وطن-دخل ملف الصحراء الغربية مرحلة غير مسبوقة بعد الفيتو الروسي في مجلس الأمن، الذي أطاح بمشروع قرار كان سيحدد مسار بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «مينورسو». ومع تأكد خروج البعثة الأممية من الإقليم، بعد نحو 35 عاماً من الوجود الدولي، تتزايد المخاوف من فراغ أمني وسياسي قد يعيد النزاع إلى واجهة التوتر الإقليمي في شمال أفريقيا.
وقالت صحيفة «إل إندبندينتي» الإسبانية إن تداعيات الفيتو الروسي بدأت تظهر سريعاً في الصحراء الغربية، حيث أعقبت احتفالات أولية للمستوطنين المغاربة في المناطق الخاضعة لسيطرة الرباط أيام من التوتر والترقب. وبحسب الصحيفة، فإن انتهاء وجود «مينورسو» يطرح سؤالاً كبيراً حول الوجهة المقبلة للنزاع، خصوصاً في ظل غياب آلية أممية كانت تراقب، ولو بحدود معينة، تطورات الوضع الميداني.
وترى جبهة البوليساريو أن المشهد الجديد يختلف جذرياً عما كان قائماً قبل أيام قليلة. ونقلت الصحيفة عن مصادر صحراوية قولها إن المرحلة الحالية «مختلفة تماماً» عما سبق، مع عدم استبعاد أن تستغل الرباط انسحاب عناصر الأمم المتحدة من الإقليم من أجل رفع مستوى التصعيد العسكري أو السياسي.
الرباط ترى اللحظة «حاسمة» بعد تعثر مشروع القرار
ناقش البرلمان المغربي، الاثنين، تطورات ملف الصحراء الغربية في لحظة وصفها نواب ومسؤولون مغاربة بأنها «حاسمة». وتشير «إل إندبندينتي» إلى أن المغرب يسيطر على الإقليم منذ نحو خمسين عاماً، بعد انسحاب إسبانيا منه من دون استكمال مسار تصفية الاستعمار الذي كانت الأمم المتحدة قد أوكلته إليها.
وكانت الرباط تراهن على تمرير قرار في مجلس الأمن يكرس مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره «الأساس الوحيد» لإنهاء النزاع في الصحراء الغربية. غير أن الفيتو الروسي أسقط هذه الصيغة، في ما بدا للوهلة الأولى ضربة دبلوماسية للطموحات المغربية. لكن الصحيفة الإسبانية ترى أن التطور نفسه قد يتحول إلى نافذة فرصة بالنسبة للسلطات المغربية، بعدما انتهى عملياً وجود بعثة كانت تشكل مصدر إزعاج دائم للرباط.
وبحسب ما أوردته «إل إندبندينتي»، فإن خطة تفكيك بعثة «مينورسو» تشمل إعادة 160 مراقباً عسكرياً إلى بلدانهم، إضافة إلى 180 موظفاً مدنياً، وإغلاق 13 قاعدة أممية في المنطقة. وهذه الخطوة تنهي حضوراً بدأ منذ عام 1991، حين أنشئت البعثة لمراقبة وقف إطلاق النار وتنظيم استفتاء تقرير المصير الذي لم يرَ النور حتى اليوم.
«مينورسو».. بعثة لم تكن مريحة للمغرب
رغم أن المغرب كان يأمل تمرير القرار الأممي الأخير، فإن وجود «مينورسو» داخل الإقليم لم يكن محل ترحيب من الرباط. وذكرت الصحيفة أن السلطات المغربية عملت طوال سنوات على عرقلة عملية إعداد لوائح الناخبين للاستفتاء، رغم أن لجنة تحديد الهوية التابعة للبعثة كانت قد أنهت عملها قبل أكثر من عقدين، قبل أن يتحول ذلك المسار إلى وثيقة بلا أثر عملي.
وأضافت «إل إندبندينتي» أن ما كان يزعج الرباط بشكل خاص هو التقارير الدورية التي يرفعها موظفو الأمم المتحدة من داخل الإقليم. وعلى الرغم من أن «مينورسو» تعد من بين بعثات الأمم المتحدة القليلة التي لا تشمل ولايتها مراقبة انتهاكات حقوق الإنسان، فإنها كانت تذكّر المجتمع الدولي باستمرار بأن هناك نزاعاً قائماً في الصحراء الغربية.
وفي هذا السياق، نقلت الصحيفة عن صحيفة «هسبريس» المغربية، وهي من أكثر المواقع الرقمية قراءة في المغرب، قولها إن بعثة «مينورسو» كانت «نتاج سياق متجاوز»، واعتبرتها أداة أسهمت طويلاً في «تدويل النزاع الإقليمي المتعلق باسترجاع المغرب لأقاليمه الصحراوية»، وفق التعبير الوارد في الصحيفة المغربية.
