وطن-في خطوة تعكس تشديد موسكو قبضتها التنظيمية على شركات التكنولوجيا الأجنبية، أدرجت هيئة الرقابة الروسية على الاتصالات والإنترنت «روسكومنادزور» شركتي آبل ومايكروسوفت ضمن سجل «منظمي نشر المعلومات»، وهو تصنيف قانوني يفرض التزامات تتعلق بالاحتفاظ ببيانات المستخدمين داخل روسيا وإتاحتها للسلطات المختصة عند الطلب.
وبحسب ما أوردته وكالة «بلومبرغ»، صدر القرار في الثاني من أكتوبر، في إطار مساعٍ روسية متواصلة لإخضاع منصات التكنولوجيا والاتصالات الأجنبية للقوانين المحلية، وتعزيز قدرة السلطات على الوصول إلى البيانات المرتبطة بالأنشطة الرقمية.
ولا يعني إدراج الشركتين في السجل أن خدماتهما أصبحت محظورة داخل روسيا، أو أن بيانات المستخدمين سُلّمت بالفعل إلى الأجهزة الأمنية. لكنه يضعهما ضمن إطار قانوني يتيح للسلطات طلب معلومات محددة، ويفتح المجال أمام فرض عقوبات أو قيود في حال عدم الامتثال.
ما الالتزامات التي يفرضها التصنيف الروسي؟
يفرض تصنيف «منظمي نشر المعلومات» التزامات واسعة على الشركات المدرجة، أبرزها الاحتفاظ ببيانات الاتصالات والمستخدمين داخل الأراضي الروسية، بما يشمل معلومات مرتبطة بالمراسلات الصوتية والمرئية، وبيانات التعريف بالمستخدمين وسجلات نقل المعلومات.
ووفقاً لما نقلته «بلومبرغ»، يمكن لأجهزة الأمن الروسية طلب الوصول إلى هذه البيانات استناداً إلى التشريعات المحلية، فيما قد تواجه الشركات التي لا تلتزم بالمتطلبات غرامات مالية أو إجراءات تنظيمية قد تصل إلى تقييد خدماتها داخل البلاد.
وتثير هذه الالتزامات تساؤلات بشأن نطاق البيانات التي يمكن أن تشملها خدمات آبل ومايكروسوفت، خصوصاً أن طبيعة المعلومات المتاحة تختلف من خدمة إلى أخرى، تبعاً لطريقة تخزينها ومستويات التشفير المستخدمة.
هل تستطيع السلطات الروسية الوصول إلى بيانات آبل؟
لا يعني إدراج آبل في السجل أن جميع خدماتها أصبحت تلقائياً خاضعة لتسليم البيانات، كما لا يثبت أن الشركة باتت قادرة أو ملزمة بتوفير كل أنواع المعلومات التي قد تطلبها السلطات.
وتختلف البيانات المتاحة تقنياً بين خدمات مثل «آي مسج» و«فيس تايم» و«آي كلاود»، وفقاً لطبيعة الخدمة وإعدادات الحماية والتشفير المعتمدة فيها. لذلك، لا يمكن تحديد المعلومات التي قد تتمكن الشركة من تقديمها من دون توضيح رسمي أو وثائق فنية تفصيلية.
كما لا تزال هناك أسئلة بشأن مدى شمول التصنيف مختلف خدمات الشركتين، وما إذا كانت لديهما بنية تحتية محلية داخل روسيا تسمح بتخزين البيانات وفق المتطلبات القانونية الجديدة.
وحتى الآن، لا تتوافر معلومات مؤكدة بشأن توجيه السلطات الروسية طلبات محددة إلى آبل أو مايكروسوفت للحصول على بيانات مستخدمين عقب إدراجهما في السجل.
صمت آبل ومايكروسوفت يترك أسئلة بلا إجابات
لم يصدر عن آبل أو مايكروسوفت، وفقاً لما أوردته «بلومبرغ» وموقع «آبل إنسايدر»، تعليق علني يوضح موقف الشركتين من إدراجهما في السجل الروسي أو طبيعة الإجراءات التي تعتزمان اتخاذها.
