وطن-في تصعيد جديد يعيد البحر الأحمر ومضيق باب المندب إلى قلب الصراع الإقليمي، باتت هجمات جماعة الحوثي على البنية التحتية النفطية السعودية، وتمدّد نفوذها على مسارات الشحن البحرية، عاملاً يمنح إيران أفضلية استراتيجية واضحة، لكنه في الوقت نفسه يضع طهران أمام خطر فقدان السيطرة على مسار الأزمة إذا خرجت المواجهة عن حدود الحسابات السياسية والعسكرية.
وقال موقع ميدل إيست آي إن السيطرة التي حققها الحوثيون، في سبتمبر الماضي، على مدينة المخا الساحلية الاستراتيجية في اليمن بعد انتزاعها من القوات الحكومية المدعومة من السعودية، وضعت طريقاً بديلاً بالغ الأهمية لصادرات النفط السعودية عبر مضيق باب المندب تحت تهديد مباشر.
وتكمن أهمية باب المندب في كونه نقطة وصل حيوية بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، ما يجعله أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة العالمية. وبحسب ما أوردته وكالة فرانس برس، شوهدت سفن تجارية راسية قبالة السواحل اليمنية قرب المضيق في مشهد يعكس حجم الاضطراب الذي يطال حركة الملاحة في المنطقة.
ويرى التقرير أن إيران تجد في هذا التصعيد فرصة لرفع أسعار النفط وزيادة الضغط على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب، مع ربط التهديدات التي تطال حركة الشحن عبر باب المندب بأي اضطرابات محتملة في مضيق هرمز، الشريان الأهم لصادرات الطاقة الخليجية.
لكن هذه الورقة لا تخلو من تعقيدات. فبينما طلبت السعودية من طهران التدخل للمساعدة في احتواء الحوثيين، تجد إيران نفسها أمام حدود نفوذها الفعلي على الجماعة اليمنية، التي تتحرك وفق حسابات داخلية خاصة، وليست مجرد أداة تابعة بالكامل لطهران.
وأضاف موقع ميدل إيست آي أن طهران باتت أمام معادلة دقيقة: دعم حليف إقليمي أساسي في اليمن، من دون السماح للصراع بأن يتوسع إلى مستوى يصعب ضبطه، خاصة مع تزايد التداخل بين أمن البحر الأحمر ومضيق هرمز وملف صادرات النفط السعودية.
الحوثيون ليسوا مجرد «وكيل إيراني»
وتشير المعطيات إلى أن التوتر بين السعودية وجماعة الحوثي، المعروفة رسمياً باسم «أنصار الله»، كان يتراكم منذ أشهر. ففي يوليو الماضي، ذكرت مصادر تحدثت إلى وكالة رويترز أن طهران أرسلت طائرة إلى اليمن تحمل ما بين 10 و21 عنصراً من الحرس الثوري الإيراني، بينهم قادة بارزون، في خطوة فُسرت على أنها تحدٍ للحصار الذي تقوده السعودية.
ونقل موقع ميدل إيست آي عن مصدر محافظ بارز أن السفير السعودي في إيران، وهو شخصية ذات خلفية أمنية، التقى لاحقاً مسؤولين إيرانيين في محاولة لخفض مستوى التوتر ومنع انزلاق الموقف إلى مواجهة أوسع.
وقال المصدر إن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أبدى استعداده للسفر إلى السعودية بناءً على طلب الرياض، غير أن الزيارة لم تتم في نهاية المطاف. ووفق المصدر ذاته، أرادت السعودية من إيران الضغط على الحوثيين لوقف الهجمات والتهديدات، بينما طالبت طهران برفع الحصار السعودي، وعرضت التوسط بين أطراف النزاع.
وكشف موقع ميدل إيست آي أيضاً أن مسؤولين باكستانيين زاروا طهران أكثر من مرة أو تواصلوا هاتفياً مع عراقجي، لحث إيران على استخدام نفوذها لدى الحوثيين ودفعهم نحو خفض التصعيد.
غير أن مصدراً رفيعاً مقرباً من دوائر صنع القرار في إيران قال للموقع إن السعودية وباكستان تخطئان عندما تنظران إلى الحوثيين باعتبارهم وكيلاً إيرانياً صرفاً. وبحسب هذا المصدر، فإن «حزب الله» في لبنان يمكن اعتباره امتداداً مباشراً لإيران إلى حد كبير، أما الحوثيون فيتحركون وفق مصالحهم وحساباتهم اليمنية الخاصة.
وأوضح المصدر أنه لو كان الحوثيون مجرد ذراع إيرانية، لأغلقوا مضيق باب المندب بالكامل أمام جميع السفن، بما في ذلك السفن الأمريكية، بدلاً من التركيز على السفن المرتبطة بالسعودية. وأضاف أن الرياض طلبت من إيران المساعدة في تثبيت وقف لإطلاق النار لعدة أسابيع، لكن الحوثيين لم يوافقوا.
