وطن-في خطوة تعكس اتساع الضغوط النقابية داخل كندا على خلفية الحرب في غزة، أعلن مؤتمر العمال الكندي، أكبر مركز نقابي في البلاد، رفضه التعامل مع الأسلحة والمعدات العسكرية المتجهة إلى إسرائيل، عقب تصويت أُقرّ يوم الخميس، في قرار يستهدف إشراك العمال في جهود منع وصول الإمدادات العسكرية إلى تل أبيب.
وقال موقع «ميدل إيست آي» البريطاني إن القرار جاء تحت عنوان التضامن مع العمال الفلسطينيين وعائلاتهم، ومع الداعين إلى السلام والعدالة واحترام القانون الدولي، في وقت يتواصل فيه الجدل داخل كندا بشأن صادرات السلاح إلى إسرائيل ومدى التزام الحكومة بتعهداتها المتعلقة بتقييد هذه الصادرات.
ويضم مؤتمر العمال الكندي، بحسب المعطيات الواردة في التقرير، نحو ثلاثة ملايين عامل في قطاعات متعددة، ما يمنح موقفه أهمية خاصة بالنظر إلى امتداد عضويته إلى مجالات النقل والموانئ والخدمات والصناعة، وهي قطاعات ترتبط مباشرة بحركة البضائع وسلاسل الإمداد.
دعوة للحكومة الكندية إلى وقف نقل الأسلحة
وأوضح المؤتمر، في بيان أعقب التصويت، أن قراره يأتي تضامناً مع العمال الفلسطينيين وأسرهم، داعياً الحكومة الكندية إلى اتخاذ موقف مماثل وإنهاء عمليات نقل الأسلحة والمعدات العسكرية إلى إسرائيل، سواء بصورة مباشرة أو عبر أطراف وسيطة.
وأكد الاتحاد أن على أوتاوا مسؤولية قانونية وأخلاقية لضمان عدم استخدام الأسلحة والمعدات المنتجة في كندا في إلحاق الضرر بالمدنيين الفلسطينيين أو المساهمة في انتهاكات القانون الإنساني الدولي.
وشدد البيان على ضرورة التزام كندا بالقانون الدولي وحماية أرواح المدنيين ودعم سلام عادل ودائم للفلسطينيين والإسرائيليين.
ويمثل القرار تطوراً في موقف الحركة النقابية الكندية، إذ لا يقتصر على إعلان التضامن السياسي، بل يطرح دوراً عملياً للعمال في منع التعامل مع الشحنات العسكرية التي يُشتبه في توجيهها إلى إسرائيل.
تحقيقات تتحدث عن استمرار صادرات السلاح رغم التعهدات
ويأتي التصويت في ظل تساؤلات بشأن مدى التزام الحكومة الكندية بتصريحاتها السابقة حول وقف أو تعليق تصاريح جديدة لتصدير الأسلحة إلى إسرائيل.
وكان «ميدل إيست آي» قد نشر تحقيقاً قال فيه إن بيانات تجارية أظهرت استمرار شحنات عسكرية كندية إلى إسرائيل، رغم التصريحات الرسمية بشأن تقييد الصادرات، مشيراً إلى أن بعض الشحنات سلكت طرقاً غير مباشرة، بينها المرور عبر الولايات المتحدة.
واستند التحقيق، وفق الصحيفة، إلى عمل فريق تطوعي من حركة الشباب الفلسطيني، بالتعاون مع مجموعات «عالم ما بعد الحرب» و«حظر السلاح الآن»، التي تتابع صادرات المعدات العسكرية الكندية إلى إسرائيل.
واتهمت هذه المجموعات الحكومة الكندية بمحاولة احتواء الاستياء الشعبي من موقفها إزاء الحرب على غزة، من دون إجراء تغيير فعلي يتناسب مع التصريحات المعلنة بشأن وقف صادرات السلاح.
أكثر من 390 شحنة وقطع لطائرات إف-35
وتضمن التقرير، الذي جاء في 58 صفحة تحت عنوان «كشف الصادرات العسكرية الكندية إلى إسرائيل»، توثيق أكثر من 390 شحنة صادرة عن 21 شركة كندية في ست مدن.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، شملت الشحنات أكثر من 420 ألف رصاصة، و735 قطعة من مكونات الخراطيش، إضافة إلى أجزاء مرتبطة بطائرات «إف-35»، بينها أجهزة استشعار ملاحية وأنظمة رادار، فضلاً عن مواد مزدوجة الاستخدام، مثل هوائيات نظام تحديد المواقع.
وتثير هذه المعطيات تساؤلات بشأن طبيعة المعدات التي استمرت في عبور سلاسل التوريد، ومدى خضوعها للقيود التي أعلنتها الحكومة الكندية، خصوصاً عندما تمر الشحنات عبر دول وسيطة أو تدخل في تصنيع أنظمة عسكرية متعددة المكونات.
رفض التمييز ومعاداة السامية في بيان النقابات
وفي بيانه، أكد مؤتمر العمال الكندي أن الحركة العمالية تقف إلى جانب حقوق العمال وسلامتهم وكرامتهم في مختلف أنحاء العالم، معلناً رفضه جميع أشكال الكراهية والتمييز، بما في ذلك معاداة السامية والعنصرية ضد الفلسطينيين والإسلاموفوبيا.
