وطن-تعتزم الحكومة البريطانية المضي قدماً في فرض عقوبات واسعة على الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بصرف النظر عن نتائج الانتخابات في إسرائيل أو مستقبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو السياسي، في خطوة تعكس توجهاً داخل لندن نحو تشديد الضغوط على سياسة الاستيطان.
وبحسب ما أورده موقع «ميدل إيست آي»، أكدت شخصيات بارزة في الحكومة البريطانية، خلال أحاديث خاصة، أن وزراء حزب العمال مصممون على تنفيذ حزمة عقوبات شاملة، حتى في حال مغادرة نتنياهو رئاسة الحكومة الإسرائيلية.
ولا يُتوقع أن تقتصر الإجراءات على جهات إسرائيلية محددة، إذ قد تمتد إلى شركات تقدم خدمات البناء والعقارات المرتبطة بتوسيع المستوطنات. وتشير تقديرات داخلية، وفق الصحيفة، إلى أن استكمال الإجراءات قد يستغرق نحو تسعة أشهر، بسبب التعقيدات القانونية والإدارية المحيطة بها.
خلاف داخل الحكومة بشأن نطاق العقوبات
تحدثت مصادر حكومية وأخرى داخل حزب العمال عن وجود عوائق بيروقراطية قد تؤخر تنفيذ العقوبات أو تحد من نطاقها، متهمة بعض موظفي الخدمة المدنية بمحاولة إبطاء الإجراءات قبل دخولها حيز التنفيذ.
وبحسب المصادر التي نقلت عنها الصحيفة، يدفع بعض المسؤولين في وزارة الخارجية باتجاه حصر العقوبات في الشركات الإسرائيلية المتورطة مباشرة في أنشطة المستوطنات، من دون توسيعها لتشمل شركات بريطانية لها صلات بهذه الأنشطة أو تساهم فيها.
كما يرى مسؤولون، وفق التقرير، أن الشركات التي يتركز نشاطها الأساسي داخل إسرائيل، مع امتلاكها أعمالاً إضافية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ينبغي ألا تخضع للعقوبات. ومن شأن تبني هذا التوجه أن يضيّق نطاق الإجراءات التي أعلنها وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند في سبتمبر، بحيث تقتصر بصورة أساسية على الشركات التي ينحصر معظم نشاطها داخل المستوطنات.
ولا تزال بعض تفاصيل النظام العقابي غير واضحة، خصوصاً ما يتعلق بما وصفه ميليباند بـ«الاستثناءات الدينية المناسبة». ولم تقدم الحكومة البريطانية حتى الآن توضيحاً علنياً لطبيعة هذه الاستثناءات أو حدودها، وما إذا كانت ستؤثر في نطاق تطبيق العقوبات.
مخاوف من الطعون القضائية وضغوط داخلية
وتواجه الخطة، بحسب «ميدل إيست آي»، مخاوف قانونية داخل الحكومة البريطانية من احتمال لجوء جماعات مؤيدة لإسرائيل إلى القضاء للطعن في العقوبات ومحاولة تعطيل تنفيذها، وهو ما يفسر جانباً من الحذر الذي يبديه بعض المسؤولين.
وأشارت الصحيفة إلى أن مفوضية الجمعيات الخيرية البريطانية فتحت تحقيقاً في أغسطس الماضي، بعدما قالت النائبة العمالية ميلاني وارد إن ما لا يقل عن 32 جمعية خيرية مسجلة في إنجلترا وويلز حولت أكثر من 28 مليون جنيه إسترليني إلى مستوطنات إسرائيلية.
كما أفادت الصحيفة بأن السفارة البريطانية في تل أبيب عارضت فكرة فرض العقوبات منذ البداية، في حين أن ميليباند لا يريد، وفق ما نقلته عن مصادرها، إضعاف النظام العقابي أو تفريغه من مضمونه.
لندن تؤكد أن العقوبات لا تستهدف الناخب الإسرائيلي
وعندما أعلن ميليباند الإجراءات أمام البرلمان في 8 سبتمبر، شدد على أن حكومته لا تسعى إلى التدخل في الانتخابات الإسرائيلية، مؤكداً أن تحديد مستقبل إسرائيل يعود إلى الناخبين هناك، وأن الخلاف البريطاني يتعلق بسياسات حكومة نتنياهو وليس بالإسرائيليين.
