب معسكره من أغلبية مريحة. وفي المقابل، قد يواجه آيزنكوت صعوبة في تشكيل حكومة مستقرة إذا بقيت أحزاب المعارضة منقسمة، أو إذا استبعد مسبقًا قوى يمكن أن تمنحه دعمًا برلمانيًا إضافيًا.
ويطرح التقرير احتمال تشكيل حكومة وحدة تضم آيزنكوت ونتنياهو، أو صيغة لتقاسم السلطة، باعتبارها أحد السيناريوهات الممكنة لتجنب الجمود السياسي. إلا أن هذا الخيار قد يواجه رفضًا من ناخبين صوتوا للمعارضة تحديدًا لإخراج نتنياهو من الحكم، كما قد يصطدم باختلافات عميقة بشأن المسؤولية عن هجوم 7 أكتوبر وإدارة الحرب. ولا يوجد ما يثبت أن هذا السيناريو أصبح اتفاقًا فعليًا بين الطرفين، كما لا يمكن الجزم بأنه سيسحب الذرائع من اليمين المتطرف أو يمنع التوتر مع جماعات المستوطنين.
انتخابات قد تغيّر الحكومة من دون تغيير الاتجاه العام
تتجه إسرائيل إلى انتخابات لا تحسم فيها استطلاعات الرأي مستقبل الحكومة بصورة مسبقة. فقد يتراجع نتنياهو ويخسر الليكود عددًا كبيرًا من المقاعد، لكن اليمين المتشدد قد يحتفظ بقوة برلمانية مؤثرة، أو يستفيد من انتقال أصوات ناخبين يمينيين من الليكود إلى أحزاب أكثر تشددًا. وفي المقابل، لا تزال المعارضة تواجه تحديًا يتعلق بتوحيد صفوفها وصياغة برنامج حكومي مشترك، ولا سيما بشأن الفلسطينيين والاستيطان والعلاقة مع الأحزاب العربية.
وتظل عتبة 61 مقعدًا هي المفتاح الأساسي لفهم ما بعد الانتخابات. فإذا لم يحصل أي معسكر على أغلبية قابلة للتشكيل، فقد تدخل إسرائيل في مفاوضات ائتلافية معقدة تمتد لأسابيع، أو تواجه حالة من الجمود السياسي. وبين ضعف نتنياهو الشخصي واستمرار قوة اليمين، قد تغيّر انتخابات 27 أكتوبر شكل الحكومة المقبلة، لكن نتائجها وحدها لن تكشف ما إذا كان ذلك سيؤدي إلى تحول ملموس في سياسات إسرائيل تجاه غزة والضفة الغربية والمنطقة.
اقرأ المزيد
نتنياهو يواجه عزلة دولية على منصة الأمم المتحدة ويستثمر خطابه في معركة الانتخابات بإسرائيل
تفاصيل اتهامات أفي جيل لـ نتنياهو بالتلاعب بسجلات 7 أكتوبر وإلغاء صفقة التبادل..
بعد 3 سنوات على هجوم 7 أكتوبر.. صدمة إسرائيلية تلقي بظلالها على الانتخابات المقبلة

