وطن-كشفت شبكة «سي إن إن» عن تشابك مالي بين شركة الاستثمار التي يديرها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومجموعة مالية إسرائيلية تستثمر مئات الملايين من الدولارات في شركات تزود الجيش الإسرائيلي بمعدات وأنظمة عسكرية، في وقت يؤدي فيه كوشنر دوراً بارزاً في التحركات الدبلوماسية الأميركية المرتبطة بحرب غزة.
ووفق التحقيق، فإن شركة «أفينيتي بارتنرز» التي أسسها كوشنر، والتي حصلت على تمويل كبير من مستثمرين في الخليج، أصبحت أكبر مساهم في مجموعة «فينكس فايننشال» الإسرائيلية. وتملك «فينكس» حصصاً في ما لا يقل عن تسع شركات قالت «سي إن إن» إنها توفر معدات أو خدمات للجيش الإسرائيلي، بقيمة إجمالية تتجاوز 456 مليون دولار.
ولا يعني ذلك أن «أفينيتي بارتنرز» تملك حصصاً مباشرة في شركات السلاح التسع، بل إن العلاقة الاستثمارية تمر عبر ملكيتها في «فينكس»، التي تستثمر بدورها في تلك الشركات. وهذه نقطة أساسية في فهم طبيعة التشابك المالي الذي كشف عنه التحقيق.
من 128.5 مليون دولار إلى أكبر مساهم في «فينكس»
بدأت علاقة «أفينيتي بارتنرز» بـ«فينكس فايننشال» في يوليو/تموز 2024، عندما اشترت الشركة التي يديرها كوشنر حصة قدرها 4.95% في المجموعة الإسرائيلية مقابل 128.5 مليون دولار. وبعد حصولها على الموافقات التنظيمية، ضاعفت «أفينيتي» حصتها في يناير/كانون الثاني 2025، قبل أيام من عودة ترامب إلى البيت الأبيض، لتصبح أكبر مساهم في «فينكس».
وبحلول يوليو/تموز 2026، كانت «أفينيتي» لا تزال أكبر مساهم في «فينكس»، بحصة بلغت نحو 7.4%، قدرت قيمتها بأكثر من مليار دولار.
وفي الشهر نفسه، باعت شركة كوشنر نحو ربع حصتها في «فينكس» مقابل أكثر من 340 مليون دولار، محققة عائداً يزيد على خمسة أضعاف استثمارها الأولي، بحسب التحقيق الذي نشرته «سي إن إن». وكان كوشنر قد وصف استثماره في «فينكس» بأنه «أفضل استثمار» لشركته.
أكثر من 456 مليون دولار في شركات مرتبطة بالجيش الإسرائيلي
اعتمد تحقيق «سي إن إن» على آلاف السجلات المالية الإسرائيلية لتتبع استثمارات «فينكس»، وخلص إلى أن المجموعة استثمرت ما لا يقل عن 456 مليون دولار في تسع شركات تزود الجيش الإسرائيلي بمعدات أو خدمات مرتبطة بالقطاع العسكري.
ومن أبرز هذه الشركات «إلبيت سيستمز»، أكبر شركة لصناعة الأسلحة في إسرائيل، إذ بلغت قيمة حصة «فينكس» فيها نحو 265.1 مليون دولار وفق التحقيق.
كما رصد التحقيق استثمارات في شركات أخرى مرتبطة بمعدات عسكرية، من بينها شركة إسرائيلية لبناء السفن تزود البحرية الإسرائيلية بسفن حربية، وشركات تنتج مكونات للمركبات العسكرية وصواعق إلكترونية للقذائف.
وقالت «سي إن إن» إن العديد من الشركات التسع شهدت ارتفاعاً في قيمتها السوقية خلال العام الماضي، فيما أعلنت شركات منها عن زيادة في الأعمال والطلب خلال فترة الحرب.
ما علاقة كوشنر المباشرة بهذه الاستثمارات؟
تؤكد هذه النقطة أهمية التمييز بين ملكية «أفينيتي» في «فينكس» وبين استثمارات «فينكس» نفسها، فبحسب محامي كوشنر، فإن موكلهم لا يشارك في قرارات «فينكس» المتعلقة بتوزيع استثماراتها، وليس عضواً في مجلس إدارتها، ولم يشغل منصباً إدارياً فيها. كما قال البيت الأبيض إن الأنشطة التجارية الشخصية لكوشنر منفصلة عن مهماته الدبلوماسية التي يؤديها بطلب من ترامب وبصفة تطوعية. لكن التحقيق أشار في الوقت نفسه إلى أن العلاقة بين كوشنر و«فينكس» لم تكن مجرد استثمار مالي بعيد عن التواصل المباشر.
ففي مقابلة مع مجلة «فوربس» في سبتمبر/أيلول 2025، تحدث كوشنر عن وجود «حوار نشط للغاية» مع إدارة «فينكس»، وقال إنه يلتقي مسؤولي المجموعة بصورة منتظمة لمناقشة الشركة واتجاهات السوق وفرص استراتيجية محتملة. وأكد محاميه لـ«سي إن إن» أن هذه الاتصالات كانت قائمة، لكنه قال إن كوشنر قلل تواصله مع إدارة الشركة بعد انخراطه بصورة أكبر في النشاط الدبلوماسي والخدمة العامة.