ويعكس هذا التأكيد حرص الاتحاد على الفصل بين موقفه الرافض للتعامل مع الشحنات العسكرية المتجهة إلى إسرائيل وبين أي خطاب يستهدف جماعات دينية أو عرقية، في ظل حساسية النقاش العام الكندي بشأن الحرب في غزة والسياسة الإسرائيلية.
ويأتي القرار بعد تصاعد مطالب منظمات حقوقية ونقابية بوقف صادرات السلاح، على خلفية المخاوف من استخدام معدات عسكرية غربية في عمليات قد تنتهك القانون الدولي الإنساني.
قطع العلاقات مع «الهستدروت» يمهد لقرار جديد
وأشار «ميدل إيست آي» إلى أن مؤتمر العمال الكندي ارتبط تاريخياً بعلاقات مع الاتحاد العام لنقابات العمال في إسرائيل، المعروف باسم «الهستدروت»، غير أن هذه العلاقات شهدت تراجعاً تدريجياً بعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وفق دراسة أكاديمية نُشرت عام 2014.
وفي مايو الماضي، صوّت المؤتمر لصالح قطع علاقاته مع «الهستدروت»، بينما لم يُحسم في ذلك الوقت نقاش آخر كان يستهدف تصنيف جميع السلع والخدمات والعلاقات المؤسسية الإسرائيلية ضمن فئة «البضائع المحظورة نقابياً»، وهو إجراء يُعرف في الأدبيات العمالية باسم «هوت كارجو».
وتقول مجموعة «عمال من أجل فلسطين – كندا»، التي قادت حملة منع التعامل مع الشحنات العسكرية المتجهة إلى إسرائيل، إن الحركة العمالية الكندية تمتلك تاريخاً من التحركات التضامنية مع قضايا التحرر ومناهضة الحروب.
واستحضرت المجموعة مواقف سابقة للنقابات الكندية، من بينها دعم إنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، ومساندة استقلال تيمور الشرقية، ومعارضة الحرب في العراق، معتبرة أن الوقت حان لاتخاذ موقف مماثل تجاه فلسطين.
منظمات حقوقية ترحب بالتصويت
ورحبت منظمة «كنديون من أجل العدالة والسلام في الشرق الأوسط» بالقرار، واعتبرته وسيلة يمكن للعمال من خلالها المساهمة في منع وصول الأسلحة الكندية إلى إسرائيل، معربة عن مخاوفها من استخدام هذه المعدات في انتهاكات بحق الفلسطينيين.
كما أشادت مجموعة «أصوات يهودية مستقلة» بالتصويت، وقالت إنه يبعث برسالة مفادها أن العمال الكنديين لا يريدون أن يكونوا طرفاً في ما وصفته المجموعة بالإبادة في غزة أو في توسيع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة.
وتعكس هذه المواقف اتساع دائرة التحركات المطالبة بوقف صادرات السلاح داخل كندا، مع انضمام اتحادات عمالية ومجموعات يهودية تقدمية ومنظمات سلام إلى المطالب التي كانت تقودها في السابق منظمات فلسطينية وعربية وحقوقية.
صادرات عسكرية بأكثر من 44 مليون دولار
وفي سياق الجدل نفسه، أفادت وزارة الشؤون العالمية الكندية بأن قيمة صادرات كندا من «السلع العسكرية» إلى إسرائيل تجاوزت 44 مليون دولار خلال الفترة الممتدة بين عامي 2023 و2025، وفق ما نقله «ميدل إيست آي».
ويعيد هذا الرقم طرح التساؤلات بشأن مدى اتساق السياسة التجارية والعسكرية الكندية مع التعهدات الحكومية المتعلقة بتقييد صادرات الأسلحة، خصوصاً في ظل استمرار المطالبات بفرض حظر شامل على نقل المعدات العسكرية إلى إسرائيل.
ويضع قرار مؤتمر العمال الكندي الحكومة أمام ضغط داخلي إضافي، إذ تنتقل القضية من نطاق الاحتجاجات والمنظمات الحقوقية إلى مؤسسات نقابية واسعة العضوية، تمتلك حضوراً في قطاعات النقل والموانئ وسلاسل التوريد.
وبينما تتواصل الحرب على غزة وتتزايد الدعوات الدولية لاحترام القانون الإنساني، قد يشكل القرار نقطة انطلاق لتحركات نقابية أوسع داخل كندا، وربما خارجها، بشأن مسؤولية العمال والشركات والمؤسسات عن حركة المعدات العسكرية المتجهة إلى مناطق النزاع.
اقرأ المزيد
نائب كندي يفقد منصبه بعد تصويته لتقييد وصول السلاح إلى إسرائيل
محكمة بريطانية: مصنع «إلبيت» المستهدف من «فلسطين أكشن» كان يجهز شحنة فورية من المسيّرات إلى إسرائيل
استثمارات كوشنر الخليجية تصل إلى شركات مرتبطة بالسلاح الإسرائيلي عبر مجموعة «فينكس»