لكن العلاقات بين لندن وحكومة نتنياهو شهدت تدهوراً خلال الفترة الأخيرة، بحسب الصحيفة، بعدما خفضت إسرائيل مستوى التمثيل القنصلي البريطاني في القدس الشرقية المحتلة إلى بعثة، رداً على العقوبات التي أعلنها حزب العمال.
وفي تطور آخر، أكدت الحكومة البريطانية وقف التعاون مع إسرائيل في إطار «خارطة الطريق 2030» للعلاقات الثنائية، وهي اتفاقية استراتيجية وُقعت عام 2023 خلال حكم المحافظين، بعد فترة قصيرة من عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة.
ومن شأن تطبيق العقوبات بصورتها الكاملة أن يلزم البنوك البريطانية وصناديق التقاعد ومديري الأصول بالتخارج من الشركات العاملة في المستوطنات، فضلاً عن منع المؤسسات المالية من تقديم قروض عقارية وخدمات تأمين وغيرها من الخدمات التي تدعم النشاط الاستيطاني.
خطة «إي 1» تسرّع التحرك البريطاني
برزت خطة الاستيطان المعروفة باسم «إي 1» باعتبارها أحد العوامل التي زادت الإحساس بضرورة التحرك داخل الحكومة البريطانية، نظراً إلى تداعياتها المحتملة على مستقبل الضفة الغربية المحتلة.
وتتضمن الخطة بناء آلاف الوحدات السكنية بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، الواقعة على بعد نحو سبعة كيلومترات شرق المدينة. ويرى منتقدو المشروع أنه قد يؤدي إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، بما يعرقل التواصل الجغرافي الفلسطيني ويقوض فرص إقامة دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة.
ورغم أن بعض منتقدي العقوبات وصفوها بأنها إجراءات استعراضية، فإن «ميدل إيست آي» أشارت إلى أن الإعلان البريطاني ترك أثراً داخل إسرائيل؛ إذ أمر المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية، وفق التقرير، بتأجيل إعلان الفائزين بعطاءات خطة «إي 1» إلى ما بعد الانتخابات.
العقوبات مستمرة رغم حسابات تشكيل الحكومة الإسرائيلية
تأتي هذه التحركات البريطانية في وقت تشهد فيه إسرائيل مفاوضات معقدة لتشكيل الحكومة، وسط حالة من الجمود بين معسكر نتنياهو والمعارضة. ووفق الصحيفة، عرضت أحزاب يقودها فلسطينيون دعم حكومة أقلية بقيادة المعارضة لمنع عودة نتنياهو إلى السلطة، لكن شخصيات بارزة في المعارضة رفضت الحكم بدعم أو مشاركة الأحزاب العربية.
وفي المقابل، بدأت مفاوضات بشأن تشكيل حكومة وحدة وطنية تقوم على تقاسم السلطة بين نتنياهو وأحزاب معارضة رئيسية. وبرز في هذا السياق اسم غادي آيزنكوت، زعيم حزب «ياشار»، الذي عارض علناً خطة «إي 1»، لكنه يؤيد بصورة عامة المستوطنات في القدس الشرقية والضفة الغربية، رغم عدم قانونيتها بموجب القانون الدولي.
وبحسب «ميدل إيست آي»، يرى وزراء بريطانيون أن تراجع أي حكومة إسرائيلية مقبلة عن خطة «إي 1»، إذا حدث، لا ينبغي أن يغير مسار العقوبات، لأن الهدف الأساسي منها هو جعل السياسة البريطانية أكثر اتساقاً مع القانون الدولي.
وبذلك، لا يبدو أن مصير نتنياهو أو نتائج المفاوضات السياسية في إسرائيل ستحدد وحدها مستقبل الإجراءات البريطانية، إذ يبقى التحدي الأساسي أمام لندن هو ترجمة إعلان العقوبات إلى نظام عملي واسع النطاق، من دون أن تؤدي الضغوط القانونية والبيروقراطية إلى تقليصه أو استثناء أطراف مؤثرة من تطبيقه.
اقرأ المزيد
«نسمعكم.. كنتم على حق».. ميليباند يعلن تحولاً لافتاً في موقف بريطانيا من فلسطين
عقوبات بريطانيا على المستوطنات الإسرائيلية.. ما الجهات والأنشطة التي تستهدفها؟
فرنسا وكندا تستعدان لإعلان عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية بعد خطوة بريطانيا
بريطانيا تتجه لحظر بضائع المستوطنات الإسرائيلية.. اختبار حاسم لاستقلال سياستها الخارجية


تعليق واحد
نفاق بريطاني..