أموال خليجية في خلفية شركة كوشنر
تكتسب الاستثمارات أهمية إضافية بسبب مصادر التمويل التي تقف خلف «أفينيتي بارتنرز»، فوفق بيانات مالية نقلتها «بي بي إس»، أعلنت الشركة في 2026 عن إدارة أصول تتجاوز 6.1 مليار دولار، فيما بلغت نسبة الأصول العائدة إلى مستثمرين من خارج الولايات المتحدة نحو 99%، مع ارتباط الجزء الأكبر من الأموال بالسعودية والإمارات وقطر.
وكان صندوق الاستثمارات العامة السعودي قد ضخ ملياري دولار في شركة كوشنر بعد انتهاء ولاية ترامب الأولى، فيما حصلت «أفينيتي» لاحقاً على تمويل إضافي من مستثمرين قطريين وإماراتيين، وفق التقارير المنشورة عن هيكل تمويل الشركة.
وهكذا تظهر سلسلة استثمارية متعددة المراحل: أموال مستثمرين خليجيين تدخل في شركة كوشنر، التي تمتلك حصة كبيرة في «فينكس»، بينما تستثمر «فينكس» بدورها في شركات إسرائيلية، بينها شركات مرتبطة بتزويد الجيش الإسرائيلي بمعدات عسكرية.
كوشنر بين الاستثمار والدبلوماسية
تأتي هذه المعطيات في وقت أصبح فيه كوشنر لاعباً بارزاً في التحركات الأميركية المتعلقة بالشرق الأوسط، ولا سيما ملف غزة.
وقد شارك في المفاوضات والاتصالات المرتبطة بالحرب والهدنة، فيما احتفظ في الوقت نفسه باستثماره الكبير في «فينكس». ووصف تحقيق «سي إن إن» هذا التداخل بين النشاط التجاري والدبلوماسي بأنه مصدر تساؤلات وانتقادات بشأن الفصل بين المصالح الخاصة والعمل الدبلوماسي.
لكن التحقيق نفسه لم يجد دليلاً على أن تحركات كوشنر الدبلوماسية أثرت بصورة مباشرة في الاستثمارات التي تتبعها، وهي نقطة ينبغي التمييز بينها وبين الأسئلة الأخلاقية والسياسية التي يثيرها تزامن الدورين.
كما أن كوشنر لا يشغل منصباً حكومياً رسمياً، ويؤدي أدواره الدبلوماسية بصفة تطوعية، وهو ما يختلف عن وضع المسؤول الحكومي الذي يخضع لقواعد قانونية محددة بشأن الإفصاح المالي وتضارب المصالح.
استثمار مربح وسط الحرب
حقق استثمار «أفينيتي» في «فينكس» عائداً كبيراً بالفعل. فبعد أن دفعت الشركة 128.5 مليون دولار مقابل حصتها الأولى في 2024، ضاعفت استثمارها لاحقاً، قبل أن تبيع في يوليو/تموز 2026 نحو ربع حصتها مقابل أكثر من 340 مليون دولار.
ورغم عملية البيع، ظلت «أفينيتي» أكبر مساهم في المجموعة الإسرائيلية، بحصة قدرت بنحو 7.4% وبقيمة تجاوزت مليار دولار في يوليو/تموز.
وتشير «سي إن إن» إلى أن ارتفاع قيمة أسهم الشركات الدفاعية التي تستثمر فيها «فينكس» يأتي في سياق شهد زيادة الطلب على منتجات عدد من هذه الشركات منذ اندلاع الحرب في غزة.
أين ينتهي الاستثمار وأين يبدأ تضارب المصالح؟
تكشف هذه القضية عن شبكة مالية معقدة أكثر من كونها استثماراً مباشراً لشركة كوشنر في شركات السلاح، فـ«أفينيتي بارتنرز» لا تملك، وفق التحقيق، أسهماً مباشرة في الشركات الدفاعية التسع التي حددتها «سي إن إن». لكن ملكيتها في «فينكس» تجعلها مستثمراً رئيسياً في مجموعة تمتلك بدورها حصصاً في تلك الشركات.
وفي المقابل، ينفي محامو كوشنر مشاركته في قرارات «فينكس» الاستثمارية، بينما يؤكد البيت الأبيض أن نشاطه التجاري منفصل عن دوره الدبلوماسي. ولم تجد «سي إن إن» دليلاً على أن مهماته السياسية أثرت مباشرة في الاستثمارات التي درستها.
وبذلك تتركز القضية في سؤال أوسع حول حدود الفصل بين المصالح المالية الخاصة والنشاط الدبلوماسي غير الرسمي، خصوصاً عندما تكون الاستثمارات مرتبطة بجهات اقتصادية تعمل في بلد أو قطاع يقع في صلب المفاوضات التي يشارك فيها الشخص نفسه.
وتزداد حساسية الملف بسبب حجم الأموال الخليجية المرتبطة بشركة كوشنر، وبقاء استثماره الكبير في «فينكس» بالتزامن مع دوره في التحركات المتعلقة بغزة والشرق الأوسط. إلا أن إثبات وجود تضارب مصالح فعلي أو تأثير مباشر على قرارات الاستثمار يتطلب أدلة تتجاوز مجرد تزامن الملكية الخاصة مع النشاط الدبلوماسي.
قد يعجبك
كوشنر يقرّ بتأخر خطة غزة.. وتمويل أولي محدود بـ2.45 مليار دولار لإعادة الإعمار
من حصن شيوعي إلى ملاذ المليارديرات: خفايا مشروع جاريد كوشنير في جزيرة “سازان” الاستراتيجية
مكالمة كوشنر ومحمد بن سلمان.. ماذا حدث قبل إقصاء محمد بن نايف؟