ويترك غياب التوضيح الرسمي عدة مسائل مفتوحة، من بينها حدود البيانات التي يمكن أن تطلبها السلطات، ومدى قدرة الشركتين على الامتثال من الناحية التقنية، والخيارات القانونية المتاحة أمامهما للاعتراض على التصنيف.
وبينما قد يشكل القرار أداة ضغط على الشركتين، فإن تأثيره الفعلي على خصوصية المستخدمين سيظل مرتبطاً بالخطوات التي قد تتخذها السلطات الروسية لاحقاً، وطبيعة الطلبات التي يمكن أن توجهها إليهما.
حملة روسية أوسع ضد منصات التكنولوجيا الأجنبية
يأتي إدراج آبل ومايكروسوفت ضمن سجل «منظمي نشر المعلومات» في سياق سياسة روسية أوسع تستهدف إخضاع منصات الاتصال والخدمات الرقمية الأجنبية للقوانين المحلية.
وبحسب «بلومبرغ»، تضم القائمة منصات وشركات أخرى، من بينها واتساب وتيليغرام وسناب شات وغوغل وخدمة «غوغل ميت»، ما يعكس اتساع نطاق الإجراءات التنظيمية التي تستخدمها موسكو في التعامل مع شركات التكنولوجيا الدولية.
ولا تقتصر هذه السياسة على فرض التزامات تتعلق بحفظ البيانات، بل تشمل أيضاً إجراءات حجب وتقييد لبعض الخدمات عندما تعتبر السلطات أنها لا تلتزم بالقواعد المحلية.
وفي هذا السياق، كانت روسيا قد حجبت خدمة «فيس تايم» في ديسمبر 2025. وذكرت وكالة «رويترز» أن هيئة «روسكومنادزور» بررت القرار باتهامات تتعلق باستخدام الخدمة في أنشطة مرتبطة بالإرهاب والتجنيد والاحتيال، من دون تقديم أدلة علنية تدعم تلك المزاعم.
وأدى الحجب إلى مواجهة مستخدمين داخل روسيا صعوبات في إجراء المكالمات عبر الخدمة، فيما لم تصدر آبل حينها رداً فورياً على طلبات التعليق، وفقاً للتقرير.
وتكشف هذه الإجراءات عن اعتماد موسكو مزيجاً من الأدوات القانونية والتنظيمية والتقنية، بدءاً من إلزام الشركات بتخزين البيانات، مروراً بفرض الغرامات، وصولاً إلى تقييد الخدمات أو حجبها.
ما الخيارات المتاحة أمام الشركتين؟
يضع القرار آبل ومايكروسوفت أمام تحديات قانونية وتقنية، في ظل تعارض محتمل بين متطلبات السلطات الروسية والتزامات حماية بيانات المستخدمين في الأسواق الأخرى.
ومن الخيارات التي قد تكون مطروحة أمام الشركتين الاعتراض على التصنيف، أو توضيح حدود البيانات التي تستطيعان توفيرها، أو اتخاذ إجراءات لتقليص نطاق المعلومات المتاحة، بحسب طبيعة الخدمات والبنية التقنية المستخدمة.
وتعود جذور التوتر بين آبل وموسكو إلى مارس 2022، عندما علّقت الشركة مبيعات منتجاتها في روسيا عقب الغزو الروسي لأوكرانيا. لكن إدراجها في السجل الحالي يفتح ملفاً مختلفاً يرتبط مباشرة بخصوصية المستخدمين والبيانات الرقمية.
وفي المحصلة، لا يثبت القرار انتقال بيانات مستخدمي آبل ومايكروسوفت إلى السلطات الروسية، لكنه يمنح الجهات المختصة أساساً قانونياً للمطالبة بها وفق التشريعات المحلية. وستتوقف التداعيات الفعلية على ما إذا كانت موسكو ستوجه طلبات رسمية للشركتين، أو تفرض عقوبات في حال رفض الامتثال، وعلى الموقف الذي ستعلنه الشركتان بشأن حماية بيانات مستخدميهما.
اقرأ المزيد
تحذير عالمي لمستخدمي “آيفون”: تحديث عاجل لحماية مئات الملايين من المستخدمين
كلفة ساعة الروبوت بين دولارين و35 دولاراً.. الأرقام تكشف التحدي الحقيقي وراء ثورة الذكاء الاصطناعي