نهاية «مينورسو» لا تعني نهاية الملف في الأمم المتحدة
ورغم أن فشل مشروع القرار في مجلس الأمن لم يمنح المغرب الاعتراف الأممي الذي كان يطمح إليه، فإن «إل إندبندينتي» ترى أن الرباط لم تخرج خاسرة بالكامل. فبخروج «مينورسو»، تكون السلطات المغربية قد تخلصت من وجود أممي ميداني كان يراقب التطورات على الأرض ويرفع تقارير إلى المنظمة الدولية.
وفور الإعلان عن الفيتو الروسي، أصدر الديوان الملكي المغربي بياناً أعلن فيه أن ملف الصحراء الغربية داخل الأمم المتحدة بات مغلقاً. غير أن الصحيفة الإسبانية وصفت هذا التصريح بأنه غير دقيق، مشيرة إلى أن اللجنة الرابعة التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، والمعنية بالمسائل السياسية الخاصة وتصفية الاستعمار، لا تزال تصدر قرارات دورية بشأن القضية الصحراوية.
وتذكّر «إل إندبندينتي» بأن الأمم المتحدة لا تزال تنظر إلى الصحراء الغربية باعتبارها آخر مستعمرة في أفريقيا، وهو ما يجعل الملف قائماً داخل المنظومة الأممية حتى لو غابت بعثة «مينورسو» عن الأرض.
مخاوف من تحرك مغربي في «المناطق المحررة»
مع خروج البعثة الأممية، تتصاعد المخاوف من أن تستغل الرباط الفراغ الجديد لضرب جبهة البوليساريو أو توسيع نطاق سيطرتها الميدانية. ونقلت الصحيفة عن الخبير في شؤون الدفاع والأمن بمنطقة شمال أفريقيا، أكرم خريف، قوله إن المغرب قد يحاول تنفيذ توغل «رمزي» في المناطق المحررة، وهي الشريط الشرقي من الصحراء الغربية الخاضع لسيطرة البوليساريو.
وقال خريف، مؤسس ومدير موقع «مينا ديفنس» المتخصص في الشؤون العسكرية، في حديثه إلى «إل إندبندينتي»، إن اجتياح هذه المناطق سيكون سهلاً من الناحية العسكرية بالنسبة للمغرب لأنها «فارغة» إلى حد كبير. لكنه في المقابل شدد على أن هذا السيناريو قد يفتح الباب أمام مخاطر كبيرة وغير محسوبة.
وتقع المناطق المحررة بين الجدار العسكري المغربي الممتد لأكثر من 2700 كيلومتر من جهة، وحدود موريتانيا والجزائر من جهة أخرى. وقد شيدت الرباط هذا الجدار خلال ثمانينيات القرن الماضي للفصل بين المناطق التي تسيطر عليها والمناطق التي تسيطر عليها جبهة البوليساريو.
وبحسب ما أوردته الصحيفة الإسبانية، فإن هذه المنطقة الواسعة من الصحراء لا تزال مليئة بالألغام التي زرعها الجيش المغربي بين عامي 1975 و1991، خلال المرحلة الأولى من الحرب. وهذا العامل يجعل أي عملية عسكرية واسعة محفوفة بالمخاطر، ليس فقط من الناحية القتالية، بل أيضاً من حيث الإمداد والتحرك البري.
وقف إطلاق النار انهار عملياً منذ 2020
لم تكن مهمة «مينورسو» تقتصر على التحضير لاستفتاء تقرير المصير، بل كانت أيضاً مسؤولة عن مراقبة وقف إطلاق النار الموقع عام 1991 بين المغرب وجبهة البوليساريو. غير أن هذا الاتفاق كان قائماً على أساس تنظيم استفتاء لتقرير المصير، وهو ما لم يحدث بسبب الخلافات المتواصلة بين الطرفين.
وأوضحت «إل إندبندينتي» أن جبهة البوليساريو أعلنت انتهاء الهدنة عملياً في عام 2020، بعد حادثة الكركرات، وهي المنطقة الحدودية التي تربط جنوب الصحراء الغربية بموريتانيا. ومنذ ذلك الحين، دخل الطرفان في حرب منخفضة الحدة، أسفرت، بحسب الصحيفة، عن مقتل مئات الصحراويين خلال السنوات الأخيرة.
وتتركز معظم المواجهات خلال الأعوام الماضية في محيط الجدار العسكري المغربي. ومع غياب المراقبين الأمميين، تزداد احتمالات توسع الاشتباكات أو انتقالها إلى مناطق أعمق، خصوصاً إذا قررت الرباط التحرك داخل الأراضي التي تصفها البوليساريو بالمحررة.
ويرى الخبير أكرم خريف أن أي دخول للقوات المغربية إلى منطقة نائية بهذا الحجم قد يمنح البوليساريو فرصة لاستنزافها عبر استهداف خطوط الإمداد واللوجستيات. وأضاف، بحسب الصحيفة الإسبانية، أن التحرك المغربي قد يبدو سهلاً في بدايته، لكنه قد يتحول إلى عبء عسكري وسياسي كبير على الرباط.
