وطن-ارتفع هتاف «روح بن غفير» خلال احتفالات الأحزاب العربية في إسرائيل، في مشهد عكس حجم الرهان على نتائج الانتخابات البرلمانية، بعدما أظهرت استطلاعات الخروج تقدماً لافتاً للقائمتين العربيتين، ووضعت أصوات الناخبين العرب في قلب الحسابات المتعلقة بتشكيل الحكومة المقبلة.
لكن خلف أجواء الاحتفال، تبرز معادلة سياسية معقدة: فحتى مع تراجع معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في استطلاعات الخروج، لم يحصل أي من المعسكرين الرئيسيين على أغلبية واضحة تتيح له تشكيل الحكومة بمفرده، فيما باتت الأحزاب العربية تملك وزناً برلمانياً قد يؤثر في المفاوضات المقبلة.
وبين المطالبة بإبعاد وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير عن الحكومة، ومحاولة ترجمة المكاسب الانتخابية إلى نفوذ سياسي فعلي، ينتقل الصراع من صناديق الاقتراع إلى مفاوضات الائتلافات، حيث قد تكون الحسابات والتحالفات أكثر حسماً من الهتافات.
مكاسب عربية لافتة.. والأرقام لم تُحسم نهائياً
أظهرت استطلاعات الخروج التي بثتها القنوات الإسرائيلية الرئيسية عقب انتخابات 27 أكتوبر 2026 أن القائمتين العربيتين قد تحصلان على ما بين 17 و18 مقعداً في الكنيست المؤلف من 120 عضواً، مقارنة بعشرة مقاعد تشغلها القائمتان في البرلمان المنتهية ولايته.
وتوزعت التقديرات الأولية بين القائمة المشتركة، التي يُتوقع أن تحصل على نحو عشرة أو أحد عشر مقعداً، والقائمة العربية الموحدة، التي قُدّر نصيبها بسبعة مقاعد. وتختلف الأرقام بين استطلاع وآخر، ما يجعلها مؤشرات أولية لا نتائج نهائية.
وعكست الاحتفالات في بلدات عربية، بينها الناصرة وسخنين والطيبة، شعوراً بأن المشاركة الانتخابية قد منحت الأحزاب العربية فرصة لتعزيز حضورها في البرلمان. لكن حجم هذا الحضور لا يعني تلقائياً القدرة على فرض حكومة أو ضمان إخراج بن غفير من السلطة؛ إذ يتوقف ذلك على مواقف بقية الأحزاب واستعدادها للتفاوض مع القوائم العربية أو قبول دعمها.
نتنياهو وآيزنكوت.. لا أغلبية مضمونة لأي معسكر
تكشف استطلاعات الخروج عن مأزق في حسابات تشكيل الحكومة. ففي التقديرات الأولية للقنوات الرئيسية، حصل معسكر نتنياهو على نحو 50 مقعداً، مقابل 52 إلى 53 مقعداً للأحزاب اليهودية المعارضة له، فيما بقيت المقاعد العربية خارج هذين المعسكرين في التصنيف السياسي المعتاد. وبذلك لم يصل أي طرف إلى عتبة 61 مقعداً اللازمة لضمان أغلبية برلمانية.
وتضع هذه النتائج نتنياهو أمام مهمة البحث عن شركاء إضافيين، بينما يواجه غادي آيزنكوت، أبرز منافسيه في هذه الانتخابات، تحدياً مماثلاً: كيف يمكن تشكيل ائتلاف قادر على الحكم، في ظل تحفظ أحزاب معارضة على الدخول في حكومة تعتمد على دعم القوائم العربية؟
وهنا تظهر أهمية المقاعد العربية؛ فهي قد تؤثر في الحسابات البرلمانية، لكن تحويلها إلى نفوذ سياسي يتطلب اتفاقات واضحة بشأن طبيعة الدعم وشروطه، فضلاً عن استعداد الأطراف الأخرى لقبول هذا الترتيب.
هل تستطيع الأحزاب العربية إخراج بن غفير من الحكومة؟
تحول شعار «بن غفير برّا» إلى تعبير عن مطلب سياسي يتجاوز الاعتراض على شخصية الوزير اليميني المتطرف، ليشمل رفض استمرار حكومة تعتمد على القوى اليمينية المتشددة.
وأعلن سياسيون عرب، وفق التصريحات الواردة في المادة، تمسكهم بمنع بن غفير من تولي منصب وزاري في الحكومة المقبلة. كما عبّر النائب أحمد الطيبي عن اعتقاده بأن نتنياهو لن يتمكن من تشكيل الحكومة، فيما أهدى أسامة السعدي ما وصفه بالإنجاز الانتخابي إلى الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، موجهاً رسالة تضامن مع الأسرى.