وفي 11 أكتوبر، وبعد هجومين حوثيين استهدفا المطار الرئيسي في الرياض وأسفرا عن مقتل 13 شخصاً، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال اتصال مع نظيره السعودي، إن طهران مستعدة للمساعدة في إطلاق محادثات بين السعودية وأنصار الله، والعمل من أجل حل سياسي للأزمة اليمنية.
أزمة مؤجلة لا منتهية
ونقل ميدل إيست آي عن محلل إيراني متخصص في الشأن السعودي، يكتب في وسيلة إعلام إصلاحية داخل إيران، أن وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه عام 2022 بين الحوثيين والرياض لم يحل الأزمة اليمنية، بل دفعها إلى الهامش مؤقتاً.
وأوضح المحلل أن الأزمة عادت للظهور مع أول مؤشر على تصعيد إقليمي، لأن أسبابها العميقة بقيت من دون معالجة. وأضاف أن الأمن حول مضيق باب المندب أصبح أكثر ارتباطاً بالتطورات في مضيق هرمز، ما يعني أن ملف اليمن لم يعد محصوراً في الداخل اليمني أو في نطاق شبه الجزيرة العربية فقط.
وبحسب المحلل نفسه، فإن أزمة اليمن تتحول تدريجياً من نزاع داخلي، ثم صراع إقليمي محدود، إلى مواجهة إقليمية ودولية أوسع، ترتبط بأمن الطاقة والتجارة العالمية والممرات البحرية الحيوية.
وأشار، وفق ما أورده ميدل إيست آي، إلى أن إصرار الرياض على المقاربة العسكرية لا يرتبط فقط بالمخاوف الأمنية المباشرة، بل ينبع أيضاً من نظرة السعودية إلى اليمن باعتباره جزءاً من مكانتها الإقليمية وهيبتها التاريخية في شبه الجزيرة العربية.
ويرى المحلل أن هذه النظرة تجعل الرياض أقل استعداداً لاعتماد مقاربة مرنة تجاه اليمن، سواء عبر الاعتراف بالحوثيين كقوة سياسية أمر واقع، أو القبول بظهور سلطة تقودها جماعة شيعية على حدودها الجنوبية.
قواعد اشتباك جديدة: «الرياض مقابل صنعاء»
ومع التقدم السريع للحوثيين على امتداد ساحل البحر الأحمر وفي محيط باب المندب، اتجهت السعودية الشهر الماضي إلى الصين طلباً للمساعدة، بعدما أصبحت مكاسب الجماعة تهدد صادرات النفط السعودية وحركة الشحن البحري.
وقالت مصادر إيرانية لوكالة رويترز إن الصين حثت طهران، في اتصالات غير معلنة، على كبح الحوثيين ومنع مزيد من التصعيد في ممرات الطاقة الحيوية التي تعتمد عليها بكين في تجارتها ووارداتها.
ونقل ميدل إيست آي عن محلل محافظ قريب من مراكز السلطة في إيران أن الضربات التي طالت منشآت حيوية في عمق الأراضي السعودية تشير إلى أن رد صنعاء على الإجراءات السعودية والحصار المفروض على اليمن لم يعد مقتصراً على الرد العسكري التقليدي.
وخلال الأسابيع الأخيرة، شن الحوثيون عدة هجمات على مطارات سعودية، بينها مطار الملك خالد الدولي في الرياض ومطار أبها الدولي في منطقة عسير. وفي 10 أكتوبر، أدى هجوم على مطار الملك خالد إلى مقتل ما لا يقل عن 12 شخصاً وإصابة أكثر من 300 آخرين. وفي اليوم التالي، تسبب هجوم آخر على المطار نفسه في مقتل شخص وإصابة نحو عشرة آخرين.
وقال المحلل إن الحوثيين يسعون إلى فرض معادلات ميدانية جديدة تقوم على شعارات مثل «الرياض مقابل صنعاء»، و«مطار مقابل مطار»، و«نفط مقابل نفط»، و«حصار مقابل حصار».
وأضاف أن عبارة «الرياض مقابل صنعاء» ليست مجرد شعار سياسي، بل تعكس محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الهجوم والرد، وإرسال رسالة مفادها أن الأراضي اليمنية لن تبقى وحدها ساحة الحرب.
وبحسب ما نقل الموقع، فإن الرسالة العسكرية للحوثيين لا تنفصل عن الرسالة السياسية؛ إذ تريد صنعاء إظهار أن استمرار الحرب ستكون له كلفة مباشرة على السعودية نفسها، وليس على اليمن وحده.
إيران أمام خطر استراتيجي كبير
في المقابل، حذر أكاديمي إصلاحي إيراني من أن طهران قد تخسر موقعها الاستراتيجي إذا مضت القوى الإقليمية والدولية نحو صياغة ترتيبات أمنية جديدة حول باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن.
