وطن-دخل الاتفاق الدفاعي المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان مرحلة جديدة، بعدما أحالت أنقرة الاتفاق إلى البرلمان للمصادقة عليه، وسط مخاوف من أن يفتح الباب أمام مشاركة تركية أوسع في دعم السعودية عسكرياً، في ظل تصاعد المواجهات مع جماعة الحوثيين في اليمن.
ووقّعت الدول الثلاث اتفاق مكة للدفاع المشترك في 7 أغسطس 2026، وينص على اعتبار أي هجوم مسلح على أحد أطرافه هجوماً يستدعي المساعدة من الطرفين الآخرين. وفي 20 أكتوبر، أُحيل الاتفاق إلى البرلمان التركي للمصادقة عليه، فيما أفاد نواب من الحزب الحاكم بأن الحكومة تستعد أيضاً لطلب تفويض منفصل يسمح بنشر عسكريين في السعودية بعد استكمال إجراءات اعتماد الاتفاق.
وتزامنت الخطوة مع احتجاج نظمه الحزب الشيوعي التركي في أنقرة، الأربعاء 21 أكتوبر، رفضاً للاتفاق، محذراً من احتمال جر البلاد إلى الحرب في اليمن. لكن الاحتجاج لا يمثل، بمفرده، دليلاً على انتفاضة شعبية واسعة؛ بل يعكس اعتراضاً سياسياً منظماً على توسيع الالتزامات العسكرية التركية خارج الحدود.
ماذا يعني اتفاق مكة للدفاع المشترك؟
يقوم الاتفاق الثلاثي على مبدأ المساعدة المتبادلة في حال تعرض أي من الدول الموقعة لهجوم مسلح. ويهدف، بحسب التصريحات الرسمية، إلى تعزيز الردع والتنسيق العسكري وتطوير التعاون في مجالات الدفاع والصناعات العسكرية.
وتأتي هذه الترتيبات في ظل هجمات حوثية على أهداف داخل السعودية، وتصاعد المواجهات على جبهات يمنية عدة. وتسعى الرياض إلى تعزيز قدراتها على حماية المدن والمنشآت الحيوية، فيما ترى أنقرة وإسلام آباد أن التعاون الدفاعي يمكن أن يرفع مستوى التنسيق بين الدول الثلاث.
لكن الاتفاق لا يعني تلقائياً إرسال قوات تركية إلى اليمن. فالمصادقة على الاتفاق مسار قانوني، أما نشر القوات خارج البلاد فيتطلب إجراءات وقرارات إضافية وفق الدستور التركي والتفويضات المعمول بها.
ووفق ما نقلته رويترز، يتضمن المسار المطروح حالياً تصديق البرلمان على الاتفاق، على أن تتقدم الحكومة لاحقاً بطلب منفصل يتعلق بتفويض نشر عسكريين في السعودية. ولا تزال تفاصيل هذا التفويض المحتمل وحجم القوات التي قد تُنشر غير معلنة بصورة نهائية.
أنقرة تؤكد أن دورها دفاعي
حاولت الحكومة التركية احتواء المخاوف من الانخراط في الحرب اليمنية، مؤكدة أن اتفاق مكة دفاعي بطبيعته ولا يستهدف شن هجمات على دول أخرى.
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في تصريحات سابقة، إن بلاده لا تعتزم إرسال قوات إلى أراضي دولة أخرى لتنفيذ هجمات انطلاقاً منها، مشيراً إلى أن مجالات الدعم قيد البحث تشمل الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والمساندة الفنية.
وبحسب تصريحات نقلتها رويترز، يُتوقع أن يتركز الدعم التركي الأولي على المعدات العسكرية وتبادل المعلومات والخبرات التقنية، بما يساعد السعودية على مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة. كما وافقت تركيا على الانضمام إلى تحالف تقوده السعودية لتعزيز سلامة الملاحة في البحر الأحمر.
غير أن طبيعة الاتفاق الدفاعي تثير تساؤلات بشأن حدود الالتزام إذا اتسعت الهجمات أو تعرضت إحدى الدول الموقعة لاعتداء جديد. فالتعهد بالمساعدة لا يحدد بالضرورة شكل الاستجابة العسكرية في كل حالة، وقد تختلف الخيارات بين تزويد الحليف بالمعدات والمعلومات، وتعزيز الدفاعات الجوية، أو نشر خبراء وعسكريين في مواقع محددة. ولهذا، يبقى حجم الدور التركي مرتبطاً بقرارات الحكومة والبرلمان، وبالاحتياجات الدفاعية السعودية، وبكيفية تطور المواجهات خلال الفترة المقبلة.
احتجاج في أنقرة يحذر من جر تركيا إلى حرب اليمن
في المقابل، رفض الحزب الشيوعي التركي الاتفاق، معتبراً أنه قد يضع البلاد أمام التزامات عسكرية لا تخدم مصالح المواطنين، وقد يجر القوات التركية إلى حرب إقليمية.
ونظم الحزب احتجاجاً في ميدان ساكاريا بالعاصمة أنقرة، مساء 21 أكتوبر، ودعا النواب إلى رفض الاتفاق، محذراً من أن تتحول المساعدة الدفاعية للسعودية إلى مشاركة في عمليات مرتبطة بالحرب اليمنية. كما ربط الحزب اعتراضه بالأوضاع الاقتصادية الداخلية، قائلاً إن الأعباء المعيشية التي يواجهها المواطنون تجعل من الضروري تجنب الانخراط في صراع خارجي جديد.