لكن تحقيق هذا الهدف لا يرتبط بعدد المقاعد العربية وحده. فحتى لو اتفقت القائمتان العربيتان على موقف موحد، فإن إخراج بن غفير من الحكومة يتوقف على تركيبة الائتلاف المقبل، وعلى استعداد الأحزاب الأخرى لاستبعاد حزبه أو رفض مشاركته في السلطة.
كذلك، فإن معارضة نتنياهو لا تعني بالضرورة استعداد جميع خصومه لتشكيل حكومة تعتمد على دعم عربي؛ إذ سبق أن استبعدت أحزاب يهودية معارضة التعاون مع القوائم العربية ضمن ائتلاف حكومي، وهو ما قد يحد من قدرتها على الاستفادة من مجموع المقاعد المتاحة ضد نتنياهو.
أربعة سيناريوهات أمام تشكيل الحكومة
تفتح النتائج الأولية الباب أمام عدة مسارات سياسية، لكن أياً منها لا يزال محسوماً في هذه المرحلة.
أولاً: تشكيل ائتلاف معارض لنتنياهو. يتطلب هذا السيناريو جمع عدد كافٍ من المقاعد عبر اتفاقات بين أحزاب المعارضة، مع معالجة الخلافات بشأن التعاون مع الأحزاب العربية. وقد يكون هذا المسار ممكناً حسابياً، لكنه يواجه عقبات سياسية تتعلق بشروط المشاركة في الحكومة وحدود الدعم العربي.
ثانياً: حكومة أقلية تعتمد على دعم عربي. قد تسعى أحزاب معارضة إلى تشكيل حكومة من دون إشراك القوائم العربية رسمياً في الائتلاف، مع الاعتماد على دعمها في التصويت على الثقة أو في قضايا محددة. غير أن نجاح هذا الخيار يحتاج إلى تفاهمات واضحة، ولا سيما أن المواقف من المشاركة العربية في الحكم لا تزال موضع خلاف.
ثالثاً: حكومة وحدة بين خصوم الأمس. يظل احتمال التوصل إلى اتفاق بين نتنياهو وآيزنكوت أو أطراف أخرى قائماً من الناحية السياسية، رغم صعوبة تجاوز الاستقطاب والخلافات بشأن السياسات الداخلية والأمنية. وفي حال تحقق هذا السيناريو، قد تجد الأحزاب العربية نفسها خارج الحكومة رغم مكاسبها الانتخابية.
رابعاً: تعثر المفاوضات والعودة إلى الانتخابات. إذا فشل المعسكران في جمع أغلبية برلمانية، فقد تدخل إسرائيل مرحلة من الجمود السياسي تنتهي بالدعوة إلى انتخابات جديدة. وفي هذه الحالة، قد يستمر نتنياهو في تصريف الأعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة، وفق الإجراءات السياسية والدستورية المعمول بها.
من الاحتفال إلى اختبار النفوذ السياسي
تضع المكاسب العربية الأحزاب أمام اختبار يتجاوز الاحتفال بعدد المقاعد: هل تستطيع تحويل حضورها البرلماني إلى تأثير ملموس في تشكيل الحكومة والسياسات التي تمس المواطنين العرب، أم ستظل قوتها الانتخابية منفصلة عن مراكز القرار؟
وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل الانقسام السياسي داخل إسرائيل، ورفض بعض الأحزاب اليهودية المعارضة الاعتماد على القوائم العربية لتشكيل حكومة. فالأغلبية العددية المناهضة لنتنياهو لا تعني بالضرورة وجود أغلبية متفقة على حكومة بديلة، لأن المواقف من الشراكة السياسية مع الأحزاب العربية قد تعرقل أي تفاهم.
أما نتنياهو، فسيكون أمامه خيار التفاوض مع شركاء إضافيين أو محاولة استثمار الخلافات بين خصومه. وفي المقابل، قد تسعى الأحزاب العربية إلى توظيف موقعها في البرلمان لفرض شروط سياسية، سواء تعلق الأمر بمنع بن غفير من تولي حقيبة وزارية أو بتحقيق مطالب مدنية واجتماعية للناخبين العرب.
النتيجة الأبرز حتى الآن أن الأصوات العربية باتت رقماً مؤثراً في حسابات تشكيل الحكومة، لكن إزاحة نتنياهو وإبعاد بن غفير لم يُحسما بعد. فالمعركة الحقيقية تبدأ مع المفاوضات، حيث ستتحدد قدرة الأحزاب العربية على تحويل المقاعد إلى نفوذ، وقدرة خصوم نتنياهو على تجاوز خلافاتهم لبناء ائتلاف قابل للحكم.
اقرأ المزيد
انتخابات إسرائيل 2026.. تراجع معسكر نتنياهو وصعود الأحزاب العربية يفتحان باب التحالفات
الجذور البولندية لقادة إسرائيل.. من بن غوريون إلى نتنياهو حكاية ألف عام من التاريخ
جيل نتنياهو يدخل الانتخابات.. هل أصبح اليمين المتطرف واقعاً طبيعياً لدى الشباب الإسرائيلي؟