الجزائر في قلب الحسابات الإقليمية
إذا تصاعد النزاع في الصحراء الغربية، فإن الأنظار ستتجه سريعاً إلى الجزائر، الداعم الإقليمي الأبرز لجبهة البوليساريو. ورغم أن كثيرين يستبعدون تدخلاً عسكرياً جزائرياً مباشراً ضد المغرب، فإن «إل إندبندينتي» تؤكد أن الاحتمال لم يعد مستحيلاً في ظل التحولات الأخيرة في السياسة الخارجية الجزائرية.
ففي أكتوبر 2020، عدلت الجزائر دستورها بما يسمح بإرسال قوات إلى الخارج إذا وافق البرلمان على ذلك. وقبل أقل من شهر، تحولت هذه الإمكانية إلى واقع عبر إرسال جنود جزائريين إلى النيجر لحماية مصالح الطاقة الجزائرية في البلد المجاور، وفق ما أوردته الصحيفة.
واعتبرت «إل إندبندينتي» أن هذه الخطوة تمثل تحولاً مهماً في سياسة الجزائر الخارجية، التي التزمت منذ استقلالها بمبدأ عدم التدخل العسكري في دول أخرى. وهي المرة الأولى التي تغادر فيها قوات جزائرية البلاد منذ مشاركتها في حرب أكتوبر العربية الإسرائيلية عام 1973.
وتأتي هذه التحولات بينما يظهر المغرب، وفق الصحيفة، رغبة في رفع مستوى الضغط على حلفاء الجزائر الصحراويين بعد انتهاء مهمة «مينورسو». كما أن الرباط تعزز قدراتها العسكرية، بما في ذلك خطط تصنيع طائرات مسيرة قادرة على إصابة أهداف على مسافات بعيدة تصل إلى 2000 كيلومتر، في مؤشر إضافي على سباق تسلح متنامٍ في المنطقة.
الأمم المتحدة تدعو إلى ضبط النفس
في ظل هذه الأجواء، حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من تداعيات الوضع الأمني في الصحراء الغربية. وقال المتحدث باسمه، عقب انتهاء ولاية بعثة «مينورسو»، إن غوتيريش «لا يزال قلقاً إزاء الوضع الأمني في كامل الإقليم وخطر تصاعد الأعمال العدائية».
وبحسب «إل إندبندينتي»، دعت الأمم المتحدة جميع الأطراف إلى التحلي بأقصى درجات ضبط النفس، والامتناع عن أي خطوات قد تزيد التوتر أو تقوض الاستقرار الإقليمي. وعند سؤال إدارة عمليات السلام التابعة للأمم المتحدة عن احتمال أن يؤدي انسحاب «مينورسو» إلى تصعيد العنف، أحالت الإدارة إلى تصريحات الأمين العام الأخيرة.
وتشير مصادر من جبهة البوليساريو، تحدثت إليها الصحيفة، إلى أن الخطر لا يقتصر على مواجهة مباشرة بين البوليساريو والمغرب، بل قد يمتد إلى مستوى إقليمي أوسع. وترى هذه المصادر أن «كل شيء ممكن»، خصوصاً أن الجزائر باتت تمتلك مقاربة عسكرية مختلفة عما كانت عليه قبل سنوات، لكنها في الوقت نفسه تذكر بأن قضية الصحراء الغربية ما زالت حاضرة داخل اللجنة الرابعة للأمم المتحدة، وأن المنظمة الدولية تدعو إلى منع التصعيد.
وفي المقابل، يبدي أكرم خريف تشككاً في احتمال اندلاع مواجهة مباشرة بين الجزائر والمغرب، لكنه يرجح حدوث تصعيد بين المغرب وجبهة البوليساريو. وختم الخبير حديثه للصحيفة الإسبانية بالقول إن الرباط قد تدفع «ثمناً باهظاً» إذا اختارت توسيع المواجهة في الصحراء الغربية.
وبذلك، يجد ملف الصحراء الغربية نفسه أمام منعطف جديد: بعثة أممية تغادر، وقف إطلاق نار لم يعد قائماً فعلياً، ومخاوف من تصعيد قد يتجاوز حدود الإقليم. وبين حسابات الرباط، وتحذيرات البوليساريو، وترقب الجزائر، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة أكثر هشاشة في واحد من أطول النزاعات غير المحسومة في العالم.
اقرأ المزيد
صدام واشنطن وموسكو يعطل بعثة الصحراء الغربية.. هل تفقد «مينورسو» غطاءها الأممي؟
المغرب يتحرك نحو روسيا قبيل صدور قرار مجلس الأمن بشأن الصحراء الغربية..
تحرك أمريكي جديد: واشنطن تضع “خارطة طريق” للصلح بين المغرب والجزائر بشأن ملف الصحراء الغربية