ويعكس هذا التحرك اعتراضاً سياسياً على الاتفاق، لكنه لا يكفي وحده لتعميم الموقف على الرأي العام التركي بأكمله. كما أن وجود معارضة شعبية أو حزبية لا يعني بالضرورة أن البرلمان سيرفض المصادقة، إذ يتوقف القرار على موازين القوى داخل المجلس والنقاشات التي ستجري في لجانه.
البرلمان هو المحطة التالية
ينص الدستور التركي، في مادته الثانية والتسعين، على أن صلاحية الإذن بإرسال القوات المسلحة التركية إلى دول أخرى تعود إلى البرلمان، مع استثناءات محددة تتعلق بالمعاهدات الدولية وحالات الضرورة. ويجعل ذلك المؤسسة التشريعية محوراً أساسياً في تحديد مدى الالتزام العسكري التركي خارج البلاد.
وأُدرج مشروع المصادقة على اتفاق مكة في البرلمان التركي يوم 21 أكتوبر، وأُحيل إلى لجنة الشؤون الخارجية، مع إحالة مرتبطة إلى لجنة الدفاع الوطني، وفق السجل البرلماني الرسمي. وحتى الآن، لا يظهر في السجل المنشور أن المشروع حُسم بالموافقة النهائية.
وبالتالي، فإن الحديث عن إرسال قوات تركية لا ينبغي أن يُعرض باعتباره قراراً نهائياً. فهناك فرق بين عرض الاتفاق على البرلمان، والمصادقة عليه، ثم الحصول على التفويض المطلوب لأي عملية نشر عسكري محددة.
وإذا وافق البرلمان على الاتفاق وعلى تفويض النشر لاحقاً، فستظل طبيعة المشاركة ومدتها ومهامها من العوامل الأساسية التي تحدد ما إذا كان الدور التركي سيبقى في نطاق الدفاع والتدريب، أم سيتوسع مع تغير الظروف الميدانية.
هل تقود المساعدة الدفاعية إلى مشاركة في حرب اليمن؟
تمثل الحرب في اليمن مصدر القلق الأساسي لدى المعارضين للاتفاق. فالسعودية تدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، فيما تسيطر جماعة الحوثيين على صنعاء ومناطق واسعة من البلاد، وقد تصاعدت المواجهات مجدداً بعد فترة من التهدئة النسبية.
وتقول أنقرة إن دعم السعودية يندرج ضمن الدفاع عن دولة حليفة، لا ضمن حملة هجومية داخل اليمن. لكن التطورات الميدانية قد تفرض أسئلة إضافية بشأن كيفية حماية المنشآت السعودية من الهجمات، ومدى ارتباط الدعم الدفاعي بعمليات التحالف في البحر الأحمر أو بمهام عسكرية أخرى.
ولا يوجد حتى الآن إعلان رسمي بأن تركيا قررت إرسال قوات للمشاركة في القتال داخل اليمن. كما أن الاتفاق الثلاثي لا يحدد، بمفرده، أن الاستجابة لأي هجوم ستتخذ شكل عملية هجومية مباشرة؛ فآليات التنفيذ وتفاصيل الدعم الفعلي ستعتمد على القرارات اللاحقة.
ومع ذلك، فإن توسيع التعاون العسكري في ظل نزاع نشط يحمل مخاطر سياسية وأمنية، خصوصاً إذا تغير نطاق التهديد أو اتسعت المواجهات لتشمل أهدافاً جديدة.
تركيا بين التحالفات الإقليمية وحسابات الداخل
يعكس اتفاق مكة رغبة تركيا والسعودية وباكستان في تعزيز التعاون الدفاعي في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة ترتيب للتحالفات وتزايداً للمخاطر الأمنية. لكنه يضع أنقرة أيضاً أمام موازنة بين تعزيز علاقاتها مع الرياض وإسلام آباد، وتجنب الانجرار إلى عمليات عسكرية قد تزيد تعقيد علاقاتها الإقليمية.
أما في الداخل، فإن احتجاج الحزب الشيوعي التركي يسلط الضوء على جانب من الاعتراضات السياسية على الاتفاق، ولا سيما المخاوف من إرسال الجنود إلى جبهة خارجية في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية واجتماعية.
وتبقى الأسئلة الرئيسية مرتبطة بما سيقرره البرلمان، وحدود التفويض العسكري المحتمل، وطبيعة المهام التي قد تنفذها القوات أو الفرق الفنية التركية في السعودية.
وفي ظل استمرار الحرب اليمنية وتهديدات الحوثيين للسعودية، تبدو أنقرة أمام اختبار دقيق: تعزيز التعاون الدفاعي مع حلفائها، مع الحفاظ على التزامها المعلن بعدم المشاركة في عمليات هجومية داخل اليمن. ولن يتضح مدى هذا الالتزام عملياً إلا مع صدور القرارات البرلمانية وتحديد المهام العسكرية بصورة رسمية.
اقرأ أيضاً
تركيا وقطر وباكستان وإندونيسيا توقّع اتفاق «بدر» لإنتاج الأسلحة وتعزيز الصناعات الدفاعية المشتركة
البرلمان الليبي يقر الاتفاقية البحرية مع تركيا.. تحول استراتيجي يربك حسابات اليونان وقبرص
تركيا تعزز دفاعات السعودية بقوات وأنظمة دفاع جوي لمواجهة هجمات الحوثيين..
هجمات الحوثيين تضرب مطاري الرياض وأبها.. وتركيا وباكستان تتحركان لتعزيز دفاعات السعودية