وقال الأكاديمي لموقع ميدل إيست آي إن إيران مطالبة بالسعي إلى تخفيف التوتر بين السعودية والحوثيين، لأن استمرار التصعيد قد يدفع أطرافاً دولية إلى بناء منظومة أمنية بحرية طويلة الأمد تقلّص هامش النفوذ الإيراني.
وفي يوليو الماضي، أعلنت السعودية و13 دولة أخرى تشكيل تحالف عسكري بحري لحماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. ويرى الأكاديمي أن أهمية هذا التحالف تتجاوز المواجهة الحالية مع أنصار الله.
وأوضح أن ما بدا في البداية حملة موجهة للتصدي لهجمات الحوثيين على السفن التجارية قد يتحول إلى إطار إقليمي دائم لأمن الممرات البحرية، مع جعل باب المندب نقطة ارتكاز رئيسية في هذه المنظومة.
وأضاف أن دولاً ذات أولويات استراتيجية مختلفة، وبعضها يحمل مصالح متنافسة، بدأت تجد أرضية مشتركة حول حماية طرق الملاحة الحيوية. وقد تكون لهذه الترتيبات تداعيات واسعة على التجارة العالمية وتوازن القوى في المنطقة.
وبحسب الأكاديمي الذي تحدث إلى ميدل إيست آي، فإن الخطر بالنسبة إلى طهران لم يعد محصوراً في علاقتها بالحوثيين أو قدرتها على التأثير في اليمن، بل بات يتعلق باحتمال نشوء ترتيبات إقليمية جديدة تقيد تدريجياً المدى الاستراتيجي لإيران وتضعف نفوذها في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
ويرى الأكاديمي أن القلق الأساسي يتمثل في احتمال انشغال طهران بالحسابات التكتيكية الآنية، على حساب إدراك التحول الأكبر الذي يتشكل حولها في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
باب المندب وهرمز.. مصير واحد في حسابات طهران
من جهتها، ربطت وكالة تسنيم الإيرانية، القريبة من الحرس الثوري، بين مستقبل الصراع الأمريكي الإيراني ومصير مضيق هرمز من جهة، وبين الصراع في اليمن والتوازن الاستراتيجي حول باب المندب وصادرات النفط السعودية عبر البحر الأحمر من جهة أخرى.
وقالت الوكالة إن القيود التي يفرضها الحوثيون على الملاحة في البحر الأحمر، بالتزامن مع الاضطرابات في مضيق هرمز، زادت الضغط على صادرات الطاقة السعودية ورفعت حساسية الملف اليمني بالنسبة إلى طهران.
ونقلت تسنيم عن خبير إيراني قوله إن أي نتيجة ستتمخض عنها التطورات في مضيق هرمز ستؤثر مباشرة في ملف اليمن، سلباً أو إيجاباً. وحذر الخبير من أن إضعاف الحوثيين أو إنهاء سيطرتهم على أجزاء من ساحل البحر الأحمر ستكون لهما نتائج خطيرة بالنسبة إلى إيران.
وأضاف الخبير، بحسب الوكالة، أنه إذا ضعُف الحوثيون أو فقدوا منفذهم إلى البحر الأحمر وسواحله، أو حصلت الولايات المتحدة والغرب والسعودية على ضمانات تمنع تهديد منشآت الطاقة السعودية من الجنوب، فإن ذلك قد يمنح واشنطن وحلفاءها حرية أكبر في التحرك ضد طهران.
ودعت وكالة تسنيم القيادة الإيرانية إلى تعزيز دعمها الدبلوماسي للحوثيين، معتبرة أن إيران لا ينبغي أن تتوقع من حلفائها الدفاع عنها بكامل قدراتهم إذا لم تستخدم هي كل أدواتها للدفاع عنهم.
ونقلت الوكالة عن الخبير قوله: «عندما لا نوظف كل قدراتنا للدفاع عن حليف، لا ينبغي أن نتوقع من ذلك الحليف أن يوظف كل قدراته للدفاع عنا».
وبين المكاسب التكتيكية التي تجنيها طهران من الضغط على السعودية عبر البحر الأحمر، والمخاطر الاستراتيجية المترتبة على تدويل أمن باب المندب، تبدو إيران أمام اختبار بالغ الحساسية. فالحوثيون يمنحونها ورقة ضغط قوية، لكن اتساع رقعة المواجهة قد يحول هذه الورقة إلى عبء يصعب التحكم به في منطقة تتشابك فيها طرق النفط مع حسابات النفوذ والحرب.
اقرأ المزيد
بعد اتهام السعودية بقتل 8 صيادين.. الحوثيون يعلنون استهداف مواقع للتحالف بقيادة الرياض
الحوثيون يستهدفون الرياض بصاروخ باليستي.. والسعودية تعلن اعتراضه وسط تصعيد متسارع
بعد اتهام السعودية بقتل 8 صيادين.. الحوثيون يعلنون استهداف مواقع للتحالف بقيادة الرياض

